اخبار العراق الان

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل..ضرورة الدولة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د. حسين الهنداوي

(6 – 14)

يقول ابن خلدون: «حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني، الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات، وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من المُلك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعة الأحوال».

في هذه الفقرة، التي تفتتح الكتاب الأول من «المقدمة»، جملة الأفكار التي تبيّن المفهوم الخلدوني لـ«العمران». وهو مفهوم واسع بلا شك، يتجاوز، في رأينا، حدود مفهوم «الحضارة»، الذي هو لديه «التفنن في الترف وأحكام الصنائع في وجوهه ومذاهبه»، وهو يدل على عملية متقدمة من الروابط، لا تبدأ منذ لحظة الإحساس بالحاجة إلى الدخول في علاقات مع الآخرين من البشر، في حياة مشتركة في إطار جماعة، إنما منذ لحظة أعلى بكثير، هي تلك التي تشهد ظهور الوعي بهذه العلاقات والحاجة إلى تنظيمها. في حين يبدأ مفهوم «العمران»، عنده، منذ لحظة الاجتماع عينها كفعل طبيعي وتلقائي.

من هنا، يأتي، في اعتقادنا، تمييزه الدقيق بين «التوحش» و«التمدن»، أو بين «العمران البدوي» و«العمران الحضري»، الذي يعكس مرحلتين متواليتين، لكنهما مختلفتان تماماً. الأولى اجتماع على أساس رابطة الدم والنسب، والثانية اجتماع على أساس رابطة الانتظام في إطار الدولة.

من جهة أخرى، إن التقدم نحو الحضارة كغاية بذاتها، هو في جوهره تقدم نحو إقامة الدولة. وهذا مفهوم نجده عند ابن خلدون، كما عند هيغل، على حد سواء. فبالنسبة إلى الأول، إن البادية هي أصل العمران، والتمدن غاية البدوي، وهذه الغاية قائمة بذاتها. لكن إذا حصل الاجتماع، وتم العمران، فلابد من وازع، يدفع الشرور الداخلية والخارجية، التي تهدد العمران الحضري. وهذا المفهوم، يتضمن بالضرورة فكرة أن الدولة، هي الإطار الأساس الذي تنتجه الحضارة، لتبدأ في التاريخ. وفي هذه الفكرة، تكمن عقلانية ولادة الدولة وموقعها في الحضارة، في فكر ابن خلدون.

أما عند هيغل، فنلاحظ، أولاً، أن مفهوم «العمران البشري» الخلدوني، بالتحديد السابق، حاضر كلياً فيما يعنيه هيغل بـ«الفعالية الروحية» للإنسان، التي تشمل كل أنشطته المادية والذهنية ونتاجاتها، قبل دخوله في «الحضارة» وبعده، والتي تمثل مرحلتين أيضاً: ما قبل الدولة وما بعدها. بموازاة ذلك، يقطع ظهور الدولة وعلاقتها بالحضارة عند هيغل سيرورة مشابهة، إلى حد كبير، لتلك التي في “المقدمة” .

ففي حديثه عن «ما قبل التاريخ»، يرى هيغل أن الحالة التي تسود المرحلة الأولى، هي «الواقع اللامنتظم للروح»، إذ لا يوجد بعد وعي بالقوانين، وإذ الإنسانية تشبه “حالة القطيع التي يمكن أن نعتبرها وحشية أو غير وحشية، بل ورائعة، لكنها ليست حتى موضوعاً للتاريخ في الواقع” .

إن هيغل يرد، في هذا النص، على فكرة الرومانتيكيين، القائلة بوجود شعب أصلي، رفيع الحضارة والعقل، وأقرب إلى عالم الآلهة، سبق ظهور البشرية، وهو، إستطراداً، مصدر كل المعتقدات والفنون واللغات والمعارف الإنسانية. وإذا لم تكن هذه الفكرة إلا محض خرافة، في رأيه، فذلك لأنها تتناقض كلياً مع الديانات، وخاصة مع العقل الذي لا يمكنه أن يقبل إلا بحركة التقدم في الوعي، لا سيما وأن الدراسات الأنثروبولوجية والاجتماعية، تثبت أن الأسرة أو القبيلة، القائمة على رابطة الدم، هي التشكيلة الاجتماعية الأولى، وليس الشعب أو الأمة. وهي بالتالي تشكيلة بدائية، لا يمكن أن تدخل التاريخ، «لأن الخُلقية الطبيعية، وكذلك الدينية فيها، هي الرأفة العائلية، وأن العنصر الأخلاقي، في مجتمع كهذا، يتمثل تحديداً في أن أعضاءه لا يتصرفون، الواحد حيال الآخر كأفراد وكأشخاص يمتلكون إرادة حرة بذاتها» كما يرى هيغل.

أما المرحلة الثانية، فبدأت منذ أن “ارتفعت الوحدة الروحية إلى درجة أعلى من المشاعر والتعاطف الطبيعيين، وبلغت لحظة الوعي الشخصي، وشهدت ولادة ذلك المركز الغامض والمعقد، الذي هو الـ”أنا” .

ومع ذلك، وجب الانتظار طويلاً قبل أن يتبلور هذا المركزليصبح حقيقته الفعلية. إذ تطلّب الأمر سيرورة من:

“المثابرة الطويلة على التحضّر، أدّت، بعد فترة طويلة جداً، إلى استكمال تلك الإرادة الحرة وقد صارت واعية بذاتها. وعندئذ فقط، يكشف لها الله وكل شيء آخر عما هو عليه، إلا أنه لا يكشف عن حقيقته وكونيته بذاتها ولذاتها إلا للوعي الذي بلغ مستوى «الفكر». لأن الحرية تتمثل فقط في إدراك وإرادة موضوعات كونية وجوهرية، كالحقوق والقانون، وفي خلق الواقع الملائم لها، الذي هو الدولة” .

وهكذا، وكما أن البشرية مرت، عند ابن خلدون، بفترة مهمة من «العمران البدوي» بدون دولة، فإنها، بالنسبة إلى هيغل، عاشت لفترات طويلة بدون نظام الدولة، على الرغم من أنها حققت تطوراً مهماً في عدد من المجالات. بمعنى آخر، إن هذه «الفترات الطويلة»، هي خارج التاريخ الفعلي للإنسان، “لأن تاريخاً حقيقياً أعقبها، أو لأن الشعوب لم تبلغ فيها تشكيل دولة”.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك