اخبار العراق الان

الإرهاب والدين

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 القاضي سالم روضان الموسوي

كلما حصل حادث إرهابي ينسب الفعل إلى الدين الذي يعتنقه ذلك المجرم الإرهابي ومن ثم تتصاعد الاحتجاجات والاعتراضات على نسبة الفعل إلى الدين بدلاً من نسبته إلى الشخص الفاعل، وتستمر المعارك الكلامية حتى يتناسى الجميع أصل المشكلة في استفحال ظاهرة الاعتداء الإرهابي ويبتعدون عن البحث في مغذياته الفكرية، وفي الأيام الماضية حصل حادث، هو من بين سلسلة حوادث تتسم بالطابع الإرهابي ، وهذا الحادث في باريس حيث تم ذبح أحد المدرسين في المدارس الفرنسية ،

ونسب الفعل إلى الإسلام لأن المجرم كان مسلماً، ورئيس الدولة الفرنسي قد وصف الفعل “بالإرهاب الإسلامي” وقبل ذلك قوله بأن “الإسلام يعيش في أزمة” ، وتعالت الاحتجاجات والاعتراضات على هذا التوصيف، وبعض الدوائر الرسمية قد تبنت الرد على ذلك ، لكن وجدت بعض الأفاضل من المفكرين في الوطن العربي قد استهجنوا نسبة الإرهاب إلى الإسلام بينما لا ينسب إرهاب الدول الغربية إلى دينهم، مع إنها بشكل عام تمارس إرهاب دولي وتقتل وتشرد الشعوب وليس الأفراد فقط وعلى وفق تغريدة أحد الأفاضل في تويتر التي جاء فيها الآتي (يدمرون بلاد الإسلام ويشردون شعوب بلاد الإسلام ويسرقون خيرات بلاد الإسلام ومع ذلك لا نصف جرائمهم بالإرهاب المسيحي ولكن إذا ارتكب مسخ إرهابي داعشي تكفيري جريمته البشعة في حق مدرس فرنسي ربط ماكرون ووزيره الجريمة بوحشية الإرهاب الإسلامي!!) وعلى الرغم من إدانة الفعل الذي ارتكبه ذلك المجرم، لكن هذه التغريدة لفتت الانتباه إلى سبب نسبة تلك الأفعال إلى الدين الإسلامي الحنيف إذا ما كان الجاني مسلماً، أرى أن السبب ليس في ربط الفعل بالدين بشكل مجرد عن أسباب تقود إليه ، وإنما لأننا نجد أن أغلب من ارتكب الإرهاب والتفجير والتفخيخ يعلن بأن دوافعه هي حماية الدين الإسلامي ويوفر الغطاء الشرعي لفعله بفتاوى الإرهاب والتفخيخ من بعض ممن زعم أنه رجل دين إسلامي وتبنى أفكاراً لأشخاص تم تأليههم وتقديسهم دون فحص أو تمحيص لصدق أقوالهم ونواياهم عند الإفتاء ، لأنهم وإن كانوا على درجة عالية من المعرفة إلا إنهم من بني البشر الذين تقودهم نواياهم وتسول لهم أنفسهم، والله عز وجل قال في محكم كتابه يصف النفس البشرية بأنها أمارة بالسوء وعلى وفق الآية الكريمة (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّى إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، كما إنهم معرضون إلى الخطأ في الرأي والاجتهاد بمصداق الحديث النبوي الشريف (كل بني آدم خطاء, وخير الخطّائين التوابون) ، وهذا ما يقود غير المسلمين إلى الاعتقاد بان هذا هو فعل الدين الإسلامي ، بينما نجد أن الغرب في كل أفعاله المشينة وغزواته الحربية لم يربط أفعال القتل التي مارسها بأي صلة بدينهم المسيحي، وإنما وفر لها أسباب أخرى منها أسباب اقتصادية وآخرها تتعلق بحقوق الإنسان وغيرها من المبررات للعدوان على الشعوب ، كذلك بالنسبة لأفعال القتل والترهيب والتشريد التي يقوم بها الغرب لم تكن بفعل أفراد وإنما أفعال دول تتبنى خطاب الحرب بوصفها دولة وقرار سيادي تتخذه قياداتها وتنفذه جيوشها وكل أثاره تعود إلى الدولة، بينما نجد إن أفعال هؤلاء الإرهابيين ممن يعتنقون الإسلام يجعلون فعلهم لنصرة الإسلام وإنهم ينفذون ما أقره الإسلام، كذلك نجد أن الدول الغربية ومنها التي تزعمت الإرهاب سواء في أوروبا أو أميركا عملت على فصل الدين عن الدولة، مما وفر الحماية لدينهم من أن تناله سهام الاتهام برعاية تلك الأفعال، بينما في العالم الإسلامي ما زالت الدول تجعل من الإسلام قرين كل فعل بشري، بل إنها جعلت من إخفاقات زعماء تلك البلدان هي منطلقات إسلامية وأضفت عليها القداسة وبشكل معلن ، وتم تسويقه إلى الغرب على أن الإسلام هو الفاعل في كل تصرفات الدول الإسلامية، وبذلك ينعكس الفعل المرتكب على الدين وليس على الأشخاص ، وحتى على المستويات الصحية التي يجب أن تتوفر على العمل والمعرفة الطبية والأبحاث الفنية المتخصصة نجد أن الدول الإسلامية لجأت إلى الدين باعتباره مؤسساً لوجود الأوبئة لأنها من جنود الله عز وجل واعتبرته عقاب رباني القصد منه تطهير البشر من الخطايا وسوقت هذا المفهوم إلى الغرب عبر وسائل إعلام ضخمة، وجعلت من العلاج هو الدعاء فقط وتناست إن الله عز وجعل قد أمر البشر بالتفكير والعمل في إيجاد الحل للمشاكل ودون اللجوء إلى الغيبيات التي تضر ولا تنفع أحياناً، بل إن بعضهم قد اتبع الفتاوى دون أن يبحث فيها حتى وإن دعته إلى القتل والانتحار، بينما الله عز وجل في كتابه العزيز يقول (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) أي لا تسير وتتبع ما لم تعلم ماهيته وهدفه وإنما عليك التبصر والبحث فيه، لذلك أرى أن الخلل الذي أدى تمكين غير المسلمين من النيل من ديننا الحنيف ، يتجلى في ربط أفعالنا جميعها بالدين، وإن الدول الإسلامية ومؤسساته الدينية جعلت من الإسلام وسيلة تنفيذ غايتها، ووظفت وعّاظها لتعزيز سلطتها، وفي مثال حي نجد أن الدول العربية وهي جميعا دول إسلامية وتنص في معظم دساتيرها على إن الدين الإسلامي هو دين الدولة الرسمي، ومع ذلك فإنها شكل نظامها السياسي يختلف بين نظام جمهوري وملكي ونيابي وديمقراطي وديكتاتوري ، ويتخاصم زعماؤها فيما بينهم، مع أن مرجعيتها الدينية واحدة ، لكن نجد أن كل نظام وظّف عدداً غفيراً ممن يسمون أنفسهم برجال الدين إلى تأويل النصوص الدينية لمصلحة الحاكم، حتى أن بعضهم لا يتورع عن أن ينقلب على ما سبق قوله إلى رأي آخر مضاد له ، وفي عملية التطبيع الأخيرة بين الكيان الصهويني وبعض العرب مثال حي على ذلك، وأرى الحل لصيانة الإسلام من أن تلحق به هذه الأفعال المشينة التي نهى عنها، بأن نتعامل مع الدين في إطاره الصحيح، وأن لا نلوثه بعقابيل السياسة التي لا تعتمد على الثبات في المبدأ بل إن أهم مبدأ فيها هو التقلب والتلوّن.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك