اخبار العراق الان

نظرية الدولة بين ابن خلدون وهيغل (7 – 14) عوامل قيام الدول

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 د. حسين الهنداوي

بلا شك، إن جنين الدولة، عند ابن خلدون، موجود “بالقوة” في إطار العمران البدوي، وينمو تدريجياً في خضم صراع القبائل وتناحرها من أجل البقاء. لا أنها لا تولد، “بالفعل”، إلا عندما تندفع قبيلة كبيرة ما، أو تحالف قبائل للاستيلاء، بالقهر والحرب، على أحد مراكز الحضارة.

ولا تظهر الدولة دفعة واحدة إثر ذلك، إنما بعد اجتياز تطور تدريجي يفضي إليها بالضرورة، يبدأ، بالأصل، منذ التوجه العفوي، إلى تفصيل العضوية للقبيلة، وإنهاء تناقضاتها الداخلية. فهذه الوحدة، الموجودة طبيعياً بحكم علاقة الدم والنسب، لا تحقق وجودها الفعلي في التاريخ، إلا عندما تتحول إلى طاقة متجهة خارجها، يسميها ابن خلدون «العصبية»، وهي حالة من الروح الجماعية، جوهرها «النعرة والتذامر واستماتة كل واحد منهم دون صاحبه»، يخلقها الشعور الطبيعي بالحاجة إلى تحسين شروط وجود القبيلة، ككينونة ذاتية مستقلة.

بيد أن هذه الحركة، تفرض، عفوياً، انتظاماً هرمياً بدئياً، يعبر عنه ظهور زعيم أو رئيس، يقود القبيلة في صراعها ذاك، ضد الكينونات المماثلة، والذي ينتهي إما بخضوعها واندحارها، أو بانتصارها وتحولها إلى كينونة أكبر. هذا الانتصار هو خطوة هائلة في اتجاه ظهور الدولة نظراً إلى أن «العصبية»، لا تعود محض رابطة دم أو نسب، انما تتسع لتأخذ شكل «عصبية كبرى»، تقوم على الانتساب شبه القسري، المفروض بالقوة والغلبة، أضف الى ذلك أن الزعيم يتحول، من جانب آخر، إلى شخصية متسلطة، لا تمتلك من الشرعية في الاستحواذ على الرئاسة، إلا عنصر القوة وحدها. هذه المرحلة، يسميها ابن خلدون «المُلك». وهكذا، فـ«المُلك إنما هو بالعصبية، والعصبية متألِفة من عصبيات كثيرة، وتكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها، فتغلبها، وتستولي عليها، حتى تصيرها جميعاً في ضمنها. وبذلك، يكون الاجتماع على الناس والدول» كما جاء في المقدمة.

إن المُلك يمثل، بالمقارنة بالرئاسة، نقلة نوعية في ماهية السلطة نفسها. فهو: “أمر زائد على الرئاسة، لأن الرئاسة إنما هي سؤدد، وصاحبها متبوع، وليس له عليهم قهر في أحكامه، وأما المُلك، فهو التغلب والحكم بالقهر. وصاحب العصبية، إذا بلغ إلى رتبة، طلب ما فوقها، فإذا بلغ رتبة السؤدد والاتباع، ووجد السبيل إلى التغلب والقهر، لا يتركه، لأنه مطلوب للنفس”.

فالمُلك، باعتباره غاية بذاتها للعصبية، يجعلها مندفعة، بفعل دينامية لا إرادية، لا تتوقف عند نقطة بعينها، بل لا تتوقف إطلاقاً، وبموجب إرادة إلهية خفية، تذهب إلى حد تدمير الهدف عينه، الذي وضعته لنفسها، في لحظة أخرى، بل وتدمير ذاتها بذاتها. لكن المهم أن العصبية تخلق الشكل الأول للدولة، الذي يأخذ هيئة سلطة قائمة على التغلب بالأصل، لا تلبث أن تنتزع الاعتراف بجزء، على الأقل، من شرعيتها، بفضل دور جديد، توكله إلى نفسها، يتمثل في السعي إلى حماية وحدة الجماعة، وحماية عصبيتها من الفساد: «الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب انما يكون بالعصبية، إتفاق الأهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها… وسرّه أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا، حصل التنافس ونشأ الخلاف».

ويقتضي دوام المُلك وجود «الدولة» في هذه المرحلة، إذ تظهر كشكل من التنظيم، يتكفل باستمرار الاتحاد بين الجماعة ومن ينتسب إليها، «لأن الاجتماع والعصبية بمثابة المزاج للمتكون، والمزاج في المتكون، لا يصلح الا إذا تكافأت العناصر، فلابد من غلبة أحدها، وإلا لا يتم التكوين». لكن دينامية هذه السيرورة، لا تنتهي عند هذا الحد، إنما تواصل حركتها، الخارجية والداخلية، في آن. فهي، من جانب، تواصل هدفها المتمثل في التغلب على العصبيات الأخرى التي تعترض طريقها، بل حتى البعيدة عنها، لتخضعها، وهي، من جانب آخر، تطور نمطاً جديداً من العلاقات الداخلية، يقوم على السعي الجماعي لتحقيق الازدهار المدني، عبر النشاط في الإبداع الحضاري من جهة، والاستفادة من منجزات ومعارف حضارة الدول السابقة من جهة أخرى.

سنأتي على ذكر حياة الدولة وغايتها بعد قليل، لكننا نلاحظ، في العرض الذي تقدم للتو، وجود ثلاثة عناصر مركزية، لا يمكن للدولة بدونها أن تتحقق على مسرح التاريخ، هي المشيئة الإلهية والعصبية والإرث الحضاري للدول والشعوب السابقة.

فمن جهة، تظهر «الدولة» في شكل كيان، يولد كضرورة موضوعية إلا أنه ينبعث بدون توسط، مكتسباً معقوليته الخاصة بموجب «مقتضى طبع العمران»، الذي يوحي، كما نعتقد بمشاركة من “الفوق الطبيعي” في خلقه. فصاحب «المقدمة»، لا يكف عن التأكيد على أن الدولة لا تنشأ إلا «بمعونة من الله في إقامة دينه» كما جاء في المقدمة. ومن جهة ثانية، إن البدو من أهل الدولة الناشئة «أبداً يقلدون في طور الحضارة وأحوالها، للدولة السابقة قبلهم، فأحوالهم يشاهدون، ومنهم في الغالب يأخذون». أما من جهة ثالثة، فإن «العصبية» هي طاقة طبيعية خلاقة، بها وحدها ينتقل خروج الدولة واكتساب المدنية، من مرحلتهما كوجود بالقوة، إلى مرحلتهما كوجود بالفعل.

إن «العصبية» عند ابن خلدون، ليست قوة أخلاقية، كـ«الفضيلة» عند ميكافلّي، كما أنها ليست رابطة عرقية، كـ«نقاء الدم» عند غوبينو، وأخيراً، ليست رابطة المصلحة الاجتماعية أو الاقتصادية الذاتية المباشرة، كـ«الانتماء الطبقي» عند ماركس. إنما هي حالة روحية- طبيعية، تعبر عن نفسها كشعور بالانتماء المصيري إلى جماعة بشرية خاصة، وهذا الشعور يقود المجموع إلى التحرك على مسرح التاريخ كقوة واحدة ومستقلة. فهي، إجمالاً، رابطة نسب بالمعنى الواسع وحتى المجازي، لأن النسب، عند ابن خلدون، لا يستمد حقيقته من علاقة الانتماء القومي حصراً، إنما من العلاقات المباشرة، التي تفرضها متطلبات ومعطيات ضرورة الاجتماع البشري. ذلك لأن «الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه، فالذي ألفه من الأحوال، حتى صار خلقاً، تنزّل منزل الطبيعة والجبلة». لذا، فهي تبدو، في التحصيل الأخير، رابطة معنوية، يتخلّى ضمنها الفرد، وحتى الجماعة القومية والعرقية، عن كل مظاهر الطابع الشخصي والفردي، التي تستبدل بها الشخصية العامة للجماعة، عبر شعور لا واع، مصدره الضرورة، وليس الإرادة بالانتماء إلى وحدة أكبر. وهذا يتضح في القول بـ«أن العصبية، إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما معناه»، أي بالعلاقة التي تستلزمها المصلحة العامة للجماعة، في لحظة الاندفاع للاستيلاء على مكاسب المدنية.

والحال، إن هذه العناصر الثلاثة عينها، هي الرئيسية أيضاً في إمكانية ظهور الدولة عند هيغل. فبالنسبة إلى نشوء الدولة، أولاً، لا يضع هيغل لحظة محددة لبدايته. وذلك لأن الدولة، لديه، هي بمعنى ما أحد تجليات «النظام الإلهي» في العالم الفعلي، واستطراداً، فإنها موجودة «بالقوة» في الوعي الإنساني، وتعبر عن وجودها هذا، حتى في أكثر أشكال تنظيم الحياة العامة بدائية وطبيعية، وهو التنظيم العائلي.

وما التاريخ الكوني للدولة، تبعاً، الا التطور بها إلى أشكال أرقى فأرقى، بفعل التقدم في وعي حقيقة العلاقة بين الذات والموضوع. إلا أن الظهور الأول للدولة، في التاريخ الفلسفي، يتموضع في اللحظة التي تبلغ التناقضات في «الدولة العائلية» نقطة، يصبح معها انفجارها محتماً، ويعبر عن نفسه في اندفاعة نحو الخارج، تتماثل بشكل مثير مع اندفاعة القبيلة البدوية، عند ابن خلدون، لاكتساب العمران الحضري. ولعل ما يضاعف من هذه الإثارة، هو أن هيغل ينظر إلى القبيلة البدوية، العربية تحديداً، على إنها الجماعة الإنسانية الأولى، التي أطلقت حركة ولادة التاريخ والدولة.

وبالفعل، إن قبائل التتر البدوية والعرب خاصة، هي، بالنسبة إلى هيغل، أقوام ضالة، غير مستقرة، وطبيعية، يحكمها مبدأ روحي عفوي، يجعلها خارج التاريخ، ما دامت مكتفية بحياتها البسيطة في صحاريها. لكن “وبدون أن تتطور، هي نفسها، إلى مرتبة التاريخ، فإن هذه الشعوب لها، مع ذلك، قوة اندفاعية قادرة على تغيير هيئتها، لذا ينبغي جعل بداية التاريخ بها حتى وإن ظلت بدون مضمون تاريخي خاص. فإلى جانب أنشطتها المباشرة، كرعاة للجياد والجِمال والأغنام، والحيوانات ذات القرن بشكل أقل، فإن ما هو خاص بها حياتها الضالة، غير الواعية، التي عندما لا تجري بطمأنينة، يمكن أن تتحول إلى أعمال نهب، مع التجمع أحياناً، في كتل كبيرة، تهاجم السهول”.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك