كتابات

الضمان الصحي .. حق وليس منّة !

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 حسين رشيد

منذ انتشاء الحلم بسقوط النظام البعثي والمواطن العراقي يعيش في أحلام المواطنة والمساواة مع بقية شعوب العالم في تشريع القوانين الضامنة للحياة الكريمة والعيش الرغيد، لكن تلك الأحلام ضيعتها عنتريات الطوائف، ولصوصية أحزاب التدين السياسي، وبرلمانتهم المتحاصصة الغافية في حديقة الامتيازات الفخمة، وما يناله النائب وعائلته من حقوق خاصة، على حساب العامة من الناس.

منذ أيام ونواب لجنة الصحة والبيئة يدلون بتصريحات عن قرب إقرار قانون الضمان الصحي الذي يعد الأول في تاريخ البلاد حسب عضو اللجنة النائب غايب العميري والذي عده منجزاً كبيراً للدولة مؤكداً أن الأيام المقبلة ستشهد ولادة القانون الذي يقدم خدمات صحية عالية جداً. دون أن يُبين أي من تلك الخدمات العالية جداً حسب قوله. فيما قال النائب حسن خلاطي إن القسط المستقطع شهرياً للضمان الصحي هو(1) بالمائة من الراتب الكلي لعموم الموظفين ومن يقابلهم في القطاع الخاص وبعد دخول القانون حيز التنفيذ، يمكن لأي مواطن مراجعة العيادات الخاصة أو المختبرات الخاصة أو الجناح الخاص في المستشفى الحكومي، ولا يدفع إلا جزءاً لا يتجاوز (10) بالمائة من الكلفة الكلية للعلاج، وما تبقى منها يدفع من قبل صندوق الضمان الصحي الذي يتم انشاؤه بعد إقرار القانون. وحسب خلاطي أيضاً إن الاشتراك في الضمان الصحي ببدل نقدي يتم دفعه مرة واحدة فقط يتراوح بين (100) إلى (10) آلاف دينار أي حسب القدرة المالية لكل شخص. 

من المفترض أن الضمان الصحي يعزز العدالة الاجتماعية ويوفر الخدمات الصحية الملائمة دون تميز بين مواطن وآخر، وفي نفس الوقت يُسهم في تطوير المؤسسات الصحية الحكومية، السلطة التشريعية أعلنت عن القراءة الثانية للقانون والتصويت على أغلب فقراته واعتبرت ذلك منجزاً فريداً لها، والذي يبدو أنها واللجنة المختصة لم يكلفا نفسيهما بعض الجهد والاطلاع على قوانين الضمان الصحي في بعض البلدان والتجارب المتميزة بهذا الشأن أو حتى ذات المستوى المتوسط، وربما لم تتم مناقشة أو إطلاع أصحاب الشأن على القانون من الأطباء المختصين وشركات التأمين الوطنية والأهلية التي لها تجربة وباع في موضوع التأمين الصحي لأجل أن يكون مشروع الضمان الصحي مدروساً بشكل واسع ولكي يلامس الواقع الصحي في البلاد الذي يبدو أنها على حافة الهاوية حكوميا لكنها أهلياً في صعود مستمر بالأرباح التي سببت زيادة عدد المستشفيات والمراكز الصحية الخاصة والأهلية.

استقطاع 1% من الراتب الكلي للموظف دون تحديد مقدار الراتب فهل يعقل أن يتساوى أي موظف خدمات راتبه لايتجاوز (500) ألف دينار مع مدير عام أو وكيل وزارة أو وزير أو أي مسؤول آخر من الدرجات الخاصة والذين يصل مرتب أي منهم إلى ملايين الدنانير، فمن المفترض أن تكون النسبة هنا تصاعدية بعد الـ(500) الف دينار الأولى من الراتب ومن يقل راتبه عن ذلك يعفى من الاستقطاع، فقوانين الضمان الصحي والاجتماعي وجدت لإنقاذ الناس البسطاء والفقراء وأصحاب الدخل المحدود من حالة العوز والموت البطيء لعدم امتلاكهم ثمن العلاج في القطاع الصحي الخاص وجشع الكثير من الأطباء على حساب تأدية رسالتهم الإنسانية.

ثمة نقطة تثير أكثر من علامة استفهام، قبل أيام أعلن وزير التخطيط في حوار متلفز أن وزارتي المالية والتخطيط لا تملكان إحصائية دقيقة عن عدد الموظفين في الدولة العراقية مبيناً أن عدد الموظفين ليس (مليونين) فربما يتجاوز الأربعة ملايين موظف، وهنا ثمة تساؤل كم موظف فضائي بين العددين والدقة فيهما وأين تذهب الأموال المخصصة لهم ومن يقف خلف ذلك.

لنترك عدد الموظفين لحيرة وزيري المالية والتخطيط اللذان عليهما البحث في هذا الموضوع وتتبّع كل تفاصيله، ونؤكد على إجمالي الرواتب الشهرية التي تتراوح بين مليارين ونصف إلى ثلاثة مليارات دولار في حين أن العراق يبيع الآن مليونين وخمسمائة برميل نفط يومياً بسعر 45 دولاراً وعلى سبيل المثال في شهر آب الماضي صدر العراق أكثر 80 مليون برميل بتراجع بلغت نسبته 28٪ مقارنة بشهر آب 2019 حيث بلغت الكميات المباعة 111,7 مليون برميل وهذا بسبب اتفاق أوبك الأخير الذي ألزم العراق تخفيض مبيعاته، معدل سعر النفط المباع بلغ 43,69 دولار، انخفاض بنسبة 24٪ مقارنة مع شهر آب 2019 حيث كان معدل سعر النفط آنذاك 57,4 دولار. بالنتيجة انخفضت الواردات المالية بنسبة 45% إذ بلغت في آب 2020 / 3,5 مليار دولار في حين كانت6,4 مليار دولار في آب 2019 . وهذا يعني أن الرواتب خاضعة لمبيعات النفط وأن أي انخفاض غير متوقع سيتسبب بتأخير الرواتب، كما يحصل الآن فحتى نهاية شهر أيلول وأغلب موظفي الدولة لم يتسلموا مرتباتهم بسبب عدم توفر السيولة النقدية، وهذا حتما سينعكس على أموال الضمان الصحي التي ترتبط بالرواتب وموعد تسلمها، وهذا يعني أن أحد المرضى إذا كان بحاجة إلى عملية مستعجلة فإن أموال الضمان غير مؤمنة، ويتوجب عليه الانتظار حتى تؤمن الأموال أو الدفع من جيبه الخاص ثم عليه استحصال المبلغ لكن حتما سيقع في مطب الإجراءات الروتينية التي ربما تتسبب له بمرض آخر. 

وبما أن القانون أعاده مجلس الوزراء في جلسة الاخيرة المنعقدة بتاريخ 29/9/2020 لمجلس النواب لأجل قراءته والتصويت عليه فبالإمكان إضافة أموال أخرى للصندوق من خلال استقطاع نسبة من واردات المنافذ الحدودية من التاجر وليس التعرفة الكمركية، ومن دافعي الضرائب أو ممن يتم إعفاؤهم، ومن أموال الجباية في كل وزارات الدولة، ومن شركات الاتصالات والانترنت العاملة في العراق، ومن الشركات الاستثمارية المنفذة مشاريع ربحية وذلك لأجل زيادة الأموال وعدم الاعتماد على مصدر واحد لصندوق الضمان الصحي .. 

والأمر الآخر الذي يستلزم هذه الاستقطاعات إن نسبة الاستقطاع من موظفي الدولة قد لاتكفي لضمان صحي لكل نفوس البلاد التي تصل قرابة (40) مليون نسمة وهذا تحدٍ آخر يجب الانتباه له، كذلك فك الغموض الذي يلف بعض الفقرات المهمة من القانون، وهل يشمل العلميات الكبرى والصغرى، شراء العلاج من الصيدليات، أدوية الأمراض المزمنة، كيفية التعامل مع المستشفيات الأهلية ونسبة ما يُدفع من قبل المواطن فحسب القانون إن الشخص يدفع 10% من تكاليف العلاج، وهذا عكس الغاية التي يراد منها تشريع القانون فالمعمول به في العديد من الدول، عدم دفع أي مبلغ أثناء الإقامة الصحية أو المرض، فالأمر هنا مشابه لعمل شركات التأمين الحكومية والأهلية، وليس قانون ضمان صحي يراد منها توفير خدمات صحية لعامة الناس وإقرار حق من حقوقهم الدستورية .

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك