العراق اليوم

التعذيب والكرامة المهدورة في العراق

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

أثار ظهور فيديو لقيام رجال أمن في العراق بالاعتداء جسدياً ونفسياً على صبي في السادسة عشرة من العمر الكثيرَ من الغضب بين العراقيين ومطالبتهم برد حكومي صارم على هذا الاعتداء.
على خلاف العادة السيئة المتأصلة في حكومات ما بعد 2003، كشفت الحكومة العراقية هذا المرة، وسريعاً، الفاعلين وعاقبتهم وحاولت إنصاف الصبي المُنتَهك. وبرغم أن هذه الخطوة إيجابية، فإنها لن تستطيع إصلاح العطب العميق الناشئ من النظرة الانتقائية بخصوص حقوق الإنسان في البلد، سواء تلك المنتشرة بين قوات الأمن خصوصاً والجمهور العراقي عموماً. ما لم تفكك هذه النظرة الانتقائية لحقوق الإنسان لصالح أخرى تقوم على الاحترام غير المشروط لهذه الحقوق، فإن هذه الانتهاكات ستكرر. فالمعروف أن خروقات كثيرة وجسيمة لهذه الحقوق حصلت مراراً وتكراراً على مدى السنوات الماضية من دون أن تثير غضباً شعبياً أو تقود إلى تحقيق حكومي تظهر نتائجه ويعاقب الفاعلون على أساسه.
إيقاع الأذى الجسدي، كشكل من أشكال العقاب، بمن يُعتبر مذنباً بارتكاب فعل خاطئ أمر شائع  في العراق سواء في السياقات الاجتماعية الحياتية أو الرسمية الأمنية سواء قبل عام ٢٠٠٣ أو بعده. ما يساعد على شيوع هذه الممارسة هي ثقافة شعبية راسخة مناهضة لحقوق الإنسان تمتد جذورها في التراث الديني والاجتماعي تعتبر جسد المذنب الحيز المناسب لإيقاع القصاص إنصافاً لضحايا الفعل الخاطئ ومنعاً لتكراره في المستقبل.
هذا المنظور العقابي قديم وسائد تاريخياً عبر كل الثقافات الإنسانية تقريباً وصولاً  إلى القرن الثامن عشر وهو يستند إلى فهم أخلاقي وقانوني كلاسيكي لمعنى العقاب. يعتبر هذا الفهم أن جسد المذنب كان الأداة الطوعية للقيام بالفعل الخاطئ وبالتالي فإن إيذاء هذا الجسد الذي تصرف على نحو شرير هو طريقة فاعلة لترويض الشر الكامن في روح  صاحب الجسد وتخويفه، بسبب شدة الألم الجسدي، من السماح بهذا الشر أن يتحكم بعقله ويقود جسده نحو أفعال شريرة مستقبلاً. بمعنى آخر، التحكم بالجسد، عبر إيقاع الألم به، هو وسيلة للوصول إلى العقل (أو الروح) والتأثير عليه، بعد أن فشلت المنظومة الأخلاقية للمذنب، أو ما يعبر عنه الضمير، في منع هذا الجسد من اقتراف الفعل الشرير. أيضاً، يوفر العقاب الجسدي للمذنب عزاء نفسياً للضحايا وتنفيساً عن غضبهم الكامن على صاحب الجسد، فضلاً عن السرعة التي يتيح فيها العقاب الجسدي إحقاقَ العدالة المفترضة هنا.
ظل هذا الفهم الكلاسيكي للعقاب الذي يعتبر الجسد الواسطة بين ذات المذنب وعقله مهيمناً على مدى قرون طويلة في مختلف أنحاء العالم إلى أن استبدله مفهوم حديث للعقاب في القرن الثامن عشر الأوروبي بعد صعود ما أطلق عليه بعصر التنوير. اعتمد الفهم الجديد للعقاب على سجن جسد المذنب لا على إيذائه. وكما حاجج الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، مَثَّلَ بروز نظام السجون كوسيلة أساسية وقانونية للعقاب تغيراً مهماً في فهم طبيعة العقاب يفترض أن حبس الجسد على مدى فترة طويلة نسبياً، بما يعنيه هذا من حرمانه من حقوق ومتع كثيرة تكون في العادة متاحة له خارج السجن، هو أكثر تأثيراً في إصلاح تفكير صاحب الجسد ومنعه من تكرار الفعل الإجرامي مستقبلاً من إيقاع الأذى المادي بالجسد نفسه.
ترافق الابتعاد عن إيذاء الجسد والاستعاضة عنه بحرمانه عبر السجن بتحول فكري بخصوص معنى الإنسان ككائن عاقل ومسؤول تمييزاً له عن الحيوان برز أيضاً في المنظومة الفلسفية والقانونية والأخلاقية الأوروبية حينها وساهم في ترسيخ الفهم الجديد للعقاب. إنه مفهوم الكرامة الإنسانية التي تصاحب كون المرء إنساناً في المقام الأول، بخلاف الحيوانات التي ليس لديها مثل هذه الكرامة. يفترض مفهوم الكرامة الإنسانية أن لجسد الإنسان حرمة ً مادية ينبغي عدم انتهاكها عبر إيذاء الجسد، ففي فعل الإيذاء هذا إذلال لمعنى أن يكون المرء إنساناً وإهداراً لكرامته، أي تقويض اعتداده بنفسه. يقود مثل الإهدار، خصوصاً إذا كان مستمراً، إلى عطب نفسي دائم لدى المرء لا يستطيع أن يكون معه إنساناً سوياً أو صحياً. من هنا يتحول العقاب الجسدي الى أحد أشكال الانتقام من صاحب الفعل الشرير، وليس إصلاحاً له.
بوصفهاً احتراماً لحرمة جسد الإنسان من الانتهاك، الكرامة الإنسانية قديمة قدم المجتمع الإنساني نفسه، لكنها كانت مفهوماً طبقياً في العالم القديم، إذ شمل هذا الاحترام، سواء لدى السومريين أو الآشوريين أو الرومان والإغريق، الطبقات العليا من المجتمع التي كانت، بحكم امتيازاتها الطبقية، محمية عموماً من التعرض للانتهاك الجسدي، إلا في حالات استثنائية. بالمقابل كانت الطبقات الأخرى الدنيا والوسطى في هذه المجتمعات تتعرض للانتهاك الجسدي كعقوبات بنسب متفاوتة حسب موقعها في السلم الطبقي أيضاً. مع بروز الديانات الإبراهيمية، اتخذت الكرامة الإنسانية طابعاً أكثر مرونة عبر ربطها بالإيمان الديني وليس بالموقع الطبقي، فالبشر كلهم يتمتعون بالكرامة الإنسانية ابتداءً (“فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم” سفر التكوين ٢٧:١ . “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا” الإسراء ٧٠). لكن رفض بعض البشر الإيمان أو إنكاره أو معاداته تزيل عنهم الكرامة الإنسانية وتنزلهم إلى منزلة حيوانية لا كرامة فيها (“يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟ فإنه من فضلة القلب يتكلم الفم” متي ٣٤:١٢”. ” أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً” الفرقان ٤٠).
تدريجياً، بدءاً من القرن السابع عشر وعلى امتداد القرن الثامن عشر تحولت الكرامة الإنسانية من مفهوم انتقائي، بوصفها امتيازاً لمجاميع محددة سواء دينياً أو طبقياً إلى آخر عام، بوصفه حقاً طبيعياً يشمل كل البشر، حتى وإن كان التطبيق الغربي لهذا المفهوم انتقائياً في أحيان كثيرة. قد يكون الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت هو الرائد في إثارة هذه الفكرة قبل أن تتعزز تدريجياً عبر النظم القانونية للدول والقيم الأخلاقية للمجتمع على مدى القرنين التاليين، التاسع عشر والعشرين. كجزء من هذا التحول المهم، أصبح الإيذاء الجسدي المتعمد يعتبر تعدياً على الإنسان واستقر وصفه القانوني والإعلامي بالتعذيب خصوصاً بعد فظاعات الحرب العالمية الثانية. تأصل مفهوم مناهضة التعذيب ضمن القانون الدولي واتسع ليشمل الاعتداء النفسي أيضاً بمصادقة الأمم المتحدة في عام ١٩٤٨ على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أكد على مبادئ الحرية والمساواة بين البشر والكرامة الإنسانية وحظر التعذيب الجسدي والنفسي.
كان العراق من بين الدول الثماني والأربعين التي صوتت لصالح تبني هذا الإعلان في ديسمبر ١٩٤٨، فضلاً عن موافقته على الاتفاقات اللاحقة التي أصدرتها الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الإنسان ومنع كل أنواع التمييز كالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام ١٩٦٦ واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لعام ١٩٨٤. كما تضمنت الدساتير العراقية المؤقتة والدائمة ( ١٩٦٣ و١٩٦٤ و١٩٧٠ و٢٠٠٥) موادَ تحظر التعذيب الجسدي والنفسي. مع ذلك، فإن التعذيب وخرق حقوق الإنسان سلوك معتاد في السجون العراقية تؤكده تقارير دولية ومحلية وفي الغالب لا تنكره الدولة ناهيك عن فشلها في اتخاذ إجراءات رادعة ضده.
تكمن الصعوبة الأساسية التي تعترض الإصلاح المؤسساتي لترسيخ حقوق الإنسان في العراق في ثقافة النخبة السياسية التي أدارت مؤسسات الدولة، إذ تتشابه مع الثقافة الشعبية السائدة بخصوص التعذيب من خلال تشارك الاثنين بالإيمان بالمفهوم الانتقائي الكلاسيكي بخصوص الكرامة الإنسانية بوصفها امتيازاً متوفراً للبعض وليس حقاً طبيعياً للجميع. من هنا كان هناك قبول عراقي عام ومقلق بتعذيب المتهمين بالإرهاب والإرهابيين مثلاً واعتباره انتقاماً مشروعاً من أشرار، ورفضه عند تعرض أناس أبرياء للتعذيب. يعبر الموقف العراقي المزدوج بشأن حقوق الإنسان، خصوصاً الغضب الانتقائي نحو التعذيب، عن  ضعف الاستعداد الشعبي والمؤسساتي في البلد لخوض تجربة ديمقراطية حقيقية لا يمكن النجاح فيها من دون إقرار اجتماعي وسياسي بأن الكرامة الإنسانية للفرد، مواطناً أو غير مواطن، مصانة للجميع على نحو غير مشروط، بغض النظر عن غضبنا الشخصي من الأفعال الشريرة التي يقوم بها بعض الأفراد. الصحيح هو ألا تستسلم الدولة ومواطنوها لنوازع الغضب الشخصي بالانتقام من أجساد المذنبين، بل يحتاج أن يكون غضب الدولة عقلانياً وهادئاً يظهر عبر عقوبات قانونية منصفة لا مكان فيها للرغبة الحسية البدائية بانتهاك الكرامة الإنسانية حتى وإن كانت تلك كرامة مرتكبي الأفعال الإجرامية.
“سكاي نيوز عربية”

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك