اخبار العراق الان

الانفتاح على الاّخر والحداثة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

يعتقد بعض الدارسين لتاريخ تجارب ريادات الحداثة في البلدان العربية ،ان تجربة – مصر- في الريادة ، كانت قد سبقت اليابان في هذا المضمار ، وكانتا كلاهما متشابهتين في الظروف التي احاطت بهما ، وفي الرغبة في الانفتاح على الغرب ،وهناك بعض المحطات والمؤشرات تؤكد بان حداثة مصر ، قطعت اشواطاَ متقدمة وكبيرة الانجاز العملي ، ففي عام 1926 زارها وفد ياباني للتعرف على تجربة مصر في مد خطوط ( السكك الحديدية) ، وقبلها في عام 1911 انتهز رجل الاقتصاد والمال (( محمد طلعت حرب )) اجتماع اعيان البلاد وعرض على لجنة المؤتمر فكرة انشاء بنك مصري برؤوس اموال مصرية بحتة ،–وفي ابرل 1920 نشرت الوقائع المصرية ، الجريدة الرسمية للدولة مرسوم تاْسيس شركة مساهمة مصرية تسمى (( بنك مصر)) ، الذي لعب دورا كبيرا في الاقتصاد المصري انذاك ،حيث ساهم في تاْسيس مجموعة من الشركات المستقلة التي تدور في فلكه ، والتي لعبت دورا في الاقتصاد الوطني ،وكانت نتيجة من نتائجه، لم تتمكن سلطات الاحتلال البريطانني منع قيام هذا البنك او وضع العراقيل امامه ، لكونه انشاْ في غمرة غليان وتداعيات ثورة عام 1919 ،واشترط عقد البنك ، راسمال مصري ، ادارة وكوادر مصرية ، ولغة تعامل عربية ، وتحويل تنموي للاقتصاد من الاستثمار الزراعي الى الاستثمار الصناعي ،—

كانت وما زالت ريادة ((محمد علي باشا)) التحديثية موضع دراسة وتمحيص كبيرين لما كانت تنطوي علية من تداخل ومقاربة مع ما يسمى بمشروع النهضة العربية ، وان كان مشروع محمد على لم يكن مؤطرا بمقدمات تنظيرية سابقة له ، مع ان هناك من الدارسين من يعتقد ان مصر كانت ما قبل حملة ((نابليون)) ،وبضمنها فترة محمد على باشا – شهدت بذور نهوض راسمالي .

انقسم المثقفون العرب في مصر في عام 1998 الى معسكرين ؛ المعسكر الذي يؤمن بضرورة الاحتفال بالمئوية الثانية للحملة الفرنسية ،باعتبارها منبها وبداية (( لنهضة عربية)) ، ولعل افضل من عبر عن مرجعية هذا التاْويل ،ما كتبه المفكر ( لويس عوض) عن وعي (الجبرتي) (( لرقي الحضارة الجديدة )) ،التي اكتشفها من خلال الحملة ،وعن اندراج هذا الوعي في (طليعة مصرية مثقفة )،والمعسكر الثاني ضد الاحتفال باعتبار ان الحملة هي حملة استعمارية هدفت الى احتلال مصر لا الى انهاضها .

ومهما كانت الافتراضات حول اهداف الحملة ولكنها في نهاية المطاف نبهت الى افكار التنوير التي كانت تخيم على اوربا انذاك ونقلت بعض مفاهيمها ، ولكن الملاحظ ان النهضة في البلدان العربية تزامنت مع افكار التنوير عكس تتابعها في حالة اوربا ، وكان المشهد يعكس صراعا بين مركزية اوربية واخرى مركزية اسلامية ، فكان السؤال الاهم ، او الموضوعة في الساحة الاسلامية ، هو مقدار الانفتاح على الغرب -المادي -المتقدم وصولا الى المناهج والايديولوجيات .

عند الحيث عن سيرة (( محمد علي باشا )) لا يمكن القول عنه انه كان على رؤية واعية تماما للحداثة الناهضة في اوربا ،فاهم ما كان يتطلع اليه هو الحصول على مدفع يتفوق على مدفع الدولة العثمانية ، في زمن كان المدفع هو من يحسم المعارك والحروب ، ليس للسيطرة على زمام حكم مصر ، انما لاسقاط السلطنة العثمانية ، فوجد اخيرا ان خير وسيلة له لبلوغ ذلك هو الانفتاح على الغرب ونقل علومه ومبتكراته وحتى مناهجه ، وهكذا اندفع بمشروع بسيط ليتطور بعد حين ، ليتحول الى بناء دولة اوشكت ان تقارن بما في الغرب من منجزات .

بعد حين لم يعد الحلم يقتصر على صناعة مدفع يتفوق على المدفع العثماني ، انما وجد نفسه امام مشروع دولة مصرية كبيرة وجديدة وطموح ، اهتمت بجلب علماء من الغرب (( منهم الفرنسيون ذوي النزعة السان سيمونية )) وارسال البعثات الى اوربا للتخصص في مهن متعددة ،ونقل الخبرة الى مصر ، اْذ شيدت المصانع ، وتوسعت الزراعة والترع ، واقيمت الجسور ، وبنيت الطرق ، وفتحت المدارس بانواعها العامة والمهنية ، واهم المخرجات الاجتماعية هو ميلاد نواة طبقة برجوازية وطنية ، اقترنت معها طبقة عاملة ( شغيلة ) ، وعلى المستوى الثقافي ظهرت الصحف ،وتوسعت دور النشر والطباعة .

لم يكن حماس الريادة ليتوقف بعد – محمد علي -، استمر في سلالته ،فقد فتحت قناة السويس ، والتي كانت حدثا عالميا كبيرا للنقل التجاري البحري ، ولم تغمض عيون الغرب عنها لحظة واحدة ، وعندما دخل المسرح والاوبرا الى _مصر_، كانت القاهرة مدينة بكل معنى الكلمة.

الباحثون يعزون الاخفاق في التجربة المصرية ونكوصها من اللحاق او محايثة التجربة في اليابان الى سببين ، او عاملين ،الاْول خارجي ، او الاحتلال البريطاني ، كون مصر شرق اوسطية قريبة من اوربا ، اما اليابان فهي جزر بعيدة الى حد ما ، كما ان هناك الاطماع الاوربية الكبيرة في مشروع ( قناة السويس ) ، وتكللت جهود استدراج الخديوي (اسماعيل) ومن اعقبه ،على الاستدانة ،ورهن اسهم قناة السويس، وتراكم الديون وفوائدها ، واخيرا عجز مصر عن سداد الديون ، وبعد انذار قصير ، باغتت به بريطانيا باحتلالها عام 1882.

بعد الاحتلال تشكلت ثلاث سلطات نافذة في النسيج الاجتماعي والسياسي المصري ، سلطة الاحتلال ، وسلطة البلاط الملكي ، وسلطة البرجوازية الوطنية ، لها قوتها ونشاطها الذي لم ينقطع على الاطلاق ، واللذي ارتبط بشريحة عسكرية وطنية ( حركة عرابي باشا ) .

البرجوازية الوطنية المصرية لم تنهزم امام الاحتلال البريطاني ، بل استمرت مدفوعة بقوة التحدي والاستقلال ،وظلت مساهمتها فاعلة في الساحة الاقتصادية المصرية ، ولكن جاء العامل الداخلي مضادا للحداثة والنهضة .

كانت اشكاليات النهضة بعمومها ، قد اشتبكت مع مسار الريادة المصرية ، وبدت كناظم فكري حديث كل وقائع الاحداث منذ انطلاق الريادة مع -رفاعة رافع الطهطاوي – تواصلا مع جمال الدين الافغاني ، ومحمد عبدة ، وعبد الرحمان الكواكبي ، ورشيد رضا الى حد ما ، والناظمة الثانية او الموجة الثانية التي اطلق عليها (الصحوة ) متمثلة في -حسن البنا – والى -سيد قطب – ثم – الهضيبي ،فاذا كانت اشكالية الموجة الاولى تتسع بحكم طبيعتها الى التماس اسباب النهضة من كل ما في امكانيته ان يمد المشروع الاصلاحي النهضوي بامكانيات التحقيق ، بما في ذلك افكار وتجارب الاخرين ( الغرب حصرا ) ، من غير المسلمين ، فان اشكالية الموجة الثانية فتتعلق على مصادرها الداخلية والذاتية ، فلا ترى في صحوة المسلمين الاعودة لهم الى اليقضة التي كانت مرادفة لنهوضهم في الماضي ، لذلك لا تجد حاجة في منبه خارجي لايقاظ الوعي وصحوه من سباته .

نستخلص من الاشتغال بالاشكاليتين ، نتائج مختلفة ومثيرة في تباينها ، فالخطاب النهضوي الاسلامي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين عند الافغاني وعبدة ، نجح في ان يحقق انفتاحا طيبا ومتوازيا على ثمرات العصر ، ولم يتردد من الانتهال من المنظومات الفكرية الحديثة ، والاصغاء اليها ، بعيدا عن هواجس المواجهة والقتال .

اما في راي – حسن البنا – فان التفاعل بين الحضارات لم يعد واردا ، كما لم يعد واردا السعي الى التكاتف بين الاديان ، بل صار من واجب المسلمين ان يعملوا على اشاعة حضارة عالمية جديدة ، تستلهم الدولة الاسلامية الاولى .اما مع – سيد قطب – في توجهه الاسلامي الذي برز في نهاية الاربعينات ومطلع الخمسينات ،والذي كان بمثابة ردة فعل على الفترة التي قضاها في الغرب ، فهو يرى ان المجتمع المصري ، لم يعد يعاني من نقص في اسلامه ، بل صار مجتمعا (( جاهليا )) ينبغي على الجماعة المؤمنة ، ان تنفصل عنه باعتبارها تمثل وحدها الايمان في مجتمع بات يمثل الكفر . انتج ((سيد قطب)) فكرا اسلاميا ،متميزاَ ، بات يشكل احدى ابرز ركائز((التيار الجذري الانقلابي )) ،الاستنتاج الاخير المستخلص ، كما يراه الكثير من الباحثين ان الاسلام السياسي متمثلا بجماعة (( الاخوان المسلمين )) لم يكن امتدادا لتيار الاصلاح الديني ، والذي كان احد تيارات النهضة العربية في مصر في القرن التاسع عشر ، وزامن خطوات ريادة -محمد علي باشا- وتناغم معها ، بخصوص مبادئ الانفتاح على الاخر والاعتراف .

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك