كتابات

باليت المدى: ما هو الأتيكيت؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ستار كاووش

هناك تفاصيل كثيرة نتعلمها في حياتنا وتغير شخصياتنا الى الأبد، لمحات ربما تكون صغيرة لكنها تجمل أرواحنا وتطمئن مَن يتعامل معنا، ورغم كونها غالباً لا تكلف كثيراً، لكنها تترك انطباعاً طيباً وتعكس نوعاً من الاهتمام والتهذيب، وهي بكل الأحوال إشارة الى شيء من الطمأنينة والدفء والتقرب والحميمية بين الناس.

فحين تقوم بفتح باب البيت أو السيارة لامرأة، أو تبادر لتعليق معطفها، وغير ذلك من التفاصيل الجميلة، يقولون عنك (أنه يعرف الأتيكيت) فماهو الأتيكيت؟ ومن أين جاءت هذه التسمية؟ وكيف أصبحت شيئاً مهماً للتعامل بين الناس؟ 

الانسان بطبيعته كائن اجتماعي، وهذا يحتم عليه إيجاد طرق وأساليب مناسبة وجيدة للتعامل مع الآخرين تعكس احترامه لهم، وتقدير مشاعرهم، وتؤدي الى الانسجام معهم. ولتسهيل ذلك نلجأ لما يسمى بالأتيكيت، أو اللياقة في التصرف في ظروف معينة. وأصل كلمة أتيكيت فرنسي، وتعني الأوراق التي تلصق على معلبات الطعام أو تُثَبَّتْ على قناني الشراب أو أي شيء مغلق ويحتوي على مواد معينة، منزلية كانت أو غذائية، وعلى هذه الاوراق المُلصَقَة على العلب كانت -وماتزال- تكتب طرق الاستعمال الصحيحة والمحتويات وباقي المعلومات المناسبة التي تتعلق بالكمية الموجودة وتاريخ الإنتاج وطرق حفاظها، وهذه الملصقات أو (الليبلات) تسمى باللغة الفرنسية أتيكيت. وقد تغيرت الكلمة مع الوقت وأصبحت مجموعة من الإرشادات وقواعد اللياقة والتعامل في بعض المواقف. 

لكن الأمر ابتدأ قبل كل ذلك في هولندا حين قرر فيليب دي خود (١٣٩٦-١٤٦٧) دوق برابانت وفلاندرز التابعة للاراضي المنخفضة أن تُسَلَّم لزائري قصره بطاقة أو قائمة ورقية تحتوي على طريقة التعامل داخل مكان الزيارة والأساليب المتبعة عند الحديث وطريقة تناول الطعام أو وضعية الجلوس، يضاف الى ذلك اختيار نوع الملابس والعطور والمكياج (أثناء الاحتفالات) وطريقة الاستجابة لبعض الطلبات وأسلوب الاجابة على بعض الأسئلة، وطريقة تقديم أنفسهم للآخرين أو كيفية تَقديمهم شخصاً آخر للدوق. ومن تلك البطاقات أو القوائم خرجت هذه القواعد من القصر لتصبح جزءاً من التواصل وطبيعة الاشخاص المحترمين، ومع الوقت أُطلِقَتْ عليها تسمية أتيكيت الفرنسية، حتى غدت جزء من ثقافة بلدان عديدة وأصبح تسمية عالمية تتعلق بطرق التعامل واللباقة عند التواصل مع الآخرين. 

وهناك اختلافات بين البلدان في النظر الى الأتيكيت، وقد يخطيء المرء عند زيارته بلد آخر، في التعامل مع بعض المواقف والتفاصيل. فما يكون مناسباً في هذا البلد، ربما يكون غير لائق في بلد آخر، وهذا لا يعتبر خطأ جسيماً عادة، لأنه يتعلق بإختلاف الثقافات وفرق التقاليد بين البلدان. 

لكن بعض الفروقات تفوق التصور وتطوح بالعقل بعيداً لأنها خارج كل الحدود. فكما يقولون إن رئيس الدولة مثلاً يعكس غالباً الصورة التي عليها بلده، وهنا يعذرني القاريء الكريم لإستعادة لحظات من (الأتيكيت) مع من حكموا العراق، وكيف تمتع هؤلاء الذين يمثلون وجه البلد بأتيكيت (راقي) ليس له مثيل، وذلك يتوضح مثلاً حين يمسك رئيس البلد بندقية ويطلق الرصاص في الأعلى بيد واحدة، وسط رعب الناس وانتظارهم حرباً قادمة؟ ورئيس آخر يضع إصبعه في فتحة أنفه في أهم اجتماع يتعلق بمصير البلد، ولم يكتفِ بذلك، بل ظلَّ يفتل إصبعه داخل أنفه ولم يخرجه إلا بعد تأكده من سقوط مدن عديدة بيد داعش، وهناك رئيساً آخر ابتكر نوعاً جديداً من الأتيكيت، فهو يمتنع عن مدِّ يده لمصافحة امرأة، بينما لا يتردد عن سرقة نصف البلد بذات اليد! ولا يقل عن هـولاء بإستجابته لقواعد الأتيكيت العالية، ذلك الرئيس الذي لا تحلو له القيلولة والنوم سوى وقت اجتماعات تقرير مستقبل البلد. وهكذا هو حال من حكموا البلد وما زالوا يحكمونه! فياله من نعيم من اللياقة ويالها من طرق ناصعة في التعامل الصحيح والمثالي قادت البلد وستقوده بكل أتيكيت… الى بر الأمان.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك