كتابات

لماذا تتعثر الديمقراطية ؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

هذا السؤال يطرحه الدكتور (علي الدين هلال) في كتابه المهم ( الانتقال الى الديمقراطية) ، فمثلاً لم تنجح الديمقراطية في ألمانيا ، عندما انتخب شعبها حزباً معادياً للديمقراطية ؟ أما الاجابة ، فهي ، من عوامل أخرى ،هي غياب الثقافة الديمقراطية ، فلا يمكن فرض نظام ديمقراطي على مجتمع تغيب عنه هذه الصفة ،وعن مؤسساته الأخرى ، مثل الاْسرة والمدرسة والنقابة ،–

هذا ما حدث مع -هتلر – وحزبه الاشتراكي الوطني ، عند وصوله الى السلطة في عام 1933 ، عندما فرضت الدول المنتصرة في أعقاب الحرب العالمية الاولى وهزيمة الامبراطورية الألمانية ، وأعلن لها دستور مماثل للديمقراطيات في أوروبا ، فقد صوتت أغلبية الناخبين لمصلحة هتلر وحزبه الذي كانت أفكاره منطلقاً لسياسات العنصرية والاستعلائية والتوسعية التي نفذها بعد وصوله الى الحكم وانقلابه على الديمقراطية ، فحرق أنصاره مبنى البرلمان ،واْلغوا الدستور وفرضوا نظام الحزب الواحد ،—

تجربة أخرى في أوروبا هي سقوط الجمهورية في اسبانيا على يد الجنرال -فرانكو – في السنوات الأخيرة من الثلاثينيات من القرن العشرين ، –وتجربة -شيلي – في امريكا اللاتينية ،التي انتهت بماْساة كبيرة ،–

الديمقراطية كما هو معروف ، ليست ايديولوجيا بحتة ، اذ هي نظام للحكم يستند على التعريف الاغريقي ، حكم الشعب بواسطة الشعب ، كتعريف أولي ومختزل ، ولاْن هذا التحديد يعبر عن إرادة شعبية عريضة ،فهو الشكل المفضل بالمقارنة مع أشكال حكم أخرى ، ،الاستبدادية ، الاوليغارشية ، الدكتاتورية ، ((ففي( اثينا ) بعد الحرب الميدية عرف الفكر السياسي اليوناني انطلاقة ضخمة ( 490-479) ق م ، وكانت هذه الحاضرة في أوج ازدهارها ، اعتمدت بنية اقتصادية ديمقراطية ، وهذه البنية هي من سيطرة على حركة الافكار ، أما بواسطة رعاتها ومفكريها ،وإما بواسطة الاغراب الذين آووا اليها ، كبرتاغوراس ، وحقق فيالت وبركلس الديمقراطية في الواقع )) [ تاريخ الفكر السياسي ؛ جان توشار؛ بمعاونة آخرين ] ص17 ،–

وانتظم هذا الفكر السياسي ،حول بعض مراكز التفكير المهمة ، الديمقراطية ،والحرية والقانون ،—

أما اليوم ،فلاْول مرة تكون أغلب دول العالم ذات نظم تاْخذ الشكل الديمقراطي ( وجود تعدد أحزاب ،وانتخابات دورية ) ، مقارنة مثلاً ببداية القرن العشرين ، إذ لم تكن هناك سوى (22) دولة اتبعت الشكل الديمقراطي ، ثم تقلص العدد الى ( 12) دولة في 1942 ، وزاد في مطلع الستينيات الى (36) دولة ، ثم الى (60) في نهاية الثمانينيات بعد التطورات الديمقراطية في اسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا والبرازيل وبعض دول امريكا اللاتينية ،—

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والتحولات في شرقي أوروبا وعدد من الدول الافريقية ، أصبحت أغلبية دول العالم لأول مرة في التاريخ تاْخذ بالنظام الديمقراطي ،إذ بلغ عددها ( 119) من أصل ( 193) في العام 2013 ،—-

يبدو أن العراق بصدد تقديم نسخة خاصة واستثنائية للتجربة الديمقراطية، بمعالجة جديدة، وبإطلالة مستحدثة تختلف وتتقاطع مع كل تجارب العالم على صعيد التطبيق الديمقراطي.فما دونه الحاكم المدني الأميركي للعراق (بول برايمر) ، بعد احتلال أميركا العراقَ سنة 2003، في كتابه (عام قضيته في العراق)، وما كتبه المؤرخون في تاريخ العراق القريب جدا.

أنّ هذا الحاكم كان ينوي -متطابقا مع بنود النظام العالمي الجديد الذي سنته بلاده منفردة قبل ثلاثة عقود من يومنا هذا- أن يؤسس ما يطلق عليه في خطاب الديمقراطيات، بـ (الديمقراطية التوافقية) !على غرار تجارب ناجحة ومثالية في بلدان في أوروبا، كسويسرا، والنمسا، وهولندا، هذه البلدان التي تتميز بتنوع مكوناتي – إثني، لا يفيده سوى هذا النوع من مناهج الحكم، الذي يتجسد بإنصاف الأكثريات والأقليات على حد سواء، حتى أنّ بريمر لم يعمد إلى استنساخ تجربة بلاده أميركا ذات الحزبين المتناوبين في الحكم والمعارضة في ديمقراطية نقية ونزيهة فأخذ على عاتقه زراعة شجرة الديمقراطية الوارفة في تربة أرض الرافدين التليدة، بعد إسقاط نظام دكتاتوري شديد العتو.

ولكن سرعان ما انحرف إيقاع هذه الديمقراطية عن مساره، لتتحول البوصلة إلى توافقات متحاصصة ومتغانمة بين قوى وأحزاب العملية السياسية، فأنتجت مخرجات غير حميدة، أبرزها الفساد بشتى صنوفه، السياسي والمالي والإداري، ثم تبعه مسلسل مستمر ولا متناهي من أزمات تلاحقت وتفاقمت حتى يومنا هذا، ابتدأت بحرب أهلية محدودة لم تلبث أن همدت، لتتحول البلاد إلى مسرح لإرهاب أسود، باشرته منظمة القاعدة، لينتهي باحتلال عصابات داعش المتوحشة ثلثَ مساحة البلاد، ناشرة الموت والخراب.

فهل هو قدر الشعب العراقي إزاء خيار الديمقراطية؟ أم أنّ لديمقراطية العراق مذاقها المر وثمارها الفاسدة، قطفها الشعب العراقي طيلة زمن أسود وإشكالي دام طويلا، تمثل في تقهقر وتراجع مأساوي لبلد هو الأغنى في الإقليم، بموارده الغزيرة، وأرضه المعطاء، ونفطه الوفير الذي لم يربح منه سوى البطالة والعوز ونسب الفقر المفزعة، وأخيرا الاحتجاجات التي لم يشهدها تاريخ البلاد من قبل .

ترى أهي أزمة الديمقراطية عموماً أم هي أزمة ديمقراطيتنا؟

الذين يكتبون في مجال السياسة والتاريخ يشيرون إلى أن كلمة الديمقراطية الدستورية، هي التي تتفوق في مجال الجذب للشعوب قياسا مع تسميات أخرى، فهي، أي الديمقراطية، تحاول كل الدول التمظهر والالتصاق بها، والانتساب إليها، فهي تقع في الخانة المضادة للاستبداد والشمولية، فبعد انهيار الدول ذات الأنظمة الكلية – التوتاليتارية- في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تصاعد رصيد الديمقراطية مقترنا مع رخاء أصاب هذه الشعوب بتبنيها الأساليب الليبرالية، الرديف الاقتصادي للديمقراطية.

إنّ ما يضيفه تحليلنا هنا، هو أنّ المواطنة هي التي تفترض وجود دولة هدفها الرئيس تعزيز القوة المجتمعية، فالسؤال يبرز هكذا: إذا كان تمثيل المصالح المجتمعية واحداً من مقومات الديمقراطية، فهل حصل مثل هذا في ديمقراطية العراق؟ الإجابة هي ما لم تخضع القوى السياسية لمتطلبات القوى المجتمعية الفاعلة، تفقد صفتها التمثيلية، فتقضي على أول شرط من شروط الديمقراطية، فإذا لم يحصل مثل هذا الأمر عندئذ تنقطع الروابط بين المجتمع السياسي الذي تربطه بالمجتمع المدني وبالدولة معا.

ما يميز أغلب الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة العراقية كونها لا تتّكئ على قاعدة مجتمعية عريضة فهي محض تجمعات انتخابية بغطاء طائفي. فالقياس الذي اعتمده بريمر نظريا كخيار للديمقراطية في العراق، لم يحقق أيّة نسبة إيجابية، بل ارتد بشكل معكوس فأنتج أعرافاً وسياقات، أول آثارها ضعف الدولة، وتجمعات بتسميات طائفية وعرقية لا يحدوها سوى التغانم والفساد.

الخلل في التمثيل النيابي البرلماني الذي اعتمد المحاصصة هو الذي أضرّ كثيراً في تجربة العراق الديمقراطية، وهو الذي أنجب كل النواقص والشرور القديمة والجديدة والتي انعكست على حياة المجتمع العراقي بقوة، ومن تمظهراتها الأخيرة والمضادة للعملية السياسية، هي حركة الاحتجاجات الأخيرة بكل ما حققت من نتائج وتحديات لقوى وأحزاب العملية السياسية، التي ظهرت متخبطة وفي أقصى حالات الخوف والفزع، المشكلة أو الأزمة السياسية في العراق وبالتالي الديمقراطية اليوم هيكلية ومتفاقمة، وعليه ينبغي أن يكون التغيير هو الآخر هيكلياً مماثلاً. 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك