كتابات

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل 5

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

مركزية موقع الدولة

 د. حسين الهنداوي

فلسفتا التاريخ، الهيغلية والخلدونية، منظومتان تأمّليتان، بمعايير علم المنطق، ومؤسستان على نوع من علاقة السببية الميتافيزيقية للعالم الملموس بالعالم الآلهي. إلا أننا ينبغي أن نستدرك، ونضيف أنهما، بالمقابل، واقعيتان، بل وتربويتان، على صعيد الغايات والتحليل.

فهيغل وابن خلدون، درسا النظريات الفلسفية والعقائد، وهذا لا شك فيه، الا أنهما تأملا أيضاً الوقائع الفعلية والأحداث الإنسانية السابقة، كما سجلتها مؤلفات المؤرخين السابقين. واعتماداً على كل ذلك، وعلى الملاحظات المباشرة، التي توصلا إليها خلال تجربتهما، العملية والعلمية، أنتجا ما أنتجاه من منظورات وأفكار. لذلك، من الصعب أن نفهم أبعاد الالتقاء أو التباعد أو التضاد بين نظريتيهما حول التاريخ، وحول الدولة خاصة، دون الانتباه إلى ما يحتله الواقع والتاريخ والقيم السائدة وحتى الأحكام الجاهزة الخاصة بحضارتيهما، من أهمية ودور في رسم حدود تلك المنظورات والأفكار.

وتحتل موضوعة الدولة بشكل خاص موقعاً مركزياً لديهما، إلى درجة نميل إلى الاعتقاد معها أن ابن خلدون، هو أهم من فكّر فلسفياً في ظاهرة الدولة بين المفكرين العرب والمسلمين، وربما إلى حد الآن. بينما كان هيغل من أبرز من فكّر فيها في الحضارة الغربية حتى منتصف القرن التاسع عشر. وهذا ما تؤكده الدراسات الحديثة التي تناولت، وبشكل موسع، أفكار كل منهما على انفراد، حول الدولة، وربما لا نبالغ إذا قلنا بأنه لم يعد هناك مهم جديد يضاف إلى الدراسات المختلفة المقدمة حولها. بيد أن المقارنة بين نظريتيهما حول الدولة خاصة، لا تزال تنتظر من ينجزها بشكل كامل. فما نتناوله في هذه الصفحات، لن يتجاوز الجوانب الجوهرية، وربما لن يشملها كلها كما نطمح، وبالأبعاد اللازمة.

وفي الواقع، تواجه محاولة المقارنة بين نظريتي الدولة عند كل من هيغل وابن خلدون، حال الشروع فيها، معضلة عميقة ذات شقين منهجي ومعرفي. يتعلق الجانب المنهجي بحقيقة ان معظم المكونات الأساسية، في نظرية الدولة الخلدونية، تندرج في إطار العلوم الاجتماعية والسياسية، أكثر مما تندرج في إطار فلسفة للتاريخ. فابن خلدون، يستنتج من المادة التاريخية أفكاراً ذات طابع نظري عام أكثر مما يهتم بصياغة منظومة فلسفية حولها. في حين تتموضع نظرية الدولة عند هيغل، في قلب فكره الفلسفي بشكل ثابت، وتحرص على الإفلات من أي بعد اجتماعي أو اقتصادي مباشر تجد نفسها قد انزلقت عرضاً إليه. فـ«العقل المحض» حاضر على الدوام، في هذا المنهج، وحاضر بقوة فيه، بينما لا يأخذ تحديداً منهجيا واضحا عند ابن خلدون في كل كتاباته بما فيها “المقدمة” بيد انه موجود مع ذلك ويعبر عنه مفهوم “العقل النظري” المتعلق بعالم الظواهر الطبيعي والذي يميزه عن العقل العملي (بأحواله المختلفة التمييزي والتكليفي والتجريبي) كما عن العقل الروحاني المتعلق بعالم الغيب، ويحدده قوله بأن الله تعالى ميّز الانسان عن اقرانه من جنس الحيوانات “بالفكر الذي جعل له، يوقع به أفعاله على انتظام وهو العقل التمييزي، أو يقتنص به العلم بالآراء والمصالح والمفاسد من أبناء جنسه، وهو العقل التجريبي، أو يحصل به في تصور الموجودات غائباً وشاهداً، على ما هي عليه، وهو العقل النظري” .

الذي يميّز الإنسان في مواجهة الطبيعة المحض وأيضاً ما يميز طبيعته العقلانية في مواجهة طبيعته المادية و الجسدية، وهو ما يعرفه ارسطو بقوى النفس البشرية التي تجعل الانسان مدنيا بالطبع وهي بالتالي منبع فكرة الدولة في نظرنا.

أما على الصعيد المعرفي التاريخي، فالدولة التي يحللها ابن خلدون، هي دولة محلية وإسلامية من كل جوانبها، وغالباً هي الدولة أو الدول التي عاصرها هو نفسه، كما لو أن التاريخ البشري لم يعرف غيرها. 

رغم أن هناك من يرى باننا عند تحليل رؤيته ودراستها ينبغي الّا نقتصر على حدود الابعاد المعرفية والتاريخية التي احتواها كتاب العبر معتبراً أن ما طرحه ابن خلدون من ابعاد معرفية ورؤى منهجية تتجاوز بكثير طبيعة الاجتماع العربي الاسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي ومن ثم يمكننا سحب ابن خلدون الى مجال العالمية في الرؤية والمنهج والقضايا وهنا في حين أن ظاهرة الدولة حققت نماذج أخرى قبل عصره، أقل أو أكثر تطوراً من الأشكال التي عرفها مباشرة عن الدولة الإسلامية في شمالي أفريقيا آنذاك. وهذا الأمر يربك كونية الاستنتاجات العامة التي يخرج بها ابن خلدون حول موضوعة الدولة، بينما هي، عند هيغل، «دولة كونية» دائماً، حتى عندما نتأكد من أن ما ينطلق منه في الأساس، ليس في الواقع سوى تصورات مستمدة من مصادر فكر سياسي يظل في مادته الرئيسية وأحكامه أوروبياً غربياً كي لا نقول مسيحياً، ومتمحورة إجمالاً حول موضوعات، تهم الحياة السياسية المحلية في عصره المرتبط ارتباطا وثيقا بتأثيرات الثورة الفرنسية.

وهذا الفارق مهم على صعيد طبيعة النتائج. فعلى خلاف هيغل، لم يسع ابن خلدون إلى صياغة مفاهيم دقيقة وشاملة لفكره السياسي، كما أنه لم يعمل على بلورة معايير للحكم ومبادئ تأسيسية عامة لشكل ما نموذجي للدولة. وبكلمة، يمكن، في رأينا، إعتبار «المقدمة» أقرب روحاً إلى كتاب «السياسة» لأرسطو منها إلى «جمهورية» أفلاطون، أو «المدينة الفاضلة» للفارابي. وهو ما يشير إليه ابن خلدون نفسه عندما يقول:

«وما تسمعه من السياسة المدنية، فليس من هذا الباب، وإنما معناه، عند الحكماء، ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع، في نفسه وخلقه، حتى يستغنوا عن الحكام رأساً. ويسمون المجتمع، الذي يحصل فيه ما يسمى من ذلك، بـ«المدينة الفاضلة»… وهذه المدينة الفاضلة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليها من جهة الفرض والتقدير» كما جاء في المقدمة.

وعموماً، لا يبدو لنا صحيحاً الرأي القائل بأنه كان مستحيلاً على ابن خلدون الذهاب أبعد مما ذهب إليه في صياغته لنظريته السياسية. فالصحيح هو أنه تقصد عدم السعي إلى ذلك، أي عدم الاستغراق في تأمل المثل، مقتصراً على تقديم أفكار واقعية وعملية ممكنة التطبيق موضوعياً، مثلما فعل أرسطو قبله، وهوبز وكانت وهيغل فيما بعد.

من هنا، فإن المقاربة بين هيغل وابن خلدون، سرعان ما تكشف عن وجود علاقات عميقة بين جوانب رئيسية في منظوري الدولة عندهما، نقتصر هنا على عدد منها، كموقع الدولة في الحضارة بوجه عام، وعوامل وضرورة قيامها، وأطوار حياتها الطبيعية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك