العراق اليوم

سميا صالح ، الفقدُ وداليةُ الرومانس…جزءُّ أول

بهيٌة من تغني مثلما ورق الشجر بقصائدٍ تبعثُ على التعلّق والحب والعناق . ضبيةٌ من تصادق الكلمة وتتمشى معها كما رفيقين حميمين . رومانسيةٌ مَن تعبرالتنويرالتجاوزي في ربرتوار البوح الطالع من أغساق مخيالها ، من تجعل جبين الصباح زمرد يشعشع في عقود مصائرنا ، ومن تصيّر الطريق الى الفردوس يمر من دون فاتورة مدفوعة الأجر . هذي هي الشاعرة (سميا صالح) / وهذا البحرُ بانياسُ/ هذا الموجُ / وهذه الكاسُ .  
سميا تمتلك وسائلية اللغة ومرجعياتها وهذيانها وإيماءاتها الجسدية ورسم لغة الطبيعة والتغزل بها ، وقابليتها على إمكانية عبور اللغة العامية السورية الى المكتوب ، لكنّ السريرة اللُعبية الشاعريّة لسميا صالح تكمن في مضاهاتها لأنغام موسيقاها في الشعر الفصيح . لذلك نرى مظهر التقنية البوحيّة عندها حسم الإختيار الجمالي لسميا الشاعرة الفصيحة  . سميا من خلال مشوارها الشعري أخبرتنا عن هويتها من خلال الأدب ورهانه الجمالي والفني معا لا من خلال الهوية السياسية أو العرقية . علاوة على انّ مخيالها النسائي المترف إنتصار لها وبها والذي دخل من أعظم الأبواب الا وهي الكينونة والجمال أي الإنساني والفني . سميا إستطاعت القبض على النغمة السورية الممزوجة مع أعراف بلدان الشرق بشكل عام فتخطت بذلك مدارات (السوسيو ..ثقافي) بظرفٍ تحسد عليه . سميا لايمكن المرور عليها دون إستنتاج الكثير من الخلاصات ، انها تكتب في زمن تدهور القيم العربية دون ادنى إدعاء بكلية الرؤية ، ولذلك قفزت لنواياها الهدفية في إعتماد العقل المتعوي في البوح المبني على أركان السخرية والفنتازيا وبعض الواقعية المستعارة . 

سميا لاتكتب لمحظ الإنتساب البيولوجي (ذكوري أو أنثوي) وانما للتساؤل الوجودي وأنسنته . تكتب منطلقة من تجاوز الجسد اذا ماكان عائقا من العوائق في السردية المنسابة على سليقتها دون أدنى إنحيازية كلاسيكية تعودناها من خلال التضادية والتصادم بين الرجل والمرأة التي إنتهجتها على الدوام أحلام مستغانمي . 

سميا لها القدرة على صنع الحبكة البعيدة عن الأنوثة والذكورة فأعطتنا لغة شعرية تعني بالبناء الفني الشعري البعيد عن الأجنسة وحسبها ذلك ، وهذا يعتبر تفوقاً لأخلاقيات الكتابة الأدبية التي يتوجب أن تصب في هذا المضمار المنولوجي . كما وانها ابتعدت عن إسلوب الوعظ والتمسح بالخرافة والتقليد السائد .
إتسمت الثيمات الشعرية لسميا بالإعجوبية والتشميل والحداثة والبنية ، و بكيمياء دلالتها وإسلوبها وتركيبها . أما ثيماتية النص فتنتمي الى الحكائيّة وجمال صورتها ، علاوة على موضوعة الحبكة الشعرية وخياراتها الفنية فقد شمل ( الغرائبية ، الخيال ، الشعرية ، العاطفية ، الخرافية ) .
سميا مازجت بين الخصوصية والعالمية وأقصد هنا ذات الأنا والذات الكونية . وهنا أستطيع القول انّ سميا لو نظرنا اليها من باب الجنس الأدبي الشعري إستطاعت ان تضفي الإنبهار على الوجود الانساني وقيمته مع الفنية الهائلة والممتعة .
الشاعرهو الأكثر أناقة في انتقاء الحروف من بقية أجناس الأدب ، الشاعر جرئ ، يزج نفسه في لوعات الوجد ولايهمه انْ لم يخرج منه معافى . المهم هو الإقدام والشجاعة على ممارسة حب الأوطان أو كنه الحب بين الجنسين ، لكنه في لحظات الإرهاص والإنكماش الفكري والإنبجاس في الأحاسيس يلجأ الى تجريب الثمالة بالخمرأو بالشعر ،  فيا أيها الراقص المطرب بالشعر إشرب نخبك الأخير لكن شريطة أن تبقى رافعاً شعلة أولمب الحب وهذا مانراه في ساميا المفعمة بهذا الصدد البهائي : 
الرومانسية…أن تتجرد من جسدك لتكمل في روح حبيبك ..
الرومانسيه..أن تبدأ خجلا …ثم ما تلبث أن تظهر بكامل بهاء عشقك ..
الرومانسيه ..أن تقول مساء الخير لعاشقة أضناها الشوق وأتعبها الخوف من مرور اليوم دون لثم عنقك .
الرومانسيه…أن تتقن عدم جدوى العناق أن لم يكن لعنقها
كبار شخصيات التأريخ كانوا يتبعون المدرسة الرومانسية في التعامل اليومي فماركس زعيم نظرية الإقتصاد ورأس المال كان يعلّم ابنته (إيليانور) عن روميو وجوليت ، فكانت ذكية في السياسة حتى أحبت ليونغاري أحد أبطال كومونة باريس ، لكنها حمقاء في الحب وكانت تبكي لإعدام الإنكليز شابين آيرلنديين وهي في الخامسة عشر . كما وأنه من اللحظات الجميلة في هذا الوجود حين تكون مجرّدا حراً في اللقاء الحميمي الذي يتوجب عليك أن تكن متقناً لهذا الفن الرهيف ، عليك أن تتنقل بين العنق والى العنق ، أن تدخل متوحداً مع سلطان جمالات هذا الحب . تستطيع التمادي دون شعور لأن دخول هذا المضمار الأفيوني يدخلك في دائرة ماعلى العاشق من حرج . فما أراه هنا من رومانسية لا أستغربها مادام الشاعر يمتلك المخيال المدياتي في صنع جمال الكلمة والمعنى مثلما نقرأ أدناه :
عندي جهنمٌ في الأضلاع مولعة 
وفي عناقكَ قد تاهت عناويني
هل سميا نجدها هنا في بوتقة واحدة مع الأغنية السياسية الجميلة لجعفر حسن ( لاتسألني عن عنواني /لي كل العالم عنوان / لاتسألني أبداً أبداً /أنا بيتي في كل مكان) . أم أنها كما أدونيس حين سألوه عن الوطن قال ( وطني هناك في الغيمة التائهة العابرة ) . أم من جهة أخرى نراها الفيّاضة بالعفة والإشراق بالتضاد مع ما يفعله الغربيون الذين نرى لديهم القبلَ الطويلةَ والعناقَ الشديدَ والضمّ الخفيفَ ، إنهم يفعلون هذا المضمار أكثرَ حميمية في الشوارعِ المكتظّةِ بعابري السبيل أو الحاسدينَ مثلنا نحن شعوب الشرق و الحرمان كما كريم الإسطوري الذي فتح أزرار قميص حبيبته فاحترق شوقا وحباً. ويستمر الفيض الرومانتيكي النشيط لدى سميا ينهل من عقيق حنينها كما السكّرية التالية :
قلبي فناجين وثغرك سكّرُ
فبآي آلاء الحنين اكبّر
سميا لكثرة حبها للقهوة الصباحية كما أراها في العديد من منشوراتها في التواصل الإجتماعي)  قهوتك المرّة تطربني عشقاً وجنوناً تدخلني /ترعب أوردتي من زمنٍ وتسبب لي بعض الهذيانِ). بهذا الصدد إستطاعت أن ترسم تحفة شعرية للعلاقة بين الفنجان والشفاه ، فالجمال الذي خلقه الرب بأبهى صوره وعلى طول هذا الدهر الأبدي لم يُخلق للمس الثوب بل للشفاه ، على حد قول الشاعر السوري (نزار قباني) الذي خلّف وراءه شعراء يكتبون عن في هذا المضمار المؤنس على غرار سميا صالح :
لملِم من الضوء 
عقداً حول منحرهِ
واسكب من العين 
موسيقى تناجيهِ
دع مايقال عن العشاق أنهم
شكل الجنون بهم 
أضحوا مراسيهِ
ذُب بالخليل فقد
 فاض الحشا شغفاً
حد الفناء به
 كي ما تُرى فيهِ
إذا كانت القديسة والشفيعة المكسيكية(سيسيليا) تسمى شفيعة الموسيقيين والتي يقام لها مهرجانا سنوياً ، فهنا أعلن من انّ سميا شفيعة الشعراء لما قدمته من الرقة الشاعريّة لانستطيع تقدير سعتها المانحة للملاذ الإبداعي والإنساني . إنها خلاف ماقاله العظيم فيكتور هيجو (حذار ياصديقي من النساء فحينما تبدأ رقتهن تبدأ عبوديتنا) . 
قالَ لي 
كُلَّما اشْتَقْتُ إلى لُقْياكِ يَوْماً
عُدْتُ أَشْتاقُكِ أَكْثَرْ 
فَتَعالَي يا مَلا كِي
في زَوايا الشِّعْرِ نَسْكَرْ 
لماذا تكتب سميا عن هذا الهيام الإنساني لأنها مدركة تماما من أنه جميل و لأّنّ السلاطينَ والمتسولينَ وعمرَ الخمسين والعشرين فيهِ سواء  .في أغلب الأحيان المحب يجد نفسه في غربة الروح ، أو في منتصف صحرائها ، نتيجة الإشتياق والفرقة القسرية التي تفرضها الظروف البيئيةِ أو تفاصيل تأتي على حين غرة ، فلا عزاء للمحب سوى النوح مع النفس الصادية ، أو نأتي بديونيسيس إله الخمر كي نسكر بالشعر والشعر معا ، حتى يأتي من شغل الفؤاد بعد هجرٍ قسري فيكون اللقاء أبهى ، بل سيكون الجنون الحكيم والجميل في ذات الأوان : 
وهل كالجنون بهذا الهوى
مقامٌ سأصبح فيه الوقود
(تعلّلَ فالهوى عَللُ / وصادف أنهُ ثملُ / عراقي الهوى/ وشيمةُ فينا/ أنّ الهوى خبلُ … مظفر النواب) …
المرء وحده عقيم أما إذا كان بصحبة من يحب فسيكون هو العالم بأجمعه ، هو التناسل اللامحدود ، هو الإخصاب وهي ربة الشفاء ، هوأنطونيوس وهي كليوباترة في رحلتهما الى عالم الخلاص والأبدية ، هو آخييل وهي هيلين في رائعة الأعمى هوميروس( الإلياذة) هو كل مايتعلق بالرؤيا الناصعة التي تجعل المرء يحس بكل كيانه أنه لازال على قيد الحياة رغماً عن كل ما يكون من شأنه أن يرمي به الى عالم الزوال . 
سميا صالح والفقد المهول :
الحياة ضفتان ، ضفة الفرح والرومانس وضفة النشيج والبكاء أما من يعيشها في ضفة واحدة من الفرح والترح فهذا ذو حظ عظيم . ولذلك نرى سميا بكاءة بشأن أخيها المتوفى في حروبنا الأخيرة مع بعضنا كما في هذه الأبيات الشجنيّة الدامعة :
يا احمدُ الفقد مثلُ اليتمِ يكسرني
والجرحُ يكبرُ
في آفاقِ مفردتي
ابكيكَ كلَّ ضحىً حتّى يضلّلني
دمعي وتنزفَ في ذكراكَ 
أوردتي
الأغريق كانوا لايحبون نعي الميّت بل يقولون : هل لديه شغفٍ ما ، فليس هناك موت مفاجيء حين نقول مات فلان لأن الإنسان محكوم بالموت منذ الولادة . لكن الأمر أكثر إيلاما ووجعا حين تدفن الكبار صغارها عما اذا كان الأمر بالمعكوس وهذه هي الشائعة في أغلب الأحيان حيث يمضي المرء الى عالم الآموات والصمت وسريرالنوم الأبدي، فليس من فرقٍ بيننا وبينهم غير أن الموتى في الطابق السفلي ونحن في الطابق الأعلى ، علاوة على ذلك إذا كان المتوفى ماجدا مثابراً يافعاً فنستغيث بعزرائيل ونقول تلك المقولة الحزينة الموجعة للشاعر العراقي العامي الشهير عريان السيد خلف ( عمت عين المنايا وهجم بيت الموت /يتخطى الرعيع / وياخذ الماجد ) . 
أما إذا مات صغيرنا تحت ظروف غير طبيعية فنجد الأبوّة تنهض بشكلها الدفين كما في فيلم العائدThe Revenant  الذي حصل على العديد من الجوائز ومنها جائزة الأوسكار لأفضل ممثل للعام 2016 . الفلم من تمثيل (ليوناردو دي كابريو) وإخراج (غونزاليس) المأخوذ عن قصة حقيقية في نهايات القرن التاسع عشر حيث يبين لنا الفلم مدى وحشية الإنسان وجشعه وطمعه فيُقتل إبن ليوناردو في الثلوج والجبال الموحشة من قبل أحدهم فيبدأ ديكابريو بالإنتقام لإبنه وحقه المسلوب ولم يعد من تلك الجبال وزمهريرها حتى يثأر لدم إبنه المغدور بطريقةٍ قلّما يوجد نظيرها ، هكذا فعل هذا الرجل من أجل فلذة كبده وأما سميا وبكونها شاعرة فلاسلاح لديها غير الرثاء والبكاء على أخٍ ضيّعته الحروب . وياما قرأنا في الميثولوجيا الأدبية حول هذه الدراما المبكية وأساطيرها ومنها الشاعر الجاهلي المهلهل الملقب بالزير سالم وهو يبكي أخاه المقتول ( الملك كُليب) دهورا ودهورا حتى قال قولته الشهيرة ( وعظمي صار في الأرماس كحلاً / وجسّاس بن مرّة في الحياة ) وقد رأيناه في المسلسل السوري العظيم ( الزير سالم ) في حرب البسوس ، تمثيل المشاكس الخلاّب ( سلوم حداد ) والممثل العنيد الصارم ( عابد الفهد بدور جسّاس)  .  
وتستمر شاعرتنا في مسيرتها مع الفقد والتيتم وماشاكله بهذا المنحى المؤلم :
زمنٌ وكابوسٌ
وهذا  الموتُ يخطو 
بينَ اوردةِ الدروبِ 
ويقرعُ الأبوابَ 
يُفزِعُها
وينشرُ لوعةَ اليُتمِ
هذا الردى يمشي على قدمينِ
تحتَ العينِ
يُوقِظُ الأحزانَ
حتى فوقَ راحاتِ الموائدِ 
الحرب الأخيرة إنداحت على كاهل الشاعرة سميا ولم لا فهي إبنتها ومنها ولذلك نراها توصف لنا هذه الحروب بأنها على قلقها ضفة أوجاع ، وصفحات لاتستجدي غير الأمان ، لاتخلّف غير اليتم المهول والفقد المريع كما حال أخيها أعلاه . ولذلك في الفلم الدرامي المبكي ( ليون Lion ) ، الذي حاز على جائزة الأوسكار لأحسن فيلم ، تمثيل ( نيكول كيدمانNicol Kidman ) مع الشاب( ديف باتل Dev Batel  (نرى نيكول قررت هي وزوجها عدم الإنجاب رغم كونهما ليسا عقيمين إنطلاقاً من أنّ العالم مليء بالناس والأطفال ويزداد يوما فيوما وفكرة التبني لطفل يتيم هي الأفضل لمساعدة الأيتام الآخرين باعطائهم فرصة للحياة وتعويضهم عن آبائهم الذين فقدوهم في الحروب أو الأزمات الإقتصادية .
يتبع في الجزء الثاني

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك