اخبار العراق الان

باليت المدى: الرسم في القطار

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ستار كاووش

مَرَّتْ بائعة القهوة الجميلة داخل القطار، فأستوقفتها بلطف طالباً كوب كاباتشينو، هَيَّأتْ القدح الفارغ بين أصابعها الناعمة ودلقت فيه جزء من إبتسامتها مع خليط الشراب، ونظرت اليَّ مع ماتبقى من تلك الابتسامة الودودة،

وهي تضع الطلب على طاولة القطار الصغيرة التي أمامي، لتكمل طريقها حيث ناداها شاب أشقر طالباً له ولصديقه علبتي جعة من نوع هاينكن. لم أكترث (بالشارب الأبيض) الذي رسمته رغوة الكاباتشينو فوق شفتي بعد الرشفة الأولى، وأخرجتُ أوراقي وأقلام التحبير وبدأت برسم ما هو متاح من المشهد الذي أمامي، وهذا ما أقوم به غالباً عند ركوبي القطار، وأحياناً أقوم بتغيير مكاني مع تبدل المحطات، كي أحصل على مشهد جديد للرسم. القطار عالم جميل قائم بذاته، وهو من اكثر وسائط النقل متعة في هولندا، خاصة حين لا يكون مزدحماً. وإضافة الى كل مزاياه، فهو يمنحني فائدة جمالية، وهي هذه الفسحة التي أحظى بها لرسم موديلات مجانية أثناء توجهي لهذه المدينة أو ذهابي لذاك المعرض، والتي لا يمكنني التخلي عنها تحت كل الظروف وفي جميع الأوقات تقريباً. أصعد القطار حاملاً حقيبتي التي تحتوي عادة على بعض الكتب، بينها واحد يضم أعمالي الفنية، وهذا الأخير أهديه أحياناً لمن يجلس قربي حين ينفتح حديث حول الفن، أو أتعمد نسيانه في القطار كي يعثر عليه راكب جديد ذاهب الى جنوبي البلاد أو شمالها. وبما أن أوراق الرسم وأقلام التخطيط، كذلك بعض الأحبار موجودة معي دائماً، لذا أختار المكان المناسب لرؤية بعض الناس ووضعياتهم المختلفة بشكل جيد، وفي ذات الوقت أجلس بطريقة لا تقلقهم أو تسبب لهم الازعاج. 

التخطيطات تمارين لليد ومتعة للبصر ويمكن أن تكون أيضاً دراسات للوحات جديدة، وقليل من الرسامين يقومون بهذا النوع من الرسم، لأنه يحتاج الى حساسية معينة وعين مدربة وأصابع تتابع الخطوط بحنو. ومن خلال هذه الرسومات أشعر بأقترابي من مشاعر الناس أكثر، وتحسس حالتهم النفسية في لحظات معينة، حيث أتطلع الى الخطوط التي يكونها إرتجاف سيقان النساء هنا، وايماءات أصابعهن هناك، إنحناءة رأس في هذا المشهد وتدلي خصلات الشعر أثناء إغفاءة سيدة جميلة في مشهد آخر، فلا شيء عندي أكثر قيمة من الناس في الرسم ولا شيء يعلو على ما تعنيه حركة الأشخاص في التخطيط. 

إنشغلتُ ذات مرة برسم فتاة تبعد عني بضعة كراسٍ، ورغم انغماسي بالتخطيط، لكني شعرتُ بأنها إنتبهت لي، مع ذلك مضيت أرسم بهدوء، وبعد قليل لاحظتها تقترب مني قائلة (هل تسمح لي برؤية الرسم؟) فرحبت بها وأريتها ما قمت به، فنظرت اليه بإعجاب تحيطها نظرات بعض الركاب الذين بدأوا ينظرون إلينا بفضول، لتقول في النهاية (هل يمكنني شراء هذا التخطيط، وكم ثمنه؟) فـأجبتها ضاحكاً بعد ان وَقَّعتُ بسرعة على الرسم (لا داعي لشرائه، إنه هديتي لك، خذيه كتذكار) فَقَبَّلَتني على خدي دون تردد، وسط تصفيق وضحك بعض الشباب والشابات. 

الرسم الجميل برأيي هو الذي يقربنا من الناس، والفن العالي هو الذي يشق طريقه بيسر نحو ذوقهم وقلوبهم، فلا داعي للحواجز بينهم وبين الفن، ولا ضرورة للأبواب المغلقة والطرق الملتوية بين متذوقي الرسم والأعمال الفنية. وإن كنت لا أرسم للناس، فلمن أرسم إذن؟، وأن كان الرسم لا يقربني منهم أكثر، فلمَ لا أجعله كذلك؟ لا أطمح لرسم لوحات لا يشاهدها أو يهتم بها سوى قلَّة من الناس، وإلا سأتوقف عن ممارسة الرسم، وأبحث عن عمل آخر يقربني منهم أكثر. لكن مثلما يكون الفن جميلاً بين الناس، عليه أن يمتلك نوعاً من السحر، ولا يتخلى عن خصوصيته وتفرده وابتكار معالجاته، وفوق كل هذا، يجب أن يحمل روح الفنان وشخصيته وانعكاس مشاعره. 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك