اخبار العراق الان

الدولة أولاً ….

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 رزاق عداي

الإعلان الأخير من قبل الحكومة العراقية الجديدة ، لإجراء إصلاح اقتصادي ، لم يلق استقبالاً قوياً ، من لدن الجمهور ، لتكرار مثل هذا الخطاب ، وفقدان ثقة به انتجته وعود قديمة لحكومات سابقة ، حتى بات يفهم هذا الترويج كدعاية إعلامية معهودة (( بروبوغندا))،

تهدف الى إيجاد معادلات لواقع الخيبة الكبيرة التي يتعرض لها الاقتصاد العراقي ، الذي بلغ واقعاً حدياً يتمثل في الاستدانة الداخلية والخارجية لدفع الرواتب الشهرية ، وهذا ما يعد من مؤشرات الدولة الفاشلة ،

فالحكومات العراقية المتعاقبة تصر ومنذ 2003 بأنها تجرب عملية ديمقراطية ، وطيلة هذه السنوات ، لم تتمكن من تحقيق استقرار سياسي ، من شأنه أن يهيأ أرضية صلبة تمهد للانطلاق في مسار التنمية والاستثمار ، تجلى ذلك في سوء إدارة فادح ، وفساد كبير مستشرٍ في أغلب مفاصل الدولة ،

فالجدل اليوم في تجربة الحكم في العراق يجري حول ما قيمة الديمقراطية في ظل منحنى دولة ينحدر ويتهاوى عبر تبديات حكومية متعاقبة ؟، السؤال يظل يدور في دائرة الدولة والديمقراطية العراقيين وقدرتهما في خلق التنمية أو الإصلاح الاقتصادي ،-

يرى كثيرون أن اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية وجهان لعملة واحدة ، إذ نجدهما يشتركان في الحد من الدولة المطلقة ، وهذا ما يمثل الإشكال في واقع بنية الدولة العراقية ، فقطاع الدولة في الاقتصاد العراقي هو الذي ساهم بالدرجة الأولى بتشويه مسار العملية الاقتصادية ، فلا هو بالقطاع العام الذي يشرف مباشرة على العملية الانتاجية (الزراعية والصناعية) ، وفي نفس الوقت لم يترك القطاع الخاص المحلي ليأخذ دوره في عملية التنمية ،–وجرى الاعتماد على العائد النفطي فقط كمورد وحيد للاقتصاد ، في عمليات استيراد لكل السلع بأنواعها ، –لذلك أصبحت الدعوة الى تنشيط القطاع الخاص أشبه بالإكذوبة المتداولة في شعارات فجة ، –فعكس تجارب العالم الحديث أصبح العراق طارداً للاستثمار بفضل السياسات الخاطئة المتبعة ، بظل لوضع الأمني غير المستقر ،–

في أغلب التجارب الأخيرة للبلدان حديثة البناء في عقود الزمن الأخيرة ،يشهد العالم تدهور نموذج اقتصاد الدولة ،عندما ينتصر اقتصاد السوق ، –كان المفترض أن يحل هذا النموذج في العراق ، بافتراض أن العراق ديمقراطي ،وإننا اعتمدنا القطاع الخاص (اقتصاد السوق) ،عن طريق الفصل بين السلطة السياسية عن السلطة الاقتصادية ،–وبهذا أتحنا فرصة للنقاش السياسي أن يتنامى بحرية ، وبمسارات مختلفة عما هي قائمة عليه اليوم ، لكن هذا لم يحصل في العراق منذ 2003 الى اليوم ، — فما ينبغي التسليم به في العراق أن الديمقراطية تتعرض الى خطر كبير إذا تعرضت الدولة الى خطر التفتت إذا بقي ممثلي القوى السياسية في توجيه الاقتصاد مباشرة ، فمن المعروف أن اقتصاد السوق هو بالفعل شرط لازم من شروط الديمقراطية ، لأنه يحد من سلطة الدولة ، وهذه بينة تناقض بعض الأيديولوجيات ، التي ظلت تعتمد على أفكار صارت غير صالحة للاستعمال ، التي ترى أن الديمقراطية هي إرادة شعبية تحددها دولة أو حزب طليعي واحد ، قادرعلى الإطاحة بسيطرة طبقة أو نخبة قيادية مستعينة بعنف الشارع إذا لزم الأمر ، فهذه الايديولوجيات أصبحت اليوم قابلة للدحض ،—-

إنما من تجارب كبرى أخيرة يستطيع المرء أن يصل بسرعة الى صيغة أكثر توازناً فنقول نعم ، ليس هناك ديمقراطية بدون سوق ، لكن بلدان كثيرة ذات اقتصاد سوقي لكنها ليست ديمقراطية ، فاقتصاد السوق شرط ضروري ولكنه غير كاف، ألسنا نرى في عدد من المناطق كيف قضت دكتاتوريات معينة على دولة توجيهية ،مثل كوريا الجنوبية في سنوات الستينيات ،أو حتى سنغافورا متزامنة معها ،إذ فرضت الاقتصاد السوقي على بلادها وعززت تخصيص مواردها من قبل السوق العالمية ،–كما تجربة الصين ،التي تعتبر النموذج الأمثل وهي الدولة العقائدية والتي لا تقل سلطوية عن سابقاتها ،إذ بادرت الى تنمية الاقتصاد السوقي ،والتشجيع على دخول رؤوس الأموال الاجنبية الى قطاعات أوسع فأوسع في اقتصادها ،–

الذي اعتقده أن المشكلة والمعرقلات في العراق لا تكمن في الموارد والإمكانات المتوفرة بغزارة فيه،إنما العكس هو الصحيح ،فالتنمية تأخرت كثيراً ،وكان ينظر الى العراق في منطقة الشرق الأوسط كونه الدولة الأولى المؤهلة الى المستوى الأعلى من التنمية والتحديث وعلى كل الصعد،–

المشكلة الحقيقية في العراق هي مشكلة سياسية أولاً وأخيراً ، فالعملية السياسية الأخيرة منذ 2003 لم تتقدم بخطى صحيحة وبمنطق متصاعد ،فهناك خلل في طبيعة النظام السياسي حيث أُسس بالاستناد الى نمط من الاقتصاد المتعثر ،–

الدولة في العراق مستلبة ومنتهكة من قبل أحزاب سياسية أوصلتها الى مستوى متدنٍ، لا يمت بصلة الى تمثلات الدولة ، إذ عملت الى توجيه كل إمكانيات ((الدولة ))الاقتصادية نحو أحزابها وكتلها عبر صيغة مدمرة ومهدمة لها،-

في ظل كل هذه المداخلات تبرز العلاقة مابين الدولة والديمقراطية وبالتالي مسار التنمية أو الاصلاح الاقتصادي ،يبرز هذا في هذه المرحلة بقوة ، فالحكومة هي اليوم أمام تحدٍ كبير اسمه التحدي الوجودي للدولة بالدرجة الأولى فإما البقاء أو الانهيار !– 

فما يقال حول العلاقة مابين الدولة بالديمقراطية ، فان حيثيات وصيرورات الواقع السياسي في العراق يلقي بظلاله عليها بقوة ، بمسار يستدعي تقويم الدولة أولاً في ظل اهتزاز ركائزها ، —فالدولة ، كما يحدثنا الفيلسوف (هيغل) هي التجلي الأعظم للعقل في التاريخ ، وهي الأولى للضبط والمانعة للانهيار في وضع كوضع العراق ،—

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك