اخبار العراق الان

أعداء الامبراطورية ورجالاتها.. في انتظار البرابرة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

احمد ثامر جهاد

إذا وضعنا جانباً كل الجدل المثار حول إيفاء الفيلم للرواية والذي يتكرر في كل مناسبة كتابة من هذا النوع، تبقى الشخصية الإشكالية الأكثر اثارة في هذا (الفيلم-الرواية) هي شخصية القاضي أو مأمور البلدة (الممثل مارك ريلانس) كونها صورة مكثفة للعقدة الروائية.

الأهم من ذلك إنها الشخصية المفضلة في أدب ما بعد الكولونيالية. الشخصية الماثلة أمامنا أمضت زمناً طويلاً في تعاطيها مع المجتمع المحلي(بلدة حدودية ما) الذي تديره الامبراطورية فانسجمت تدريجياً مع تقاليد الناس وتفهمت طبيعة حيواتهم ومعتقداتهم، كل ذلك أفضى الى أن تكون ببعديها النفسي والثقافي شخصية إنسانية مقبولة ومرحباً بها أكثر من غيرها. لكنها أيضاً ضحية من ضحايا الإمبراطورية، بل يمكن القول إنها أسيرة حرب دائرة، وحكايات أسرى الحرب هي جزء من حكاية الحرب ذاتها. إلا أن تلك الشخصية من ناحية أخرى تعد انموذجاً للرحالة التائه، المهووس بـ “الآخر”، قل المكتشف والباحث عن اطمئنان وتصالح داخلي في ربوع هذه الصحراء الشاسعة بغموضها وجلالها الآسر. وبسبب ذلك كله فالقاضي ليس الشخص المناسب لتأدية مهمة استعمارية.

على عكسه تماما يبدو العقيد “جول” (الممثل جوني ديب) شخصية مؤمنة بقيم الاستعمار وأحقية مشروعه في النهب القاري الذي يحتم السيطرة التامة على هؤلاء الناس المتخلفين الذين يحتاجون من يحكمهم. شخصية قاسية ومتغرسطة هي انعكاس شكلي لحكام الإمبراطورية (أية إمبرارطورية). سلوك القاضي لا يروق للعقيد جول، ويجده الأخير غير فعال، بل إنه مضر بمصالح الإمبراطورية التي تريد أن تحمي حدودها من هجمات محتملة للبرابرة. لا بد إذن من وضع خطط محكمة لترهيب الناس كي لا يفكروا مطلقا بالتعاون مع الاعداء، فضلاً عن استجواب السجناء باشد الطرق قسوة لانتزاع المعلومات الأمنية منهم. السجناء أناس بسطاء تم إيداعهم السجن لأسباب تافهة ليست لها أدنى علاقة بالتمرد على سيطرة الإمبراطورية.

بحكم عمله يفرض العقيد “جول” طرقاً جديدة للاستجواب وانتزاع الاعترافات من المساجين. لذا فهو يعتبر أن الألم هو الحقيقة الوحيدة وأي شي آخر هو موضع شك. من هذه الناحية ستذكرنا شخصية”جول” بالكولونيل “ماثيو” في فيلم “معركة الجزائر” للمخرج الايطالي بونتيكورفو والذي أوفدته الحكومة الفرنسية للقضاء على حركة التحرر الوطني في الجزائر بعد عجز السلطات عن مواجهة هجمات الثوار على المصالح الفرنسية. لكن عند التمعن بهذه المقارنة سنكتشف أن جول شخصية هزيلة، انتهازية، تبحث عن مجد شخصي ليس إلا، فيما كان الكولونيل ماثيو الذي عاملته الكاميرا بسخاء ملحوظ رجل دولة يعرف ماذا يريد وكيف يصل الى مبتغاه. يقول إدوارد سعيد في مقابلته الشهيرة مع بونتيكورفو “إن ماثيو في فيلم”معركة الجزائر” ووليم ووكر في فيلم “احتراق” هما بالنسبة للمخرج نمطان عقلانيان وجديان استوجبا التعامل معهما بمنطق واضح يقدرهما جيدا وإن أفضى المسار الدرامي في الفيلمين المذكورين الى نبذهما واحتقارهما كشخصيتين استعماريتين.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك