العراق اليوم

حاورته (المدى) حول تجربته النقدية..الناقد فاضل ثامر: مارس الستينيون حقهم وحريتهم ضد القيم السائدة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 

حصل على البكالوريوس في اللغة الإنكليزية من جامعة بغداد1961 ،دبلوم الدراسات العليا في اللغة الإنكليزية من ليبيا 2001.

نشر أولى مقالاته عام 1965في مجلة الآداب البيروتية وبعدها في مجلة الكلمة العراقية وواصل النشر في عديد الصحف العراقية والعربية .

له مؤلفات عديدة في مجال النقد منها: “معالم جديدة في أدبنا المعاصر”، بغداد 1975. “مدارات نقدية”:في “إشكالية الحداثة والنقد والإبداع”،بغداد1987.-“الصوت الأخر”:”الجوهر الحواري للخطاب الأدبي”،بغداد1992 ، شعر الحداثة ممن بنية التماسك الى فضاء التشظي دار المدى دمشق 2012، اشكالية العلاقة بين الثقافي والسياسي ،دار اراس ،العراق ،اربيل ،2012. “المبنى الميتاسردي في الرواية العربية”, منشورات دار المدى، حاورته المدى عن تجربته النقدية:

– كيف تعاملت مع الماركسية بوصفها مرجعية فكرية لتجربتك النقدية والثقافية؟

٤-مع أن مرجعيتي الفكرية تظل تتمثل في استلهام الفكر الماركسي أساساً والفكر الإنساني عموماً ، إلا أني كنت أتحفظ على بعض المقولات النصية ، المحسوبة على الماركسية ،مثل مقولة ” حزبية الأدب ” وبعض منطلقات الواقعية الاشتراكية وخاصة في الموقف من مفهوم الانعكاس ومبدأ الالتزام وبعض قضايا الفن والأدب وحرية الإبداع والتفكير . وكثيراً ما طرحت أمام نفسي سؤالاً إشكالياً :هل يتعين علينا أن نشطب على مفهوم الايديولوجيا كلياً لكي نمتلك حرية أكبر في التفكير والإبداع . ولكني ، وبعد معاينة طويلة ، اكتشفت استحالة ذلك ، لأن الأيديولوجيا تطل علينا في كل مكان شئنا أم أبينا. ومن خلال قراءة كتابات عدد من المفكرين الماركسيين حول الأيديوولجيا، ومنهم تيري ايغلتن والتوسير وفردريك جيمسن شعرت بالحاجة إلى تقديم تصور مرن لمفهوم الأيديولوجيا عندما نستخدمه نحن النقاد والمفكرين الماركسيين دونما صنمية أو قولية نصية ، ولكننا بالتأكيد لا يمكن أن نتساهل إزاء تحليل مظاهر الأيديولوجية الرجعية والفاشية والدينية المتطرّفة التي تبرر العنف والكراهية والإرهاب والقتل وتسعى لفرض الهيمنة – بمفهوم غرامشي – على المجتمع وضمان سيطرة قوى طبقية وسياسية واجتماعية معينة . وبشكل عام ، أشعر أننا بحاجة إلى مراجعة المفاهيم النقدية الماركسية المختلفة بين آونةٍ وأخرى، ومنها مفهوم الأيديولوجية والموقف من اتجاهات الحداثة ومابعد الحداثة.ولذا لم تكن كتاباتي النقدية تقع تحت لافتة الواقعية الاشتراكية على الرغم من تأثري برؤية منفتحة للماركسية. وقد أشرت في بعض مساجلاتي الصحفية في جريدة “طريق الشعب” ومجلة “الثقافة الجديدة” منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي الى أن ثقافتنا بعيدة عن الواقعية الاشتراكية، وهي أقرب الى الواقعية الحديثة، أو الواقعية الثورية ،مع ملامح اشتراكية واجتماعية وإنسانية عامة. وخلال عملي الثقافي كنت أمارس حريتي،بوصفي مستقلاً وخارج المؤسسة الحزبية، في الاعتراض والاختلاف عما هو سائد وثابت ، وأومئ إلى مسارات أكثر مرونة وواقعية تتلاءم وواقعنا الثقافي .لكني اعترف بأن بعض كتاباتي النقدية في الستينيات كانت متأثرة ،الى حدٍ كبير، بالتحليل السوسيولوجي والأيديولوجي بسبب عدم تبلور مفهوم المنهج النقدي بإطره الحديثة لديّ عند ذاك ،وهي حالة عامة أثرت،بدرجات متفاوتة، على مواقف الكثير من النقاد والكتاب الماركسيين آنذاك. فعند صعود جيل الستينيات الحداثي في العراق ظهرت اجتهادات وآراء مختلفة حول هذا الجيل الذي كان قد ظهر في ظروف سياسية وتاريخية معقدة اتسمت بضرب الحركة الديمقراطية واليسارية، بعد انقلاب الثامن من شباط 1963 الفاشي ، مما جعل الحركة الثقافية والأدبية ، بعيدة عن المراقبة الحزبية والأيديولوجية ، فمارس أدباء الستينيات حقهم وحريتهم وتمردهم الذاتي ضد القيم السائدة اجتماعياً وسياسياً وفنياً ، ولذا جاء تمرد هذا الجيل ليضم خليطاً من مواقف ثورية وفوضوية وعبثية ووجودية وتروتسكية أحياناً ، لكنها بشكل عام تتطلع إلى تحقيق تجديد جذري في بنية الكتابة والتعبير الفني .

وكان ظهور” البيان الشعري ” الذي وقع عليه أربعة من شعراء جيل الستينيات وهم فاضل العزاوي وفوزي كريم وسامي مهدي وخالد علي مصطفى، والذي نشر في مجلة ” شعر 69″ في مايس 1969 مثار تعليقات وتأويلات مختلفة من قبل الأوساط الأدبية والثقافية في العراق . وقد كانت بعض القوى السياسية تتحفظ على الكثير من مخرجات التجربة الستينية ، وفي مقدمتها بعض أعضاء أسرة مجلة ” الثقافة الجديدة ” التي كان يرأس تحريرها آنذاك الدكتور صلاح خالص ، حيث نشرت المجلة بعض المقالات المتحفظة التي اتهمت الجيل الستيني بالوقوع تحت تأثير بعض لاتجاهات العبثية والوجودية والرجعية غير الملتزمة .

وقد عقد القسم الثقافي في المجلة آنذاك اجتماعاً خاصاً لمناقشة الموقف من الجيل الستيني حضره الأستاذ عبد الرزاق الصافي والأستاذ شمران الياسري ( ابو كاطع ) ، إضافة إلى الدكتور صلاح خالص والدكتورة سعاد محمد خضر والشاعر ألفريد سمعان والشاعر هاشم الطعان والصديق الناقد ياسين النصير . وقد انقسم المتنافسون إلى فريقين : فريق يقوده الدكتور صلاح خالص، يضم الدكتورة سعاد محمد خضر والشاعرين الفريد سمعان وهاشم الطعان ، وفريق معارض يضمني مع الزميل الناقد ياسين النصير . وفي حينها – كنت ما زلت في فورة الشباب – فخضت صراعاً صعباً وعنيفاً ضد الذين يتهمون الاتجاه الستيني بالرجعية والعبثية ، ودافعت عن هذا الجيل وظروف الإحباط التي خلقته ، وقدمت تحليلاً مطولاً ومدعوماً بالشواهد والاسماء أشرت فيه الى أن هذا الجيل كان مضطراُ لتقديم رؤيته الشخصية للعالم والواقع في غياب المؤسسات الحزبية والديمقراطية ، وإن سلوكه كان بمثابة احتجاج ضد العنف والاستبداد وزج المناضلين بالسجون ، ولم يكن غريباً أن معظم كتاب الستينيات كانوا سجناء أو معتقلين في سجون الدكتاتوريات ومنهم فاضل العزاوي وجمعة اللامي ،وبدأوا كتاباتهم التجريبية داخل الزنزانات ،وفي مقدمتهم الشاعر فاضل العزاوي و القاص جمعة اللامي. وعبرت عن ثقتي بأن هذا الجيل سوف يتجه لاحًقا نحو مواقف أكثر اعتدالاً والتزاماً، وإنه سيغني التجربة الإبداعية الحداثية العراقية ويضعها على مسار جديد . وفي خضم تلك الحوارات التي التي كان فيها للصديق ياسين النصير مواقف مشهودة , اقترح الأستاذ عبد الرزاق الصافي ، عقد اجتماع ثانٍ لاستكمال الحوار , وفعلاً عقد الاجتماع الثاني وأشار فيه الاستاذ الصافي ، وسط ترحيب وابتسامات الأستاذ شمران الياسري ، إلى أن قيادة الحزب ناقشت الأمر وقررت إعادة النظر في الموقف من جيل الستينيات، والتعاطف مع الموقف الذي طرحته أنا والصديق ياسين النصير ، وكلفت بإعداد كلمة باسم القسم الثقافي للمجلة تعرض الخطوط العامة لهذا التوجه الجديد . وفعلاً قمت بكتابة تلك المقدمة التي تجاوزت العشر صفحات،ونشرت في المجلة، واستقبلت بالترحاب من قبل الأوساط الثقافية العراقية ومنها مجلة “شعر٦٩ “، ونشرت باسم ” الثقافة الجديدة ” وليس باسمي شخصياً . وفؤجئت في مناسبة ثانية بوضع إشارة وضعها الأستاذ شمران الياسري ” يعبر المقال عن وجهة نظر الثقافة الجديدة ” أمام دراسة نشرتها عن الفنان محمود صبري عند زيارته للعراق في مطلع السبعينيات للتعريف بنظريته عن ” واقعية الكم ” وهو تشريف أسعدني .

وخضت على صفحات جريدة ” طريق الشعب ” التي كنت محرراً في قسمها الثقافي الذي كان يضم أدباء معروفين آنذاك أمثال غانم الدباغ ونبيل ياسين فضلاً عن مشاركات محررين وأدباء آخرين أمثال يوسف الصائغ ومصطفى عبد الله ومخلص خليل وفالح عبد الجبار وسعدي يوسف وسامي محمد ورشدي العامل وزهير الجزائري وسلوى زكو وسعاد الجزائري وياسين النصير وفاطمة المحسن وعبد الكريم كاصد والفريد سمعان وهاشم الطعان وغيرهم . وكان الزميل الشاعر حميد الخاقاني يرأس القسم الثقافي ،مقدماً إنموذجاً ديقراطياً ومنفتحاً في إدارة العمل الصحفي الثقافي ، لكني كنت أكتب أغلب كلمات الصفحة الثقافية الافتتاحية التي تحمل توقيع ” ثقافة ” كما ابتكرت تقليد قراءة قصائد وقصص العدد الماضي التي كانت تنشرها الجريدة .واتذكر أن اتصالاً رسمياً جرى بالجريدة للاستفسار عن دلالة إحدى تلك الافتتاحيات فناولني الزميل حميد الخاقاني التليفون ، وكان المتصل هو الاستاذ أمجد توفيق الذي كان يشغل مسؤوليات ثقافية رسمبة حساسة آنذاك . فمازحني بالقول : لقد عرفنا الآن من هو كاتب افتتاحيات “ثقافة ” ولم يكن ذلك بالنسبة لي ذلك سراً ، فشرحت له دلالة المقال .

ومرة نشر الزميل الشاعر ألفريد سمعان مقالة في ” طريق الشعب ” تحت عنوان ” نحو أدب بروليتاري ” فتصديت لها وأشرت الى هذا الشعار متياسر ولا يتفق وحاجاتنا الثقافية وطبيعة المرحلة التي كنا نمر بها، وبينت إلى أننا بحاجة إلى ثقافة وطنية وأدب واقعي حديث ينفتح على القيم الاشتراكية دون أن ينتمي بالضرورة للواقعية الاشتراكية أو الى مفهوم الأدب البروليتاري .

وقد تواصل السجال حول الموضوع ، ورد عليَّ الاستاذ عبد المطلب صالح ( الباحث والمترجم المعروف وهو بالمناسبة شقيق زوجتي)، مدافعاً عن رأي الأستاذ ألفريد سمعان ، لكن الحوار انتهى بإشارات من رئاسة التحرير بالتعاطف مع وجهة نظري ، واعتبار أن ذلك الشعار متياسر ومتطرّف . كما اعترضت على دعوة أطلقها الشاعر يوسف الصائغ في المقدمة التي كتبها لمختارات شعرية نشرتها جريدة “طريق الشعب” لكتابة قصيدة شيوعية ، ونفيت إمكانية وجود قصيدة شيوعية ، لأن الشعر هو فضاء أنساني رحب، على الرغم من طراز الأفكار ،أو المضامين، أو الاتجاهات أو الفلسفات التي يضمرها أو يكشف عنها .

وخلال عملي في ” طريق الشعب ” خلال السبعينيات كنت أحافظ على استقلالي الفكري على الرغم من عملي في صحف الحزب ومجلاته . وفي حينها ورد إلينا تأكيد باننا يمكن أن ننشر الموضوعات على وفق قناعاتنا، مهما كان مركز كتابها الحزبي . وفي إحدى المرّات وضعت أمام موقف محرج للغاية ، عندما طلب مني رئيس التحرير الاستاذ عبد الرزاق الصافي ، فحص مقالة أدبية عن التراث العربي ، وبيان مدى صلاحيتها للنشر ، فأستفسرت عن اسم الكاتب لكنه اعتذر وطلب مني بيان الرأي بعيداً عن معرفة اسم الكاتب . وبعد الاطلاع على المقالة أشرت إلى أنها محاولة لتحديد موقف حزبي من تراثنا العربي الادبي الكلاسيكي ، لكنها مشبعة بمواقف متصلبة وغير واعية ، وربما يؤدي نشرها إلى تقديم صورة مشوّهة ومتصلبة عن موقنا الحقيقي من التراث .وسرعان ما صرف الاستاذ عبد الرزاق الصافي ،رئيس التحرير، النظر عن نشر هذا المقال. ثم طلبت منه أن يكشف لي أسم كاتبه ففاجأني وصدمني بالقول إن كاتبه هو الرفيق زكي خيري ، فأحسست بالحرج الكبير ، لكني أكبرت في الجريدة احترامها لمحرر ثقافي بسيط ومستقل، وحقه في أن يرفض نشر مقالة لواحد من قادة الحزب التاريخيين , وهو دليل على الحرية الممنوحة للادباء والمثقفين الماركسيين في أن يختاروا بأنفسهم ما يرونه صالحاً وملائماً، بعيداً عن أية إملاءات أو اشتراطات أو ” مساطر ” أيديولوجية مسبقة .

وكما أتذكر فان الاستاذ عبد الرزاق الصافي رئيس التحرير لم يترك الأمر عند هذا الحد ، بل تساءل عن إمكانية تقديم طرح بديل على صفحات الجريدة ، فاقترحت أن نطرح استبياناً واستكتاباً من خلال ديباجة مركزة تثير مجموعة من الاسئلة عن موقفنا من التراث ، يشارك فيه عدد من الكتاب والمفكرين والمختصين ، وفعلاً نجح الاستبيان الذي أستمر أكثر من شهر ونشرت خلاله مساهمات مهمة أتذكر منها مساهمة الاستاذ هاشم الطعان التي كانت شاملة ومتميزة .

وفي اجتماع خاص لأسرة تحرير “الثقافة الجديدة” ، وحضره عدد من أعضاء المكتب السياسي للحزب في مطلع السبعينيات كان مكرساً للترحيب بعودة الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي إلى الوطن ، حيث حاول البعثيون إثارة خلاف مصطنع بين البياتي وشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري من خلال استدراج البياتي لإصدار بعض التصريحات ضد الجواهري ، ولكننا خلال الاجتماع الذي كنا قد أعددنا له أنا والصديق ياسين النصير وبدعم مباشر من الأستاذ شمران الياسري ، استطعنا أن نسوي الخلاف بين الشاعرين الكبيرين ، وبين البياتي نفسه وبعض قادة الحزب الذين أختلف معهم في بعض قضايا العمل الديمقراطي وهيئة الدفاع عن الشعب العراقي . وقد اقترحت في حينها على قادة الحزب الحاضرين أن يشاركوا في رسم الإطار العام للحياة الأدبية والثقافية من خلال كتاباتهم ودراساتهم ، فكان رد أحد قادة الحزب، وأظنه الاستاذ نوري عبدالرزاق حسين : إنكم أجدر منا ، بفهم الإشكاليات الثقافية التي تواجهها الثقافة العراقية، ونحن لا نرغب أن نتدخل في هذا الأمر، ونترك لكم الحرية لفحص الواقع الثقافي وتحديد السياسة الثقافية التي تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الحزب أيضاً. وهذا مثال عملي ، أفدت منه شخصياً كدليل عمل طيلة حياتي الثقافية والنقدية والمهنية. فقد كنت أعتمد دائما على نفسي في اتخاذ القرارات ، ولا أشعر بحاجة إلى الاستئناس براي قيادة الحزب التي كانت في الغالب تنظر بارتياح وإعجاب لنشاطي المهني والنقابي والثقافي في اتحاد الادباء ، أو في المنتديات والمؤتمرات الثقافية والمدنية المحلية والعربية ، وهو تأكيد عملي آخر على سياسة الفصل بين العمل الديمقراطي والمهني والنقابي من جهة ، والعمل الحزبي من جهة اخرى .

٥ -ما هي أهم ملامح منهجك النقدي والمراحل التي مرّ بها؟

٥- حاولت في المقدمة الاستهلالية لكتابي النقدي الموسوم “الصوت الآخر:الجوهر الحواري للخطاب الأدبي” ،الصادر في بغداد عام١٩٩٢ ،ان ابلور ملامح منهجي النقدي تحت عنوان ” نحو رؤيا نقدية سوسيو_شعرية جديدة” حاولت فيها المزاوجة بين منظورين نقديين متعارضين، هما المنظور النصي الداخلي، بما فيه من توجهات جمالية ولسانية، وشكلانية أحياناً، والمنظور السياقي الخارجي بما ينطوي عليه من جذور سوسيولوجية وايديولوجية وتاريخية. وبالتأكيد كنت قد أفدت من تعرفي على الاتجاهات الحداثية، وما بعد الحداثية ،ومنها اتجاهات النقد الثقافي والسيميائي والقرائي والتأويلي ودراسات مابعد الكولونيالية والنسوية ، لإعادة تشكيل منهجي النقدي وسط تحديات الانبهار بالاتجاهات الجديدة والخشية من ضياع الهوية النقدية ،واستنساخ تجربة الآخر بطريقة عشوائية او انتقائية ملفقة. وبالتأكيد لم أكن الناقد العربي الوحيد الذي وجد نفسه اسير دوار المناهج والمصطلحات النقدية والمعرفية المتدفقة بلا توقف. وبالنسبة لي قررت ان أتعامل معها برؤية نقدية واعية. فلا افراط ولا تفريط. فالمنهجيات الجديدة امدتني بادوات للتحليل والتفكيك والتأويل والقراءة،لا يمكن لي تجاهلها أو تجاوزها، وفي الوقت ذاته لا يمكن لي الانغماس في متاهتها كلياً. ومن الجانب الآخر ،لا يمكن أن اتناسى مسؤوليتي بوصفي إنساناً ومثقفاً عضوياً يتحمل مسؤوليات تاريخية واجتماعية واخلاقية تجاه الآخر والمجتمع، ولا يمكن لي أن أتجاهل الجوهر الاجتماعي للظواهر والأعمال الأدبية التي لا يمكن لها أن تكون مجرد بنىً لسانية أو القبول بمقولة جاك ديريدا الذى يرى أنه ” لاشئ خارج النص”. وشخصياً أعدّ تلك المقدمة التي بمثابة “مانفيستو” نقدي شخصي، ولكنه غير نهائي لأنه كان يبلور رؤيتي النقدية حتى مطلع التسعينيات،حيث شهدت السنوات الي أعقبت ذلك التاريخ تعديلات وتنقيحات مهمة على رؤيتي النقدية تلك. وقد أشرت في ذلك المانيفستو الى أن مقاربة النص هذه التي يمارسها الناقد العراقي،في منحاه الجديد،إنما تسهم بهذا المعنى قي إنتاج معرفة إجتماعية محددة،إلا أنها معرفة من نوع خاص متجسدة داخل النص .كما أشرت الى أن الخطاب الأدبي صوغُ جمالي لا يشير الى صوت قائلة ،أو وجهة نظره فقط،بل يشير الى صوت الآخر بوصفه حواراً بين طرفين،وبذا فالخطاب النقدي هو محطة لالتقاء الأصوات و الرؤى في فضاء مشترك ،وهي رؤى وأصوات تتعايش وتتقاطع في آن واحد،ولكل منها،كما يذهب الى ذلك ميخائيل باختين حياته الخاصة التي تكسب الخطاب الأدبي هذه النزعة التعددية الديمقراطية الخصبة التي يتسم بها كل خطاب خلاق. وأشرت الى أن الناقد عندما يبدأ إشتغاله من النص للكشف عن شعريته أو أدبيته أو أنساقه وشفراته وحمولاته المعرفية،فهو من جانب آخر لايقف امام هذا النص بوصفه وثناً قائماً بذاته ، كما تفعل بعض المقاربات الشكلانية و النصية المحاثية ،بل بوصفه نتاجاً معرفياً و اجتماعيا ً مكتنزاً له القدرة لتحقيق المتعة الجمالية والحفر عميقا ً في الواقع الاجتماعي وفي الوعي الإنساني في آنٍ واحد. وكنت بهذا أرفض النظرة المحاثية للنص ،التي نلمسها عند بعض الشكلانيين والبنيويين ،والتي تكتفي بكشف المستويات اللسانية والادبية أو الشعرية والسيميولوجية للنص ،بل كنت أسعى لأستكناه الخيوط السرية التي تشد النص الى سياقه الخارجي وتميط اللثام عن الأنساق الأجتماعية وألايديولوجية الثانوية في النص.

ومن هنا تسعى هذه الرؤيا النقدية الجديدة الى تأسيس حداثتها النقدية من هذا التلاحم الجدلي بين الأجتماعي والأيديولوجي والمعرفي والواقعي من جهة ،والرمزي والجمالي والتخييلي والشعري أو الأدبي من جهة أخرى. ونفيت في تلك الورقة أن يمثل اتجاهي النقدي الجديد قطيعة مع اتجاهي النقدي المبكر، بل يمكن القول إن رؤياي النقدية الجديدة تشكل تطويراً و أغناءً لرؤيتي السابقة.اذ لا يمكن للناقد أن يتجمد رؤيوياً ومنهجياً عند صيغ وقناعات وقوالب ثابتة ونهائية . ولذا فقد شعرت بالحاجة الى إعادة تشكيل رؤيتي النقدية في ضوء كشوفات العصر ومتغيراته،ودون أن أفارق بالضرورة مواقعي النقدية السابقة أو أقطع الجذور التي تصلني بالأرض التي كنت أقف عليها ، وتشربت بنسغ الحياة من أديمها.

لقد حاولت في كتاباتي النقدية الجديدة أن اسعى للكشف عن”أدبية”النص أو شعريته ،وفي الوقت ذاته عن عوامله التكوينية ومرجعيته وحمولاته المعرفية ورؤيته للعالم.ولذا فقد دعوت الى ضرورة الدمج الفعال ،وغير الاصطناعي ،بين الأدوات الإجرائية والمنهجية للمناهج والمقاربات الحداثية ، بما فيها من وصف وتحليل وتفسير وتأويل وفك لشفرات النص وأنساقه المغيبة من جهة ،وبين منظومة القيم الإنسانية والاجتماعية التي تزخر بها التجربة الإنسانية وتلتقطها فنياً التجربة الإبداعية ،وصولاً للكشف عن “رؤيا العالم ” في النص الأدبي على حد تعبير الناقد الفرنسي البنيوي التكويني لوسيان غولدمان.

وعلي أن أعترف بالدين الكبير الذي أسدته لي المنهجيات والمقاربات الحداثية وبشكل خاص في مجال السردية الحديثة Narratology التي قدمت منهجاً متكاملاً لتحليل وفحص النصوص القصصية والحكايات والمرويات التراثية والفولكلورية والميثولوجية.ومازلت حتى هذه اللحظة،أُعدل في رؤيتي النقدية على وفق الضرورات المنهجية و الإبداعية،وبشكل خاص في إعادة تشكلات الأجناس الأدبية المختلفة ،ومنها مثلاً ظهور روايات البنية الميتا سردية ،في سبعينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة وأوروبا والتي وجدت لها صدىً كبيراً في السرد العربي خلال العقدين الأخيرين،فضلاً عن إعادة فحص العلاقة بين التأريخي والسردي التي بشر بها الناقد والمؤرخ الأميركي هايدن وايت والفيلسوف الفرنسي بول ريكور وغيرهما.

وأنا أذ استقبل كل هذه الإشارات الخلاقة ،لا يمكن لي طبعاً ، كما أكدت مراراً ،التخلي عن ثوابتي النقدية،الأجتماعية والأنسانية أساساً،والتي تؤمن بالإنسان والمستقبل ،وبالعقل الذي يحاول البعض تحطيمه أو شله لأطلاق سلسلة من النظريات اللاأدرية التي تشكك بجدوى الفعل الإنساني لأشاعة نظرية الفوضى الخلاقة والعماء تمهيداً لأستلاب الوعي الإنساني وترويضه وتحويله الى بيدق بيد الجوانب الأستلابية في المنظور العولمي،المظلة الأيديولوجية للرأسمالية المتوحشة في أبشع صورها وتجلياتها.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك