العراق اليوم

ميديابارت: عالم عربي قديم يحتضر.. وعالم عربي جديد لم تتضح ملامحه بعد

عراقنا
مصدر الخبر / عراقنا

يبدو أن العالم العربي مهدد بالتمزق، ذلك ما يقوله تفشي الحروب الأهلية والقمع والتدخل الأجنبي وانهيار الدول وصعود المليشيات والأزمات الاقتصادية المتتالية، رغم أن الكيان الوطني لا مساس به، والحدود الموروثة من الاستعمار ليست موضع خلاف ولا تشكيك.
بهذه الجملة، اختصر موقع ميديابارت الفرنسي (Mediapart) مقالا بقلم الكاتب جان بيير بيرين، قال إنه يمثل الجزء الأول من سلسلة جديدة من المقالات تسلط الضوء على الأزمات، في العراق البلد المفلس، وسوريا المقسمة إلى 3 مناطق، وليبيا الممزقة نصفين، إلى اليمن الذي بتفكك وسط عذاب أليم.
ولتوضيح الصورة أكثر، أوضح المقال أن العراق اليوم تحت رحمة المليشيات وتهديد عودة تنظيم الدولة الإسلامية، وأن سوريا تحت حكومة تتنفس من خلال روسيا وإيران، في حين أن اليمن يتعذب بين مطرقة السعودية والانفصاليين الجنوبيين من جهة وسندان الحوثيين، إضافة إلى الوضع المخيف في مصر ولبنان والصومال والسودان والجزائر.
وبعد تقديم هذه الصورة القاتمة، تساءل الموقع: هل حالة الفوضى هذه التي تتزايد منذ عام 2011 تعني تفكك العالم العربي ونهاية ما يسمى نموذج “ويستفاليا” الذي انبثقت عنه الدولة القومية كأساس للقانون الدولي، يضمن اعتراف الدول المتبادل بمشروعية قيامها على أراضيها ويحظر التدخل في تلك الأراضي على أي دولة أخرى؟
وهنا نسب الكاتب للسياسي والأكاديمي اللبناني زياد ماجد قوله إن “فشل الثورات العربية -باستثناء تونس- وفشل التحولات السياسية وشراسة الثورات المضادة بقيادة جيوش ونخب الأنظمة القديمة المدعومة بمحور إقليمي قوي بزعامة أبو ظبي والرياض؛ حولت مصر والبحرين إلى أراضي قمع، وليبيا واليمن إلى مناطق تمزق وحروب أهلية”.
وأضاف ماجد أن “هذا الوضع أيقظ شياطين الانقسامات والمطالب الإقليمية القديمة التي أعطتها الفوضى وغياب الحوار الوطني وانعدام الحكومات المركزية شرعية شعبية معينة، وإن كان هذا الوضع المأساوي الرهيب في المنطقة لا ينافي نموذج وستفاليا”.
ومن ناحيته، يقول الباحث والمؤرخ الفرنسي جان بيير فيليو، أستاذ العلوم السياسية في باريس ومؤلف كتاب “العرب ومصيرهم ومصيرنا”، إن الوضع الحالي يجب أن يفسر “من خلال نضال طويل الأمد مارسته هذه الشعوب من أجل تقرير المصير”.
ويلاحظ فيليو أن “استقلال ما بعد الاستعمار اختطفته أنظمة دكتاتورية، اتخذ الاحتجاج عليها منعطفا ثوريا في بداية عام 2011، مما أدى إلى رد فعل شديد الضراوة، قادته كل من إيران الشيعية والسعودية السنية، لخلق استقطاب طائفي في الشرق الأوسط، دفن تحت أنقاضه كل أمل في الديمقراطية”.
العراق
وقال الكاتب إن إفلاس الدولة العراقية يمكن تلخيصه في قصة هشام الهاشمي المأساوية، حيث عارض حكم صدام حسين وسجن حتى سقوطه، وأصبح أحد أفضل المتخصصين في الشبكات الجهادية، ثم اغتيل من قبل إحدى المليشيات الموالية لإيران التي استنكر قبضتها الخانقة على الدولة.
وأوضح الكاتب أن مقتل الهاشمي كان بسبب دعمه انتفاضة الشباب من أجل سيادة دولة القانون، وهو يحمل رسالة مزدوجة، موجهة أولا إلى كل من يرفضون قبول الوصاية الإيرانية، وثانيا إلى رئيس الوزراء لردعه عن محاولة الحد من قوة المليشيات.
وفي سعي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لتلبية أحد مطالب حركة الاحتجاج الواسعة التي تطالب بإنهاء العصابات المسلحة، جاء الرد باغتيال الباحث، وهو ما كانت له عواقب أخرى، سمحت بعودة تنظيم الدولة، إضافة إلى الانقسام المتزايد بين بغداد وأربيل.
ورغم تحكم العداء بين الشيعة والسنة والأكراد العرب -حسب الكاتب- فإن فيليو لا يرى أن الأمر قد يبلغ تفكك العراق لأن “دورات الحرب الأهلية في هذا البلد تتغذى من التنافس على السلطات المركزية”.
سوريا
أما في سوريا، فرغم أن بشار الأسد حقق انتصارا عسكريا على التمرد -كما يقول الكاتب- فإن بلاده الآن محطمة ومدمرة، مع لجوء ثلث السكان إلى الخارج، وباقتصاد يحتضر تحت وطأة قانون قيصر الذي سنه الكونغرس لحظر أي تعاملات مع النظام ومنع أي إعادة إعمار.
وبالإضافة إلى الضائقة الاقتصادية، لم تعد لسوريا أي سيادة لأنها محكومة من قبل روسيا وإيران اللتين تتدخلان في كل شيء، ولأن ما لا يقل عن 9 جيوش أجنبية تواصل العمل في أراضيها.
ومع تأخر عودة السلام، لا تزال البلاد مقسمة إلى 4مناطق: “سوريا المفيدة” التي يمتلكها النظام، ومحافظة إدلب التي لم يستعيدها الجيش السوري بعد رغم القصف الرهيب من قبل سلاح الجو الروسي على السكان، والمحافظات الشاسعة شرق الفرات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية.
ليبيا
وفي ليبيا، التي كانت ذات يوم بلدا يخاف من بأسه -كما يقول الكاتب- نرى اليوم منطقتين متحاربتين: في الشرق يحكم اللواء المتقاعد خليفة حفتر منطقة برقة بدعم من روسيا والإمارات ومصر وفرنسا، وفي الغرب تسيطر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا على طرابلس بدعم من تركيا.
ويقول فيليو إن حفتر كان يسعى “للسيطرة على السلطة في طرابلس من خلال شن هجوم في أبريل/نيسان 2019، الذي تحول في النهاية إلى كارثة”، وأشار إلى أنه “لا حفتر ولا حكومة الوفاق لديهما مطالب إقليمية، ولكنهما يتصارعان على حكم ليبيا كاملة”.
من ناحيته، يقول زياد ماجد إن الماضي له دور في الوضع الحالي، خاصة أن “شرق ليبيا عانى من التهميش منذ أن أسس معمر القذافي عاصمته في طرابلس (غربي البلاد)، علما أن هناك الكثير من التلاعب الأجنبي الذي يدفع الاتجاهات المختلفة للاشتباك”.
اليمن
ومع الحرب الأهلية ووباء كورونا والضربات الجوية السعودية وإرهاب الجماعات المرتبطة بالقاعدة أو بتنظيم الدولة والمجاعة؛ يشهد اليمن منذ عام 2011 تدحرجا لا نهاية له إلى الجحيم، مع وجود رغبة في تقسيمه، وهو المقسم الآن إلى 3 مناطق أو 4 تتصارع فيما بينها.
وأشار الكاتب إلى أن ميناء عدن الكبير الذي يسيطر عليه المجلس الانتقالي الجنوبي، يمكن اعتباره مستقلا، خاصة أن الانفصاليين الجنوبيين وجدوا دعم الإمارات التي تلعب ضد السعودية -حسب الكاتب- ولكنها حليفتها في التحالف ضد الحوثيين.
وقامت الإمارات -حسب مدير الأبحاث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث مارك لافيرن- بتدريب وتجهيز قوات الجنوب، من أجل إنشاء محمية كجزء من إستراتيجية إسقاط تهدف إلى إقامة وجود مباشر على الممرات البحرية من الخليج إلى البحر الأحمر على طول الساحل اليمني.
ويضيف الباحث أن “وراء السؤال المطروح عن وحدة اليمن وشرعية رئيسه، تنشأ إرادة السكان لتجهيز أنفسهم بمؤسسات متكاملة ووسائل الاندماج بطريقة فعالة للاقتصاد العالمي”.
ويقول لافيرن إن انفصال عدن لا يزال في الوقت الحالي استثناء، رغم وجود رغبة قوية في الاستقلال لدى البعض، وبالتالي “هل مفهوم الدولة الفاشلة سيئة السمعة المرتبط بنقص الحوكمة يمكن اعتباره تمهيدا لإعادة التنظيم على أسس أكثر تجانسا وأكثر براغماتية”؟
ويخلص الكاتب إلى أنه رغم التفكك الظاهر، تبقى القضية الوطنية موجودة في العالم العربي، حيث يقول مؤرخ الشرق الأوسط والعالم السياسي جوناثان بيرون المستشار في مركز يوتوبيا للأبحاث في بروكسل؛ إن المتظاهرين في العراق يطالبون بالوطنية، وفي سوريا يتجسد الطموح الوطني في شعار المتمردين “واحد واحد الشعب دائما واحد”.
ومع ذلك يختم الكاتب بأن هناك مستقبلا قاتما في جزء كبير من العالم العربي، قائلا “حتى لو كنا أمام نموذج وستفاليا، فقد دخلنا مرحلة تشبه تلك التي كانت تسود العالم بين 1915 و1920، حيث العالم القديم ينهار ويحتضر، ولا أحد يعرف كيف ستكون المرحلة اللاحقة”.
المصدر : ميديابارت


العراق

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

عراقنا

عراقنا

أضف تعليقـك