اخبار العراق الان

للمناقشة: التشيع الإيراني والتشيع العراقي

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

كيف تدمر الأيديولوجية الثورية الإرث الاجتماعي العراقي في مسيرة الأربعين؟

 محسن حسام مظاهري*

قبل عامين ، عندما تمكنت من حضور مراسيم الأربعين التي يقيمها الشعب العراقي، أدهشني الاختلاف الكبير بين الشيعة العراقيين والشيعة الإيرانيين. أعطتني المسيرة الطويلة فرصة للتفكير أكثر في تأثير نظرية ولاية الفقيه على دور وبنية الدولة القومية الشيعية في إيران وتمايزها الواضح عن التشيع الأصيل والقبلي والطبيعي والاجتماعي في العراق.

المذهب الشيعي في إيران هو أيديولوجية سياسية، وفي العراق هو جزء من الحياة البكر والسلوك التلقائي للشيعة، وهذا التمييز الأساسي كافٍ لجعلنا نتناول بعناية أكبر دراسة وتحليل عملية الدمج الصريح الجارية بينهما، بين هذين النوعين من التشيع. في الواقع، ومقارنة بالعراق الذي يفتقر تاريخياً إلى حكومة تنموية قوية، ولا تحكمه حكومة شيعية كاملة، وحيث تكون مشاركة الشيعة العراقيين في المسيرة اجتماعية وعفوية وشعبية تماماً، تمثل مشاركة الايرانيين الهائلة حضوراً أيديولوجياً هائلاً بالكامل، يهدد بعمق المنطق العفوي لتقاليد مسيرة الأربعين العراقية.

المسألة الأكثر وضوحاً هي أهمية “الأشياء الصغيرة” في التشيع العراقي، وهو الشيء الذي يتجلى في هوية كل موكب عبر وضع أصحابه صوراً عائلية شخصية لشهدائهم وصوراً متنوعة للمرجعيات الدينية الموجودة في العراق مع تعليق جُمُلٍ واقتباسات (للعلماء) ذات معنى خاص وهادفة منتقاة بنحو خاص من قبل القائمين على تلك المواكب، في مقابل النزوع العام والممنهج بين الإيرانيين الذين يستخدمون ألبسة وخياماً سود موحدة مع أعلام وعصّابات وكوفيات ذات شكل واحد ويحمل جميعهم صوراً للإمام الخميني ومرشد الثورة في إيران. علاقة العراقي بمذهبه توقظ فيّ ذكريات الطفولة! والتي كانت لا تزال تحمل صوراً فريدة ومميزة نجدها على أبواب وجدران المنازل والمدن تختلف تماما عن النماذج الموحدة (حتى في تزيين شواهد قبور الشهداء) التي أوجدها مراجع الدين والمشايخ والمثقفون الثوريون والتي راجت تدريجيًا منذ التسعينيات. و في حين يرحب العراقيون بالإيرانيين بأكثر جوانب وجودهم خصوصية حين يستضيفونهم في منازلهم وبين أطفالهم وجيرانهم ويعدون لهم أفضل طعام يأكلونه، يقدم الإيرانيون أنفسهم، فقط، كمواطنين مجهولين من دولة إيران الشيعية لا يحملون معهم أي علامة على فردانيتهم. إن هيمنة المقاربة الأيديولوجية والقومية على التشيع الإيراني تقودنا إلى حقيقة أن مناسبة الأربعين العراقية تحمل تنوعاً وتسامح حتى مع أهل السنة في حين أن مناسبة الأربعين عند الإيرانيين تشكل مظهراً من مظاهر الدمج والتوحد الاجتماعي وإنكارا للتعددية والتسامح داخل حتى الشيعة أنفسهم.

إن مواجهتنا مع شيعة العراق ليست مواجهة شعب مع آخر ، بل مواجهة غير متكافئة بين دولة من جهة وإرث اجتماعي من جهة أخرى. إن البعد القومي للتشيّع يصبح واضحاً عندنا نحن الإيرانيين عندما نفكر للحظة بما هو أبعد من المشاعر الحماسية، حين نتصور سير الأمور على عكس ما هي عليه الان، فَلَو أن الشيعة العراقيين يغزون لبرهة حدود إيران كل عام من أجل زيارة الإمام الرضا، وكان علينا، مع كل ما نعاني منه من فقر وفاقة، أن نستضيفهم على طول الطريق في بيوتنا ، كيف سيكون أثر ذلك علينا؟ الجواب واضح سلفاً. ان علاقتنا كإيرانيين (من أي طائفة أو مجموعة أو منطقة كنا) مع غير الإيرانيين ليست من حيث كوننا بشراً ، أو حتى من حيث الاشتراك في الدين أو العرق أو اللغة ، ولكن من حيث “مصالحنا القومية”. إن مقارنة معاملتنا مع شيعة أفغانستان بمعاملة العراقيين معنا مثال بليغ على هذا الاختلاف الأساسي بيننا. إن التشيع في إيران ذو بنية حكومية، وأكبر وأهم الماتم في إيران اليوم لا ينظمها الناس في الأحياء والمنازل بل تنظمها الدولة ورجال الدين وقراء المراثي المقربون من السلطة. إن مواكب الأربعين الإيرانية هي مواكب حكومية في الغالب، وهي أشبه بقصور الملوك السعداء المزهوين الذين يتنافسون لإظهار مجدهم أمام المواكب المتواضعة والحزينة للفقراء والمحرومين في العراق.

وبكلمة واحدة، يمكننا، في الوضع الحالي، القول: إن التشيع الحكومي / القومي الإيراني، ومن خلال حضوره الثقافي الجماهيري ذو الطابع الكرنفالي والإيديولوجي والقومي والمصنّع وفق مفاهيم الثاني والعشرين (22) من بهمن (يوم انتصار الثورة الإسلامية في ايران) أخذ يحل محل الإرث الاجتماعي العريق، العميق الجذور، والأخلاقي، والعاطفي، والأصيل، (والسياسي في العمق) لمعنى مناسبة الأربعين عند الشيعة العراقيين.

 كاتب وباحث اجتماعي إيراني

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك