اخبار العراق الان

الولد البلوري: استدعاء الذاكرة لمواجهة واقع مرّ

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

ونعني شعر التفعيلة الأخّاذ الذي غادره الكثير من الشعراء إلى مناطق النثـر الأخاذة هي الأخرى! ولا فرق في الاستحواذ على الرؤى غير الشاعرية!

المجموعة الشعرية من منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة.

أغلب قصائد المجموعة تستنزف زمنها المهيمن على الذات الشاعرة، وتستبسل في فك شفرات الحقب الأولى، نافضة عنها غبار النسيان، ليكون معادلاً موضوعياً للواقع المتجبّر! إن تلك القيمة أضحت حياته المتخيلة الضائعة منه الآن في صراعه المستمر مع الزمن الخارجي.

ولعلّ ما افتتح الشاعر به مجموعته الشعرية يؤكد هذا الانشغال ودعوة الذات إلى تحمل ما هي عليه والخلاص من جفاف الواقع المحيط:

“المحارة الجريحة/ وحدها / تداوي جراحها/ بلؤلؤة”- إيمرسون.

ويستمر في استنطاق تلك الرؤية الشعرية، وما غمره زمنه هو بين قوسين في جوّ الإشكالات وخيبات العمر المضني، يرددها في أكثر من قصيدة أمام الملأ، يشكو لبوسها المرّ… وهو يعرف ألّا جدوى من الشكوى، ولكن تراتبية تلك الأحزان تكدست وتشكلت رؤى لا بدّ من تفريغ الذاكرة منها:

“لي من الصمت هذا الذهول/ بأسرابه الطائرة / لي من الخوف هذا الوجيبُ

الذي يُشعل اللغة الماكرة/ من صهيل الحروب التي التهمت أخوتي/ أملك الآن خطوتي العاثرة / أملك الآن ما ظلّ / من فضلة العمر جرحي المعتق هذا…” 

من قصيدة “وجه آخر”

والغريب أن التساؤل الذي يدونه احتجاجاً على لسان “التاركيّ” النحيل، يبدو لي ينطلق من ضعف الحيلة في مواجهة الأسباب الحقيقية التي لا تغيب عن بال! فما بالك بشاعر مثقف قضى ربع عمره بعيداً عن الوطن متجولاً بين ثقافات عدّة:

“أي شيء فعلت/ لتأتي هنا / لتصبح أفقر من حبة الرمل؟”- نفس القصيدة- ص7

والتساؤل ثانية! ربما جاء على غفلة من استرساله الشعري، وتماهيه من الرؤية لأنه استدرك أخيراً ووعى وجوده في منطقة خطرة لا تمدّه بالأسباب دائماً! وعليه أن يبحث عنها:

“تأملتُ في وجع الصبح / وجه ابنتي لأعرف وجهي/ فقد خذلتني المرايا” – ص8 

و…. :

“عثرتُ عليّ أرتّقُ وجهاً/ يلائم برد الحياد/ يهادن صخب البلاد/ التي تركت أحلام عشاقها../ رددتُ يدي / بعد أن خرج الجمع/ من معطف المسلخ البشري” – ص8 

يتطرق الشاعر إلى ظاهرة الكتابة والاستمتاع بلحظات وطقوس اشراقها، وكيفية العلاقة الجدلية بين الذات الشاعرة وبين البحث عن المفردات الحقيقية التي تعبر عما في مرجلهِ من لحظة المخاض! وبعد تلك العملية، وبعد أن يستشعر بحياة المعنى الجديد على الورق، يراها بعين أخرى، باردة، غير فاعلة. ربما يجد أن تلك النصوص التي يسطّرها على الورق، غير جديرة بأن تفعل فعلتها في عقلية المتلقي، وهو الشاعر الذي يمشي على الدرب الموحش، الذي لا يؤمّهُ سوى المشغول بتراتيل الحق! ويحمل في جعبته كل أحلام وأمنيات هذا القطيع الحزين! فيقول:

“أتحّير دوماً في أمر الكلمات/ إذ تخرج من مرجلها لاسعة ً / وأراها فوق الأوراق البيض/ باردة من دون حياة/ كنتُ.. وأنا أعدو في الصحراء وأطوي البحر/ تغمر قلبي أشعارٌ دافقة الوقع/ تغمرني بمصائدها المجنونة/ حيث تجيء كضوء من فحمة ليلي/ فأراني أعدو كشريد/ نحو النص الآتي/ المفعم بعناد اللغة الأخرى/ وجموح الرغبات” – ص10 (قصيدة حرقة)

إن واقع الشاعر الذي يحمل ما يحمل من الأحزان، جعله يستشعر ثقلها، فيهرب إلى ما يخفف من وطأتها عليه إلى الذكريات التي تتمظهر بدلالاتها الفطرية وحتى بعبثيتها، بكلمات الحاضر التي تؤسس لمعنى عريض لديه، فالولد البلوري المعني بهذا الشأن يظل قابعاً بمرحلته الماسية في لب العظم! يدعوه فيلبي متى ما خدشته تشوهات الحاضر:

“كالبرق القادم من أقصى الغيمات/ كالخبز الطالع من قلب التنور بليل شتاء/ فرّت من بين طفولتي الغناء/ وانفرطت أيام العوم وصعود النخل/ وتقشرت الأفراح الأولى/ كلحاء الأشجار المكتئبة/ وتساقط كالورق الذابل وجه البسمات/ لكن الولد البلوري القابع في أقصى العظم/ ما زال هناك يشعل في قلبي نار الغابات..”- ص7 قصيدة الولد البلوري. 

وتبقى قصائد كثيرة من المجموعة، يتغنى بها الشاعر بأحلامه، ويتذكر أسماء لها حضورها في عوالم الثقافة والمجتمع، وكما أن للمرأة دورها الإيجابي في حياته. ثم أنه لا ينسى تلك الرهبة التي تلبسته وهو يعبر البحر إلى عالم آخر مختلف بثقافته عن واقعه، فيشي بخوفه ولم يسترح وهو يستذكر تلك الأيادي الخفية لجندرمة الفجر التي عبثت بسكونه:

لم أسترح بعدُ/ من خوذة الخوف/ لبستني وأنا أعبر البحر/ رغم أني رميت بعيداً جوازي المزور/ وفارقت ريب المحطات/ وألقيت هذا الحطام/ على رملة العائدين

لم استرح بعد/ من سكتة الليل/ ووقع السلالم/ من زائر الفجر/ وجندرمة الابتزاز”- ص40 من قصيدة “بكاء”.

ويذهب بعيداً عن نزعاته الذاتية، ومن هيمنة إشكالات أسى هذا الواقع، فيحاول أن يكسر قيوده ورتابة هذا المنحى بأسلوب حسّي يلوّن تجربته بحيثيات تجربة أخرى. إنه يجدها حراكاً إيجابياً في نظرة الآخر للحياة. فيستلهم منها رؤيته ويدوّن:

“أخٌ من ندىً وحديد/ أبى أن يقول لليّل الخناجر: أتعبتني/ وما قال لذاك الشقاء: أطلتَ/ فقد كان يبصر نجماً بعيداً/ ويملك شوقاً مديداً/ يسافرُ فيه لصبحٍ حفيّ بما في الحقول/ من شجر وغلالْ”- ص5 من قصيدة “عن أخٍ من هذا الزمان”.

وتبقى هذه المجموعة الشعرية “الولد البلوري” للشاعر أحمد جاسم محمد، محاولة لتلافي فوبيا الحالات والظواهر الاجتماعية التي دقّت أسفينها في كثير من الذوات، فما بالك بشاعر شفيف!!

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك