كتابات

العقل القائم على الرواية الدينية

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 

 د. علي عبد الرحيم صالح

تمارس الروايات الدينية في الديانات الإبراهيمية الثلاث أثراً سحرياً وخطيراً على العقل العربي، إذ يعتمد المتديّنون الإبراهيميون على الروايات الدينية بوصفها نصوصاً مقدسة، وغير قابلة للخطأ، وتحمل من المعاني والتشريع الشيء الكثير،

لذلك نجد أن الكثير من المتديّنين لا يقدمون على أي فعل من دون اللجوء إلى سند ديني تاريخي يحدد لهم الطريق والمسار السلوكي المناسب، ورغم أن هناك مجموعة من الروايات الدينية قد تحمل معاني ومبادئ أخلاقية سامية، إلا أن الروايات الأخرى غير صالحة للتعايش الآن، لكونها شرعت في الماضي، مما يجعلها متهرئة وغير قابلة للتعميم إلى متغيرات وأحداث الزمن الحاضر، فضلاً عن ذلك تتناول بعض الروايات أحكاماً دينية بعيدة جداً عن المنطق، كما يحمل بعضها أحكاماً عدائية أو تشريعات قائمة على البغض والعدائية تجاه الإثنيات والديانات الأخرى من دون أن يكون لها سند ومبرر واقعي. لهذا السبب تعد الكثير من الروايات الدينية خطرة على الجماعات التي تؤمن بها، فهي لا تتمتع بالتعايش السلمي، وتضع قواعد سلوكية صلبة تحرّم على المتدين والآخر تجاوزها، أو أنكارها، أو تغييرها.

من هو العقل القائم على الرواية الدينية؟

يتسم العقل المتديّن بالتزامه الديني الذي يتم في ضوء الإيمان بالعقائد والعبادات والأحكام الدينية، وهذه جميعاً تؤكد على اعتقاد المتدين بالغيبيات وكيفية أداء الشعائر الدينية وتطبيق الأحكام وفق المواقف والمشكلات الحالية، وبما أن هذا الإيمان يظهر في ضوء مجوعة من النصوص الدينية الإلهية والروايات والأحاديث الوضعية فأنها تشكل بنى ومخططات معرفية تؤسس فيما بعد نمطاً معرفياً ثابتاً يعمل على تفسير السياقات الدينية بطريقة معينة، ويثير مشاعر الناس، ويوجههم نحو القيام بمجموعة من السلوكيات الخاصة. ويمكن القول إن مشكلة العقل المتديّن ليست في طريقة تشكيله، وإنما المحتوى الذي يظهر من خلاله، إذ أن بعض العقول الدينية يتم بناؤها وفق نصوص وروايات أصيلة، مما يجعلها مشرقة وبناءة وإنسانية إلى حد بعيد، في حين نجد أن عقولاً أخرى يتم بناؤها وفق روايات دينية نرجسية وعدائية وغير عقلانية، مما يجعلها عقولاً سطحية، ومتحيزة، تعيش على أفكار دينية أحادية، ولا تحترم النوع الإنساني.

العقل القائم على النص مقابل الرواية

إن من خلال ملاحظة الأشخاص الذين يتسمون بتمركزهم على المجال الديني في فهم الذات وتفسير العالم الخارجي، نجد أن هناك اختلافات في ميلهم إلى تبني النصوص والشرائع السماوية مقابل الروايات والأحاديث الدينية (إن هذا التقسيم غير قطعي)، فعلى سبيل المثال نرى بعض المتديّنين يلجؤون إلى أحكام النصوص الدينية في تفسير وتقييم السياقات البيئية، في حين يميل البعض الآخر إلى تبني الأحاديث والروايات الوضعية أكثر من النصوص المقدسة، وقد يرجع ذلك إلى أن النصوص تكون صعبة التفسير والفهم، وتحتاج إلى خبرة دينية عميقة قد لا تتوفر لدى المتديّن العادي، في حين نجد أن الروايات تقوم على الأسلوب القصصي البسيط، مما يجعلها سلسة، وسهلة الفهم، وسريعة الحفظ والانتشار بين المتدينين، مما يجعل أحكامها تأخذ طابع التطبيق أكثر من النصوص المقدسة، لهذا السبب تعرضت أكثر الروايات الدينية إلى التحريف والتدسيس، واستعمالها كوسيلة لدعم حكم الجماعة مقابل الجماعات الأخرى.

مظاهر العقل الروائي العدائي

يعبر العقل المتدين القائم على الرواية عن نفسه في ضوء أربعة مظاهر أساسية، تتمثل بـ (أ) التقبل الأعمى للنص، فكما أشارنا أن هذا العقل غير قادر على النقد، لكونه يتشكل بواسطة قوالب فكرية جاهزة تجعله يلتزم بمضمون الرواية من دون التأكد من سندها وعقلانيتها، (ب). الالتزام الحرفي للنص، فالفرد يقوم بكافة السلوكيات التي يؤكد عليها النص حتى عندما لا ينسجم مع إنسانية الدين ورحمته، (ج). التعميم عبر الزمان والمكان، إذ يقوم العقل المتديّن بتطبيق نص ديني تم تشريعه منذ آلاف السنين في زمان ومكان لا ينتميان إليه. (د). التغليف الديني، وهو محاولة تفسير جميع المواقف الحياتية والمادية والعلمية بطابع ديني، وتحكيمها وتقويمها وفق النصوص الدينية، مما يجعلها تأخذ معنى على غير ما هي عليه!!.

الدين والسياسة وصناعة الرواية

إذن لا يمكن أن ننكر أن العقل العربي قائم بدرجة كبيرة وأصيلة على الرواية الدينية، إذ أن الدين في جميع الأزمنة كان العامل الأساس في بناء شخصية المواطن (التحريمية) وإنشاء الدولة، وتغيير وتجديد الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، وتحديد الإطار العام للعيش. ويُعد هذا المسار في تحديد نوعية الحياة صحيحاً إذا كان الدين يقوم على مبادئ الحب والتسامح والإحسان وصناعة الإنسان، إلا أن الدين الذي نجده في العالم العربي كان قائماً على ضربة السيف، وعبادة القوة، والخوف من سلاطين الخلافة، مما جعل الدين الإلهي القائم على الإنسانية يمتزج بمطامع وغرائز السلطة الدنيوية، مما حوله إلى دين تحريمي قائم على الحذر والخوف والطاعة. إن من خلال هذا النهج ظهرت الكثير من الروايات الدينية، بعضها قائم على طاعة السلطان، والبعض الآخر قائم على تخدير العقل وتسفيهه من خلال الخرافة، في حين ظهرت روايات أخرى قائمة على الأسطورة من أجل الدفاع عن المذهب والمحافظة عليه، ولم تستطع الروايات الدينية الأخلاقية الصمود أمام هذا الكم الهائل من الروايات، لهذا السبب نجد أن العقل المتدين في الزمن الحاضر قائم على روايات هشة، يحفظها ويسترجعها بصورة صماء، ويطبقها بطريقة قسرية من دون نقد معانيها ودلالاتها العدائية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك