كتابات

نواة الانتفاضة الصلبة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ساطع راجي

تحسن الشعوب لنفسها ولحكمها مهما كانوا سيئين عندما تعلن غضبها، اعلان الغضب حالة صحية ودليل حياة ودعوة للتصحيح والاصلاح، بينما يؤدي الصبر الغبي والانتظار العاجز وموازنات الصمت العام تحت تأثير الولاءات الى انهيار المجتمع وليس النظام وحده.

وبما اننا حددنا الغضب كمنطلق لحراك تشرين الشعبي فليس مطلوبا من المواطنين الغاضبين ان يقدموا طريقا او منهاجا بديلا للاداء السياسي، المواطن العادي ليس سياسيا وافضل شيء يفعله هو ان لا يتحول الى سياسي وبالتالي الى خصم او منافس للحاكم، وهذا طبعا لا يلغي حق من يريد ممارسة العمل السياسي او تشكيل حزب لكن الاهم ان لا يخضع المحتج لمطلب الحاكم بالتحول من محتج على الحكم الى منافس على الحكم حتى لا يفقد الحراك الشعبي نواته الصلبة.

اي حراك شعبي يتعرض للاستغلال والتشويه وقد يركبه بعض الحكام او بعض مفاصل الحكم، وقد يتحول اي حراك الى فرصة يستغلها الساسة المتخاصمون لتصفية حساباتهم او سلم يصعد عليه الانتهازيون او مسرح يستعرض فوقه المهرجون مهاراتهم، او الى زحمة يندس فيها النشالون والسراق والمتحرشون، يمكن ان يتحول الحراك، وقد يضيع او يفقد اهدافه مؤقتا او دائما ويتورط بأهداف اخرى غير حقيقية، لكن النواة الصلبة للاحتجاج او الانتفاضة الشعبية في العراق تبقى كما هي، انها الشعور بانعدام العدالة الاجتماعية الناجمة عن سوء الادارة والظلم الى درجة تدفع المواطنين لعدم المبالاة بالحياة والموت احيانا.

لم ينكر زعيم او سياسي حاكم واحد سوء الاوضاع العامة في العراق واستشراء الفساد والظلم لكن ايا من هؤلاء لم يقدم برنامجا واضحا للاصلاح بل اما هربوا نحو تلطيخ سمعة الانتفاضة او ادعاء المساندة وتقديم الحلول الغبية الجزئية.

لقد احسن المحتجون حتى لمن يظلمهم وهم يعبرون عن غضبهم ليعرف حجم الكارثة التي تنتظر البلاد، وليعرف ان ما يجمعه من مال ونفوذ يؤدي قريبا الى انهيار لن ينفع معه شيء.

الانسان المحتج ليس ملاكا وليس فائق الذكاء بالضرورة وهو غير ملزم بفرز كل انتهازي او متملق انما هو مواطن له حقوق وتعترف السلطة انها قصرت في منحه هذه الحقوق بل والتهمتها، كل ما فعله المحتج انه صرخ بعدما وصلت اسنان السلطة الى حد مضغ قلبه وانهاك جسده.

لقد انشغلت اطراف السلطة بالتسويات وهي تعتقد ان الوصول الى توزيع متوازن ومرضي للغنائم فيما بينها سيسمح للنظام بالاستمرار بينما تجاهلت ان أساس الاستقرار هو التوزيع العادل للثروة بين افراد المجتمع.

سائق التكتك والعاطل والفقير لا يريد بالتأكيد ان يتحول الى شهيد بطل بل الى انسان يعيش بكرامة لا يخضع للاستغلال بذريعة الطائفة او القومية او المنطقة ليثري الزعماء على حسابه وتثري معهم فئات قليلة ليتحول المواطن العادي الى ما يشبه الزوج المخدوع، ويكون الشعب مصدر سلطة اللصوص الذين يسرقونه.

قد تتراجع اي انتفاضة شعبية او يتم تخدير المنتفضين او حرف حراكهم او استغلالهم وقد لا تسمح الظروف بالمواصلة لكن هذا لا يعني ان الانتفاضة لن تتجد وبالتأكيد بعنف اكبر مادامت النواة الصلبة لها موجودة وتكبر، هذه النواة هي الذين يريدون فرص عمل وسكنا لائقا وتعليما ومستشفيات وحياة آدمية كريمة وحصة من الثروة العامة، هذه النواة لن تتفتت بالتسويات السياسية وتعديل عملية التحاصص بين الحكام، بل على العكس ستزداد حركتها قوة وعنفا كلما طال زمن تجاهلها.

تعترف قوى السلطة انها مقصرة وفاسدة وفاشلة وتعلن عدم امتلاكها اي حلول ومع ذلك لا تخجل من اعلان رغبتها بالبقاء في الحكم ولو بالتزوير والخداع والقتل، وهي قد تبقى لبعض الوقت في مكانها لكن المؤكد ان نظاما بهذا المستوى من سوء الاداء لن يبقى على قيد الحياة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك