اخبار العراق الان

الثقافتان: رؤية مُحدّثة بعد نصف قرن

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

يُسعِدني كثيراً أن أقدّم في المادة التالية ترجمة لفقرات محدّدة من مقالة كتبها الفيزيائي النظري المرموق ( لورنس كراوس ) بعنوان ( رؤية محدّثة لمقالة ” الثقافتان ” ) وظهرت في مطبوعة الأمريكي العلمي Scientific American الشهيرة في العدد المنشور بتأريخ 1 سبتمبر 2009 .

لورنس كراوس Lawrence M. Krauss فيزيائي وفلكي ومؤسس لِـ ” مشروع البدايات The Origins Project ” في جامعة أريزونا . يُشاد به في الوسط العِلمي الأمريكي كواحد من الشخصيات العلمية المُفكّرة والمشهورة في الوسط الشعبي . نشر البروفسور كراوس أكثر من 800 منشور علمي ، وألّفَ ثمانية كُتب بما في ذلك كتابه الأكثر مبيعاً ( كَونٌ من لا شيء A Universe From Nothing ) . نال كراوس درجة الدكتوراه Ph.D في الفيزياء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT ذي السمعة الأكاديمية العالمية في عام 1982 ، كما حصل على العديد من الجوائز الدولية للبحوث والكتابة ، ويُعَدُّ من الفيزيائيين النظريين ذوي الشهرة الواسعة في الوسط العلمي العالمي ، ومن أهم المواضيع التي أشتهر بها هي البحوث التي تربط بين الفيزياء الكمية وعِلم الكون بالإضافة إلى طبيعة العلاقة الإشكالية بين العلم والفلسفة . 

المترجمة

 

أشّرَتْ البداية المبكرة لهذا الصيف ( من عام 2009 ، المترجمة ) الذكرى السنوية الخمسين لمقالة البروفسور سي. بي. سنو ذائعة الصيت والموسومة ( الثقافتان والثورة العلمية ) ، تلك المقالة التي نظر فيها سنو بعين الرثاء تجاه الهوّة الثقافية التي تفصل بين ذينك الفضاءين العظيمين للفعالية الفكرية الإنسانية : ( العلم ) و ( الآداب ) ، وقد جادل سنو في أطروحته العتيدة تلك أنّ المشتغلين في الفضاءين ينبغي أن يشيّدوا جسوراً بينهما من أجل تعزيز الإرتقاء بالمعرفة البشرية واستجلاب الخير للمجتمع في الوقت ذاته . 

لكن واأسفاه !! لم تتحقق رؤية سنو على النحو الذي أراد ؛ إذ على العكس منها نرى الوكيل الأدبي ( جون بروكمان John Brockman ) قد طرح مفهوم ( الثقافة الثالثة ) التي يشارك فيها العلماء أفكارهم على نحو مباشر مع الجمهور العام من خلال وسائط الميديا الشائعة من غير معونة أو دعم الأشكال الأدبية السائدة ، وفي الوقت ذاته أصبحنا نرى العديد من هؤلاء المُشتغلين في الإنسانيات والفنون والآداب والسياسة مقتنعين بالعيش داخل الجدران المحصّنة للأميّة العلمية . 

ثمة أسباب وجيهة لفهم هذه الظاهرة ؛ إذ في المقام الأول ، وفي الوقت الذي نتحسّر فيه دوماً على انعدام تعليم علمي ذي مستوى مقبول في مدارسنا العامة ( حيث نشهد ، على سبيل المثال فحسب ، أنّ الكثرة الغالبة من معلمي الفيزياء والرياضيات في المدارس الأمريكية ذات المستويات المتواضعة غير حاصلين على شهادة علمية وغير مؤهلين للتعليم العلمي أصلاً ! ) فإنّ الأمية العلمية لاتعدُّ عائقاً خطيراً أو مثلبة كبرى لحيازة النجاح في عالم الأعمال والسياسة والفنون والآداب . ومن جهة أخرى ، وعلى المستوى الجامعي ، يُنظَرُ غالباً إلى العلم باعتباره محض شيء مطلوب لإتمام متطلبات النجاح ومن ثمّ نسيان أمره تماماً ، ولكي نكون منصفين فإنّ الأمر ذاته هو مايحصل غالباً مع البرامج الدراسية ( الكورسات ) الخاصة بالإنسانيات التي يدرسها طلبة العلم والهندسة ؛ غير أنّ الإختلاف العظيم بين الحالتين يكمن في أنّ طلبة العلوم والهندسة واقعون تحت طائلة قصف الأدب والموسيقى والفنون على الدوام ( وفي أماكن خارج حدود الجامعة ) ولايستطيعون الفكاك من الوقوع في أسر ذلك القصف باعتباره جزءاً من الثقافة الشعبية التي تغلغلت في كلّ تفاصيل الحياة اليومية . ثمة ماهو أدهى من ذلك يكمن في أنّ بعض الأشخاص لايجدون غضاضة في التصريح بأنّ العلم ليس بالشيء المؤثر في حياتهم ؛ بل الحقّ أنهم يُشْهِرون هذا القول مع مسحة من الزهو والفخر ويعدّون ذلك في الأغلب قلادة مجدٍ تطوّق أعناقهم وتؤشر إنغماسهم في الثقافة الشعبية السائدة . 

ثمة عنصر آخر يعمل على تهميش دور العلم في المجتمع ، وهو عنصر شهدنا تبعاته أمام الأنظار في إحتفالية العلم العالمية التي أقيمت في نيويورك هذا الصيف ( عام 2009 ) ؛ إذ حصل أن شاركتُ في جلسة نقاشية حول ( العلم والإيمان والدين ) وسط وقائع كثيرة وجّهت إهتمامها نحو الكون والبيولوجيا الحديثة وميكانيك الكمّ وسواها من الجبهات المتقدمة في العلم . 

لكن لِماذا تكون مثل هذه الجلسة النقاشية جزءاً من إحتفالية علمية ؟ يوجّه مجتمعنا بالطبع إهتماماً خاصاً تجاه الدين ، ويتمظهرُ جزءٌ من هذا الإهتمام في الجهود الكبيرة التي تنهض بها مؤسسات ( مثل مؤسّسة تمبلتون* The Templeton Foundation ) التي أنفقت ملايين الدولارات سنوياً على برامج ( الأسئلة الكبرى The Big Questions ) التي تميل في النهاية لجعل المرء مقتنعاً بأنّ العلم والقناعة الدينية مرتبطان بشكلٍ ما وينبغي معاملتهما كندّين متكافئين .

إنّ المعضلة الكبرى هي أنّ العلم والدين ليسا متكافئين أو متماثلين ( وأنّ كلاً منهما يعمل في مجال متمايز عن الآخر ) ، وقد سبق للعالم الفيزيائي ( ستيفن واينبرغ** Steven Wienberg ) أن أكّد في ملاحظاته الدقيقة أنّ معظم الأشخاص الذين يَدْعون أنفسهم دينيين يميلون للتأكيد على تلك الأجزاء من النصوص المقدسة التي تروق لهم وتتفق مع رؤاهم فحسب حتى لو تصادمت تلك الرؤية مع تلك الرؤى المؤسسة على عقود من البحث التجريبي العقلاني .

تطلّع ( سنو ) إلى عالم مختلف تماماً عن هذا العالم الذي نحيا فيه اليوم حيث أمسى عدم الإهتمام بالعلم ، وعن طريق الأصولية الدينية المتغوّلة ، نوعاً من العداء السافر والمفتوح تجاه العلم وبعض مفهوماته ( مثل التطوّر أو الإنفجار الكبير ) . 

لم يدعُ ( سنو ) إلى حملة بالضد من الدين ؛ لكنه رأى ضرورة فكّ الإشتباك العدائي غير الضروري وغير المنتج بينهما ، وليس من المحتمل أن نكون قادرين على تجسير الهوّة بين العلم والثقافة حتى حلول ذلك الزمن الذي سنكون فيه مرحّبين ومنفتحين لقبول العالم كما هو من غير معجزات أو أساطير تشوّه فهمنا للعالم والطبيعة ، وحينذاك فحسب سنكون جاهزين للتعامل الجاد مع التحدّيات الوجودية والتقنية الطارئة التي تواجه البشرية .

___________

* مؤسسة تمبلتون Templeton Foundation : مؤسسة أقامها رجل الأعمال الأمريكي – البريطاني جون تمبلتون ، بدأت في سنة 1972 بمنح جائزة تمبلتون للأشخاص الذين يساهمون في الأعمال الخيرية والإكتشافات العلمية من منطلقهم الروحي ، وهي تسعى لتكريس رؤية توفيقية بين العلم والدين بعامة . تتمّ مراسم توزيع الجائزة عن طريق الأمير فيليب دوق إدنبرة في قصر بكنغهام . ( المترجمة )

** ستيفن واينبرغ : عالم فيزيائي أمريكي حاز على جائزة نوبل للفيزياء عام 1979 . كتب العديد من الكتب التي حققت مبيعات عالية ومنها كتابه الأشهر ( الدقائق الثلاث الأولى The First Three Minutes ) . ( المترجمة )

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك