العراق اليوم

حكومة الكاظمي تلتفت لمحنة مرضى السرطان

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

من المعروف ان القوات العسكرية الأمريكية وحليفاتها أستخدمت قذائف اليورانيوم في الحرب على العراق مرتين، في عامي 1991 و 2003 .ونتيجة لذلك إنتشر التلوث الإشعاعي في أرجاء العراق وفاقم من التداعيات الصحية والبيئية.فأصيب مئات اَلاف السكان، كباراً وصغاراً، بأمراض عضال، في مقدمتها الأمراض السرطانية القاتلة، وأثبت العلماء والخبراء المختصون، الأجانب والعراقيون، بدراسات سريرية وبائية، علاقتها الارتباطية بالتعرض لإشعاعات ذخائر اليورانيوم ومخلفاتها الحربية.
    
لقد اتخذ انتشار السرطان في العراق طابعاً وبائياً[1]. وتعريف الوباء هو إزدياد عدد الإصابات الناتجة عن مرض محدد في منطقة محددة وخلال فترة زمنية محددة، تترافق الأوبئة مع نسبة وفيات عالية وشروط حياتية سيئة [2].
وقد حصد هذا المرض الخبيث، منذ نحو ثلاثة عقود، وما زال يحصد، بلا  هوادة ولا رحمة، حياة الآلاف من العراقيين. 
   ليست هناك أرقام رسمية معتمدة عن الأصابات السرطانية في العراق.ولم تسمح الجهات الحكومية بالاطلاع على الإحصائيات الحقيقية، وظللت بشأنها، بل وشوهتها،وقد صدع رؤوسنا الناطقون بإسم وزارة الصحة، خاصة د.طارق زياد و د.سيف البدر(الغريب، ان البدر عاصر العديد من وزراء الصحة وكلهم رحلوا، لكنه بقي في منصبه، ويواصل ذات التصريحات)، مكررين بأن معدل الأمراض السرطانية في العراق “طبيعي” و ” أفضل” من الدول المجاورة، وحتى من بلدان أوربية (كذا !!!)  وان ” الوضع تحت السيطرة”.. تنفيذاً لـ ” منع وزارة الصحة إعلان أي إحصاءات عن أعداد الصحايا والإصابات بالأمراض ذات العلاقة مباشرة بعد الأحتلال، وهو جزء من خطة إخفاء أية معلومات من التي تثبت حجم الجرائم التي أرتكبت بإستمرار ضد العراق والعراقيين”[3]..
بيد ان  مصادر موثوقة أكدت أن الأصابات السرطانية تجاوزت المليون إصابة، وبلغت الوفيات بالسرطان عشرات الآلاف.وتكشفت  الحقائق للقاصي والداني.  فأعلنت الدكتورة لقاء اًل ياسين -رئيسة لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب سابقاً- خلال ندوة عقدت  في اَيار 2011 لمناقشة الواقع البيئي في محافظة النجف،ارتفاع عدد المصابين بالأمراض السرطانية في العراق إلى  640 ألف[4].وكشف محافظ بغداد الأسبق علي محسن التميمي في نيسان 2014 ان المحافظة تملك إحصاءات رسمية تشير الى تسجيل  600 الف مواطن مصاب بالسرطان في بغداد وحدها نتيجة للتلوث البيئي[5].
ولعل الأخطر ما في جريمة إستخدام تلك الأسلحة الفتاكة هو ان الضحية الأساسية لها هم الأطفال – براعم حاضر ومستقبل الشعب العراقي، حيث صار يعاني الآلاف من الأطفال العراقيين وأسرهم من أمراض مختلفة أفاد الكثير من المختصين بأنها ذات علاقة بالتعرض طويل الأمد للجرع الإشعاعية واطئة الشدة، مثل التشوهات الخلقية والأورام الخبيثة وأمراض القلب والإنحراف الكروموسومي، الذي ينتج عنه مختلف أنواع الأمراض والتشوهات الخلقية [6].كذلك لوحظ ان النساء في المناطق الملوثة باليورانيوم المنضب يعانين من معدلات عالية من حالات الإجهاض والعقم..
    وفي هذا المضمار،سجل الأطباء والباحثون المختصون تغيرات كبيرة طرأت على وبائية الأمراض السرطانية في المناطق التي إستخدمت فيها تلك الأسلحة،ومنها الكثير من الحالات الغريبة،مثل:
كثرة الأصابات السرطانية في المناطق التي قصفت بأسلحة الحرب.
إنتشار الحالات السرطانية وسط عوائل لم يصب أحد منها من قبل،أي لا تحمل العامل الوراثي، وإنما تقطن في مناطق قصفت بأسلحة اليورانيوم. 
احياناً إصابة اكثر من فرد في العائلة الواحدة.وقد لاحظ الباحث الدكتور جواد العلي إصابة المريض الواحد بأكثر من حالة سرطانية ( 2 و 3 وحتى 4 حالات) في اَن واحد[7].
إنتشار أمراض سرطانية وسط  أعمار غير الأعمار المعروفة طبياً، مثل سرطان الثدي لدى فتيات بعمر 10 و 12 سنة، وسرطانات أخرى نادراً ما تصيب شريحة الأطفال.
إرتفاع الأصابات السرطانية والوفيات بالسرطان بنسب عالية جداً، بلغت أضعاف ما كانت عليه قبل عام  1989[8].. أضافة الى: 
كثرة  حالات الأجهاض المتكرر والولادات الميتة.
ظهور حالات من التشوهات الولادية ليست فقط رهيبة، بل وغير معروفاً من قبل.
إنتشار العقم لدى اَلاف الرجال والنساء، وبينهم من خلف أو أنجب قبل الحرب[9].
 وقد وقفت الجهات الصحية عاجزة تماماً عن عمل أي شيء، لأسباب متعددة.وعندما حاول الدكتور علاء  العلوان- وزير للصحة  الأسبق- تخفيف محنة المرضى، ضمن خطة وضعها لتحسين الواقع الصحي المتردي، تصدت له مافيا الصحة بكل وقاحة، فأضطر للإستقالة ومغادرة العراق..
    
ويذكر، ان المرضى عامة، ومرضى السرطان خاصة، عانوا كثيراً من سوء الخدمات الطبية، وسوء المعاملة، ومن شحة الأدوية في المستشفيات الحكومية.وقد نشرت وسائل الأعلام العراقية،طيلة سنوات عديدة، الكثير عن صعوبة العلاج،بل وعدم توفر العلاجات اللازمة بشكل مستمر، حيث الدواء المطلوب لا يتوفر في المستشفى فيضطرون لشرائه على نفقتهم الخاصة.والدواء المخصص لهم، والذي يتعين إستلامه كل شهر، لا يستلموه إلا مرة كل 6 أشهر، وبعضهم  إستلم مرة واحدة فقط، ولم يكمل علاجه، فتوفي..   ويتزايد  بإسنمرار عدد المرضى الذين يأتون من المحافظات للعلاج في  مستشفى الأشعاع والطب الذري في بغداد، وفي المستشفيات التي فيها ردهات لمرضى السرطان، ويتكلفون مصاريف باهضة ووقتاً وتعباً، ولم يحصلوا على العلاج، بحجج عديدة، ومنها عدم إستلام المؤسسات الطبية للأدوية، بينما الأدوية موجودة في الصيدليات الأهلية ولدى باعة الأرصفة .
    
وقد تسببت شحة أدوية الامراض السرطانية المتفشية المزمنة الى ارتفاع اسعارها، وزيادة معاناة المواطنين المحتاجين اليها،خاصة من ذوي الدخل المحدود.ولذات الأسباب تعذر على الاغلبية السفر الى الخارج لتلقي العلاج. وناشد مرضى السرطان وذووهم ومراراً وتكراراَ الحكومة والجهات الصحية ذات العلاقة بتوفير الادوية من مناشئ جديدة وباسعار مناسبة لكي يتسنى لهم اكمال مراحل العلاج.وهذا ما سعى لتحقيقه الوزير العلوان، فأحبطوا مسعاه..
    
وإشتكى اطباء في مستشفى الاشعاع والطب الذري ان المستشفى يعاني من زخم كبير في المراجعين والمرضى كونه الوحيد في البلد وليس له اي فرع في باقي المحافظات ولهذا فالمواعيد التي تعطى لهم من ثلاثة اشهر الى سنة وقد يموت المريض اثناء فترة الانتظار.
    وعدا نقص الادوية والمستلزمات الطبية، يعاني القطاع الصحي نقصاَ كبيراَ في الكوادر الطبية والتمريضية المتخصصة، خاصة في المحافظات الجنوبية.ولذا طالبت  العديد من المحافظات بإنشاء مركز تخصصي لتشخيص وعلاج أمراض السرطان في كل محافظة، لأن مواطنيها الفقراء لا يستطيعون تحمل تكاليف السفر لعلاج هذه الأمرض القاتلة..
حكومة الكاظمي هي الحكومة الوحيدة التي إلتفتت لمرضى السرطان وما يحتاجون إليه، فقرر مجلس الوزراء في جلسته الاعتيادية في يوم الثلاثاء  28/7/2020 ، برئاسة رئيسه السيد مصطفى الكاظمي، إقرار توصيات المجلس الوزاري للتنمية البشرية، ووافق على إنشاء ردهات جديدة لمعالجة الأمراض السرطانية، وفقاً للمقررات التالية:
أ- إنشاء ردهات إضافية لمعالجة مرضى السرطان في مستشفى الأمل الوطني، وأخرى مماثلة في المركز الوطني للأمراض السرطانية ، فضلاً عن التوسع في معالجة الأنواع الأخرى من الأمراض السرطانية، وأمراض الغدّة الدرقية.
ب- إنشاء مراكز للطب النووي في محافظات: البصرة، النجف، نينوى، بابل، الأنبار، وفقاً للمخطط الذي أعدّ لمحافظة النجف، وتكليف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي- دائرة معالجة المواد الخطيرة، ومديريات الطاقة الذرية، بإنشاء منظومات تصريف الفضلات المشعة، على وفق النموذج الذي سبق تطبيقه في مستشفى الأمل الوطني.
ج- الإسراع في إنشاء مراكز للأبحاث النووية لتلبية المستلزمات والاحتياجات التي تحتاجها المراكز المشار إليها، من النظائر المشعة فضلاً عن مادة اليود المشع.
د- استثناء عملية استيراد المواد المشعة ومنظوماتها من إجراءات الروتين المتبعة في شركة كيماديا، وتسليمها الى الجهة المستفيدة حال وصولها الى المنافذ الحدودية، لتلافي الأضرار التي تسببها تلك الإجراءات.
هـ- الإفادة من الدعم المقدّم من الاتحاد الأوروبي الذي ستشرف عليه وزارة الصحة، والمقدّم لصالح الأنشطة النووية، في توفير المنظومات الإشعاعية وتدريب الملاكات.
و- قيام وزارة الصحة والبيئة والمحافظات باتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن المقررات آنفاً.
ز- فتح حساب خاص لدعم مراكز الأبحاث السرطانية.
إلتفاتة طيبة، ومقررات هامة مطلوبة..نأمل ان تجري متابعة تنفيذها جدياً، وعلى نحو دوري، كل شهر مثلآ، من قبل مجلس الوزراء في إجتماعاته الأعتيادية، إذا أراد فعلآ ان لا تكون كسابقاتها حبراً على ورق!
الهوامش:
1- كاظم المقدادي، ذحائر اليورانيوم المنضب.. مستجدات علمية، مجلة ” الثقافة الجديدة”، العدد المزدوج 353-354، تشرين الثاني 2012
2-غنوة خليل الدقدوقي، أمراض الحروب،” مقهى  العلوم”،24/4/2008
3-سعاد ناجي العزاوي، تلوث بيئة العراق باليورانيوم المنضب، منظمة المجتمع العلمي العربي، 6/3/2019  
4-” المواطن”، 7/5/2011
5-  “الصباح”،10/4/2014
6- Durakovic,  Asaf ; Medical Effects of Internal Contamination with uranium, Croatian Medical Journal, online,  Vol. 40, Nr 1, March 1999
7-Al-Ali, Jawad ; Congenital Malformations and Leukemia in the Basrah area following the Gulf War, International Conference on Environmental Effects of War, Seminar on Health Effects of Uranium Exposure, Karolinska Institutet, Stockholm, 22 April, 2004.   
8- متى خماس، الحرب القذرة ضد العراق،”الجزيرة. نت”، المعرفة-ملفات خاصة،العراق،3/10/2004
9-كاظم المقدادي، التلوث الأشعاعي في العراق بين الحقائق والتضليل،دار نشر ” فيشيون ميدي” بالسويد،،ط 1، 2014.
أكاديمي وباحث بيئي، متقاعد، مقيم في السويد

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك