اخبار العراق الان

الفيلسوف برايان ماغي صاحب كتاب (سحائب المجد) .. الرجل الذي جعل الفلسفة زاداً يومياً للبريطانيين

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

فهو الرجل المحبوب الذي جعل البريطانيين يتسمّرون أمام شاشات التلفاز ويتواصلون مع حوارياته المعروفة على شاشة ال BBC التي شهدت إستضافته لكبار فلاسفة العالم وهم يتناولون أعقد التفاصيل الفلسفية الأكاديمية في حوارات محببة لن تغيب عن بال المشاهدين حتى بعد أن تقادمت بها الأيام .

بريان إدغار ماغي Bryan Edgar Magee الذي غادرنا في أواخر شهر تموز ( يوليو ) 2019 ، فيلسوف ، وسياسي ، وشاعر ، وكاتب ، ومقدّم برامج بريطاني ولِد عام 1930 ويُعرَف عنه مساهماته الكبيرة في ميدان تقديم الفلسفة إلى العامّة وجعلها مادة تحظى بالمتابعة الجماهيرية القوية . 

تحدّر ماغي من عائلة عمّالية ، وكانت له في طفولته علاقة عميقة مع والده ؛ بينما كانت علاقته بأمه على غير مايرام بسبب صرامتها المفرطة وطباعها المتطلبة وإساءة معاملتها لأولادها ، أبدى ماغي منذ يفاعته إهتماماً ملحوظاً بالسياسات الإشتراكية ولطالما إستهواه الإستماع للخطباء السياسيين في زاوية الخطابة في الهايدبارك بمدينة لندن ، كما كان مولعا بالمسرح ويواظب على حضور الحفلات الموسيقية .

خدم ماغي في الجيش البريطاني أثناء فترة الخدمة الوطنية الإلزامية ، وفي أثناء خدمته تلك حصل على منحة دراسية في جامعة أكسفورد ، وفضّل بادئ الأمر دراسة التأريخ في تلك الجامعة ، ثم أتبعه بدراسة منهاج دراسي يضمّ كلاً من الفلسفة والسياسة والإقتصاد فأتمّه في سنة واحدة ، ثم حصل على بعثة دراسية عليا لدراسة الفلسفة في جامعة ( ييل ) الأمريكية . 

ألّف ماغي الكثير من الكتب التي تتناول موضوعات مختلفة في الشعر والفلسفة والسياسة والتأريخ ، نذكر منها :

– الصّلب وقصائد أخرى ، 1951- أن تعيش في خطر ، 1960

– الثورة الديمقراطية ، 1964- الفلسفة البريطانية الحديثة ، 1971 

– مواجهة الموت ، 1977 ( وهي روايته الأولى والأخيرة )

– رجال الأفكار : بعض صُنّاع الفلسفة المعاصرة ، 1978

– إعترافات فيلسوف ، 1997- فاغنر والفلسفة ، 2001

– الأسئلة النهائية ، 2016- الحصول على أفضل مافي الحياة ، 2018

وفي عام 2004 نشر البروفسور ماغي سيرته الذاتية بعنوان ( سحائب المجد Clouds of glory ) . 

تبقى المأثرة الكبرى للبروفسور ماغي على صعيد الثقافة الشعبية هي جهوده الحثيثة في جعل الفلسفة – والتفكير الفلسفي بعامة – مادة ثقافية متاحة لعامة الناس ، بدأ جهد البروفسور ماغي في هذا الميدان في عامي 1971 – 1972 عندما قدّم عبر إذاعة ال بي بي سي ( البرنامج الثالث ) أحاديث مع فلاسفة بارزين ، وقد حاور ماغي في هذه الأحاديث عدداً من الفلاسفة البريطانيين المعاصرين إبتداءً بالفيلسوف ذائع الصيت أنتوني كوينتن ، وتناولت الأحاديث موضوعات فلسفية تقنية مثل الفلسفة الوضعية المنطقية ، ومدرسة فرانكفورت ، أو علقت على نتاجات فلاسفة مثل برتراند رسل ، لودفيغ فتغنشتاين ، كارل بوبر ،،، إلخ ، أو ناقشت العلاقة بين الفلسفة والأنساق الفكرية الأخرى في الحياة مثل الدين والأدب والسياسة والسوسيولوجيا .

أعاد البروفسور ماغي عام 1978 فكرة هذه الحوارات في سلسلة جديدة من خمسة عشر حواراً بُثّت على ال بي بي سي تحت عنوان ( رجال الأفكار ) ، إبتدأ ماغي تلك الحوارات بحوارٍ تقديمي إلى فكرة الفلسفة عقده مع الفيلسوف ( إزايا برلين ) ، ثم راحت الحوارات تتناول الفلسفة الماركسية ، الفلسفة الوجودية الجديدة ، أفكار نعوم تشومسكي ، فلسفة العلم ، الفلسفة والأدب ،،، إلخ ، و طُبِعت هذه الحوارات لاحقاً في كتاب بعنوان ( رجال الأفكار : مدخل إلى الفلسفة المعاصرة ) .

واصل ماغي مسيرته الفلسفية الحوارية على تلفاز ال بي بي سي عام 1987 ؛ فظهرت سلسلة جديدة من الحوارات حاور فيها عدداً من أكابر الفلاسفة الغربيين ، وتناولت تلك الأحاديث أعاظم الفلاسفة على شاكلة : أفلاطون ، أرسطو ، ديكارت ،،، حتى إنتهت بحوار ثري مع الفيلسوف ( جون سيرل ) حول فلسفة فتغنشتاين . 

أبدى ماغي طوال حياته عشقاً لاينقطع تجاه الموسيقى الكلاسيكية وبخاصة موسيقى ( فاغنر ) ، وألّف كتباً مهمّة في هذا الشأن . وأظهر ماغي إعجاباً كبيراً بفلسفة شوبنهاور وصنّف فيها كتاباً بعنوان ( فلسفة شوبنهاور ) إجتهد فيه لتبيان تأثير البوذية في فكر هذا الفيلسوف الكبير . 

ولسنوات طوال تابعتُ حواريات برايان ماغي الممتعة واستكملت ولعي بها حين أقدمتُ على ترجمة الحوارية التي عقدها ماغي مع الروائية – الفيلسوفة ( آيريس مردوخ ) عام 1978 ، وظهرت تلك الحوارية في كتاب مطبوع عن دار المدى العراقية عام 2018 ، وقد أثرى ماغي الكتاب بمقدمة إستهلالية مهّد بها لحواريته مع مردوخ قال فيها :

(( لطالما كان بعض عظام الفلاسفة كُتّاباً عظاماً بحسب مايعتقد الأدباء العظام ذوو الصنعة الفنية الراسخة ، وأظنّ أن الأمثلة الأكثر تعبيراً عن هؤلاء الكتّاب – الفلاسفة هي : أفلاطون ، القديس أوغسطين ، شوبنهاور ، نيتشه ،،، وثمة آخرون وإن كانوا لايعدّون قاماتٍ عظيمة مثل السابقين الذين ذكرتهم لكنهم كانوا بالتأكيد كُتّاباً على قدر كبير من الصنعة الجيدة : ديكارت ، باسكال ، بيركلي ، هيوم ، روسو . في وقتنا الحاضر ( وقت إجراء الحوار ، المترجمة ) فإن كلّاً من برتراند راسل و جان بول سارتر قد مُنِحا جائزة نوبل للأدب ؛ )

ثم يشير إلى مفارقة وجود فلاسفة عظماء لاترقى كتاباتهم الى مستوى فلسفتهم :

لكن ثمة في الوقت ذاته فلاسفة عظامٌ هم كتّاب سيئون ، ويحضر في الذهن على الفور كانت وأرسطو اللذان كانا فيلسوفين عظيمين وإثنين من أكثر الكُتّاب رداءة في الكتابة الأدبية ، أما آخرون سواهم – مثل القديس توماس الأكويني وجون لوك – فكانوا على قدر غير قليل من الركاكة الأدبية …….

ما أراد ماغي إثباته في هذه المقدمة هو افتراق الأدب عن الفلسفة باعتبارهما نوعين متمايزين من الاشتغال الفكري، فيعلن جازما :

(… إنّ ماتكشف عنه الأمثلة السابقة بوضوح هو أن الفلسفة ليست تفريعاً أو حقلاً معرفياً منتمياً للأدب ؛ إذ أن نوعية الكتابة الفلسفية وأهميتها تكمن في إعتبارات أبعد من القيمتين الأدبية والجمالية ، وإذا ماكان الفيلسوف – أي فيلسوف – يجوّد في طريقة كتابته فتلك مزيّة تُحسبُ له بالتأكيد وستجعله على قدر كبير من الغواية التي تدفع الآخرين لدراسته ؛ غير أن الكتابة الفاتنة لن تجعل منه فيلسوفاً أفضل ..)

ولكنه يشير لاحقاً إلى إمكانية التداخل بين الفلسفة والأدب بخاصة في أعمال آيريس مردوخ :

( …أقول هذا بوضوح صارم ومنذ البدء لأنني وفي سياق هذه المحاورة سأتناول بعض الجوانب التي يمكن أن تكون مناطق تداخل بين الفلسفة والأدب في عمل كاتبة تمتدّ خبراتها لتشمل عالمي الفلسفة والأدب معاً ) 

يختم البروفسور ماغي كتابه الأخير (الحصول على أفضل مافي الحياة) المنشور عام 2018 بالعبارات المثيرة التالية :

( لو كُشِف لي على وجه اليقين ، ومنذ بدء حياتي ، أنّ الحياة عديمة المعنى ، وأنّ نصيبي فيها لن يعدو أن يكون النسيان الأبدي ، ثمّ سُئِلتُ : ” بعد أن تناهى لعلمك كلّ هذه الأمور ، أفكنتَ تفضّل خيار الولادة من عدمه فيما لو كنت تملك هذا الخيار ؟ ” ؛ فسيكون جوابي هو الصراخ بأعلى صوتٍ متاح لي : نعم ! . لطالما أحببتُ العيش حتى في تلك البرهات التي كانت تبدو لي فيها الحياة أسوأ سيناريو يمكن للمرء تصوّره ؛ لكنها تبقى بالنسبة لي أفضل من تجربة عدم العيش بمقياس لانهائي يصعب تصوّر حدوده . إنه لأمرٌ محزنٌ أن يموت المرء ؛ لكنْ حتى فكرة فنائه الأبدي تبقى ثمناً معقولاً يستوجب كفاح المرء ليعيش حياة تستحق دفع ذلك الثمن )

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك