اخبار العراق الان

كتاب الفقدان في زمن الفقدان

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

أن تكتب فهذا يعني أنك عثرت على طريقة لتداوي نفسك بها.

تقول الكاتبة والشاعرة الدنماركية نايا ماريا آيت في كتابها: ” إذا أخذ الموت شيئاً منك رده إليه ” وهي تصف حزنها على موت ابنها كارل: “بحثت عن معالج روحاني لأني تمنيت لو كان هناك من بمقدوره أن يشفيني من حزني، لم أشأ أن ينظر إلى حزني كمهمة يجب أن ينجزها.” 

حاولت نايا ماريا من خلال “كتاب كارل” كما اسمته نسبة إلى إبنها المتوفى أن تواجه حزنها وأن تشفى منه،وأيضاً لكي تصبح قصة كارل ذكرى عصية على النسيان فهي لم تتقبل فكرة مغادرته الحياة:

“غريب أن لا يكون لك وجود فأنا مازلت أحسك. لا أفهم بكل حواسي أن لا يعود لك وجود.” أول شيء يخطر ببالك عندما تقرأ كتاب “إذا أخذ الموت شيئاً منك رده إليه الصادر عن(منشورات المتوسط2019)

هو تصنيفه! هل هو شعر! أم أنه ينتمي إلى أدب اليوميات! أم أنه سيرة ذاتية! أو كل هذا يمكن أن تدرجه ضمن ما يسمى بأدب الرثاء.؟

لا أعرف لماذا الكتب التي ترصد تجارب حقيقية ومؤلمة ، أعجز عن تصنيفها، لأنها في الغالب لا تتبع مقاييس الأدب بل مقاييس القلب. 

أنا متقينة أن الذي سيقرأ” كتاب كارل” سيترك فيه انطباعاً لا يمكن أن يتجاوزه بسهولة ، حتى و إن لم يفقد عزيزاً عليه بالطريقة المأسوية التي فقدت فيها نايا ناريا آيت ابنها كارل.

تروي فيه تفاصيل قد تبدو بسيطة، حقيقة هي بسيطة وتحدث مع كل أم تفقد أحد أبنائها، لكن طريقة وصفها وطريقة كتابتها تجعلك لا تتألم فقط وإنما تستحضر صور ابنها من مخيلتك برغم أنك لا تعرفه، فالمقدرة على وصف الألم صادقة جداً، فبعضنا يحاول وصف ألمه لا أقول كذباً وإنما باستعمال كليشيهات تجعلنا نقرأ وفقط، لكنها ورطتنا في ألمها لأنها جعلتنا أكثر قربا من موطئ الحزن لديها. 

الفقدان لا يتجزأ، لكن هناك فقدان يجعل الإنسان يتجزأ ويتشظى لكي يتخطاه، ولعل الكتابة هي أحد المسكنات التي اختارتها نايا ماريا كي ترثي ابنها كارل:

“التقطت صورة لك مسورا بالعنبات الزرق والحمر. والشمس ساطعة وعيناك تسطعان”. فلا أكثر ألماً من أن تمتلك الأم مقدرة الكتابة عن جزء منها فقدته إلى الأبد ولن يعود. “كارل حيوي جداً، ملتصق بي جداً. يشبه حبة قمح، تموج في الريح. ذهبي، قوي وناضج. “

عبارة: “كنت سأمشي لآخر العالم لأجلك ولكن المسافة لم تكن كافية.” لا تشي بما بكم الألم الذي يسكنها بل بعجزها التام في محاولة التخلص منه. تأتي كتابتها على شكل شذرات من الماضي والحاضر ممزوجة بروح الشعر التي لم تغادر نايا أبداً برغم أنها تقول أن: 

الشاعر الذي يدرك بثانية أن الكتابة واللغة لا تعني شيئاً أمام الموت. لا شيء ذو معنى أمام المطلق.” 

كما أنها عبرت عن الفقدان وعن الحزن بعبارات كثيرة متفرقة تبرز روح الشاعرة المتشظية والمتألمة:” كائن الحزن الناقص، غير الكامل، ثوب حزن اللغة قبيح يزكم الأنوف… لا شيء حقيقي، اللغة فارغة من المعنى ” صورت هذه العبارات وأخرى هالة الحزن التي كانت تحيط بها، مما جعلها تستذكر كل شيء له علاقة بالحزن والفقدان، إذ أنها مثلت الحزن الذي أصابها بفقدان كارل بحزن جلجامش على صديقه أنكيدو. الواحد فينا حتى وإن لم يكن شاعراً أو كاتباً يستحضر كل ما قرأه عن الموت والفقدان وكأن روحه تحاول أن تنتشي بالفقدان في محاولة للشفاء بشكل ما. لربما ما دفعها للكتابة عن كارل هو احتراق مخزنهم في الدنمارك بكل ما يحتويه من صور ومذكرات وكتب، أرشيف عائلة بأسرها كانت وجبة للنيران:

” لا شيء يجعلني أتذكر.لا صور من طفولة كارل.. أرتعب من النسيان” 

حاولت أن تجعل من كارل قيد الحاضر في كل شيئ وكأنه الجزء الحي منها الذي لن تأخذه الموت. مؤلم تصويرها لطريقة احتفاظها وزوجها بشعرة ابنهما كارل وكيف ربطت الزمن الفيكتوري الذي كانوا يصنعون فيه الحلي من شعر الموتى.

كتبت عن مذاكرته التي دمجتها و ذكرياتها عنه، حاولت أن تكون أكثر قربا منه وهو ميت وذلك من خلال استحضار كل ما يخصه من أفلام شاهدها ومذكرات كتبها وأشياء تمناها. أشعرتها عودتها للكتابة بعد وفاة ابنها بوجوده وكأنه بعث من جديد : “بدأت أشعر بوجوده بصورة قوية” 

تحاول من خلال “كتاب كارل ” أن تقول أن الكتابة قربتها منه وفي الوقت ذاته كما قالت أن: “الطريقة الوحيدة التي أتشافى بها هي الكتابة، فالكتابة بالنسبة لمن يريد أن يعالج همومه بها.. خير مضمد للجراح. فتحت الكتابة نوافذ من نور في ذاكرة نايا وجعلت ابنها كارل قريبا منها جداً. عنوان الكتاب هو لقصيدة كتبتها عندما كان بسن السادسة عشرة، كما أعتقد أنه مستوحى من مقولة لسقراط يقول فيها :لذا حين يأتي الموت لإنسان يحدث أن يموت الجزء الميت منه، بينما الخالد يبتعد ويختفي،سليماً وسرمدياً،بتجنبه الموت” استحضرت نايا ماريا ما قاله سقراط لتعبر عن حالة الفقدان التي أصابتها عند وفاة ابنها وكيف رغم كل هذا لا تراه ميتاً بل سيظل جزءاً حياً وخالداً في ذاكرتها. “

أما الغلاف فهو محاكاة لحلم لصديق كارل: 

“مشيت داخل للغابة الخضراء رفقة نمر.كنت مرتدياً سترتك الخضراء. كانت روحك هي التي تمشي في الغابة الخضراء

هكذا كان حلم صديقك.”.

هذا الكتاب ليس كتاب كارل لوحده وإنما كتاب كل من فقدناهم ومازال فقدانهم يشكل حاضرنا الذي لن يغيب حتى نغادر الحياة،لكل منا مأساة التي تختلف عن الآخر لكن مما لاشك فيه أن هذا الكتاب يعبر عن الحزن في جزئه الأعمق الذب نتشارك فيه جميعنا.

رثت نايا كارل وتركت الكتاب مرثية للجميع،فلا أصعب من أم نشارك ألمنا مع الجميع ليغدو وسيلة لنربت فيها على 

أكتاف الآلاف من الغرباء باختلاف دياناتهم، ثقافتهم ولغاتهم.

وحدها الإنسانية تربطهم ووحده الألم يجمعهم ووحده الكتاب يعزيهم ويرثي أحباءهم.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن مترجمة” إن أخذ الموت شيئاً رده إليه” الشاعرة والروائية العراقية المغتربة دنى الغالي ساهمت بقدر كبير في إعادة إحياء هذا النص باللغة العربية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك