كتابات

العمود الثامن: كورونا البرلمان

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 

 علي حسين

يكتب ألبير كامو في روايته الطاعون: حين يعم الوباء تزحف المقابر إلى قلب المدينة.. في قراءاتي المبكرة لم أحب رواية كامو هذه فقد كنت أشعر أنها تثير الغثيان.. ومع مرور الزمن اكتشفت معنى أن يحذرنا الكاتب من جرثومة الوباء،

فنحن إزاء طبيب ظل حتى اللحظة الأخيرة، ورغم كل الشواهد، يعتقد أن الوباء بعيد عن مدينته، ونراه يتساءل دومًا، هل يعقل أن يغزو الطاعون المدينة؟ لكنه في النهاية حين يرى الناس تتساقط في الشوارع، يدرك أن الوباء قد حل.

أتذكر أنني أعدت قراءة الطاعون فيما بعد أكثر من مرة كانت آخرها قبل أيام ونحن نعيش في ظل هيجان فايروس كورونا، لأجد نفسي إزاء حكاية أخرى للوباء الذي يفتك بنا جميعًا، وأعني به وباء الانتهازية والمصلحة الشخصية.. حين ينتشر الطاعون في مدينة كامو نجد الساسة والمواطنين يصبحون أسرى داخل المدينة، فيما يبدل الوباء معالم العلاقات بينهم، فنحن هنا لسنا إزاء مرض قاتل فقط، وإنما بمواجهة التغيير الذي يحصل في علاقات الناس، فالمسؤول يبيع للناس طمأنينة زائفة مقابل أن يحصل على مزيد من الثروات مستغلًا خوفهم وقلقهم، ورجل دين يدعوهم إلى طريق الهداية، فالطاعون غضب من الخالق على عباده المنحلين، فيما البسطاء يدفعهم الخوف إلى التخلي عن مصالحهم الشخصية لمساعدة الآخرين.

يعلمنا كامو أن الأمم لا يصيبها الوباء إلا عندما يستبيح الظلم الناس.. في موسوعته الكبيرة “صعود وسقوط الإمبراطورية الرومانية” يخبرنا المؤرخ إدورد غيبون بأن الإمبراطوريات تسقط عندما يبيح الحاكم لنفسه عمل كل شيء باسم القانون، وأيضا عندما يبيح الحاكم لنفسه استعباد الناس وقهرهم تحت شعارات الوطنية والقومية.. تسقط الدول حين يفتح الحاكم أبواب التنكيل والتهميش والإقصاء والقتل، ويغلق نوافذ التسامح والمحبة والعفو، وتعمر البلدان حين يؤمن حكامها بأن الحرية حق، والأمان حق، وحب الحياة حق، حين يؤمن المسؤول بأنه خادم للناس، عادلًا معهم أكثر من عدله مع ذاته، وأن يعتبر الحكم أمانة والدولة حراسة، والمال حاجة لجميع الأفراد، وأن يقود الناس إلى حسن الحال وحسن المستقبل وحسن المعاملة.

في مدن الطاعون نعيش مع ساسة يحولون الحق إلى ضلالة والحياة إلى جحيم يكتوي بناره معظم العراقيين، كم مثير للاشمئزاز أن الساسة الذين كانوا يطالبون بالعدالة نراهم اليوم يمارسون الانتهازية والسرقة. في مدن الطاعون تغيب العدالة وتصبح الديمقراطية مجرد واجهة لسرقة أحلام الناس ومستقبلهم، لتتحول إلى شعارات وخطب يلقيها علينا صباح كل يوم مجموعة من الانتهازيين واللصوص والمزورين، ديمقراطية شعارها التفاهة والسفاهة والبلادة والشراهة، ومضمونها إقصاء الكفاءات والخبرات واحتضان أصحاب الصوت العالي والصاخب.

تعلمنا الحياة أن هناك وسيلة واحدة للخلاص فقط، هي محاربة الوباء”. ، وأعتقد هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ العراق من كورونا البرلمان.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك