اخبار العراق الان

باليت المدى: دفتر الملائكة

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ستار كاووش

طالما راودتني فكرة الملاك، حتى صرتُ أرى في وجوه العديد من الناس إنعكاساً لهذه الفكرة التي يحيطها الغموض، وشاهدتها تتحول من شيء في المخيلة الى الواقع، بهيئة أشخاص يمنحوني عطاياهم ويضيئون فوانيسهم كي أمضي بيسر ومحبة في هذه الحياة، لذا أتخيل غالباً أثناء الرسم أن ملاكاً يمر بدراجته قرب نافذة المرسم، يتوقف ليلقي التحية، ثم يمضي بدراجته من جديد ليسعد شخصاً آخر. 

الملاك فكرة جمالية بالنسبة لي بكل ما تحتويه من فتنة وألفه وإيثار وخيال، لذا أحتفظُ بدفتر صغير سميته دفتر الملائكة، أضع فيه ملاحظاتي حول الأشخاص الذين هم بمثابة ملائكة في حياتي، ممن أعرفهم وأتعامل معهم أو حتى أولئك الذين أقابلهم عن طريق المصادفة. إضافة الى ذلك قمت برسم ملائكة عديدين في لوحاتي، فمنهم من رسمته عاشقاً، وآخر جعلته يقبّل حبيبته وهما يطيران في الفضاء بأقدامهم الراقصة، وآخر رسمته شارد الذهن يجلس على غيمة بعيدة، وثالث أصبح ملاكاً حارساً على قماشة الرسم وهو يحتضن من يحب بنعومة ورفق، وغيرهم آخرين في هيئات مختلفة. وهكذا كان الملائكة يتسللون الى حياتي في الخيال والواقع والرسم، وسيبقون يمرون بمحاذاة شباك المرسم، يلقون التحية ويمضون على دراجاتهم الهوائية. وسيمتلئ الدفتر بأسمائهم وما قاموا به، وسأفتح دفاتر جديدة لملائكة آخرين أنتظر ظهورهم أمامي كل لحظة. 

لكني أود أن أخبركم بأن ملائكتي لا يقومون بأعمال خارقة أو فوق طاقة البشر، بل إن إيماءة واحدة منهم تكفيني لسعادة أيام، وتلويحة دافئة يلوحون لي بها تطمئن روحي وتجعلها أكثر رفعة، وإنتباهة عفوية يقومون بها تجعلني أَشَدُّ بصيرة وحكمة وتواضعاً، وأنا بطبيعتي لا أحتاج الى أكثر من ذلك كي أسير في دربي واثقاً… وبسيطاً في ذات الوقت. 

الملائكة موجودين بالنسبة لي، وهم يتدثرون بهيئات البشر بطرق رشيقة، لذا وددتُ أن تنظروا لهم كما أبصرهم في ساعات يومي، لتطلعوا على ما رأيت. وهنا سأخبركم أن عاملة المقهى التي تبتسم بمحبة وألفة وهي تمنحني القهوة الدافئة، هي أحد هؤلاء الملائكة. كذلك ساعي البريد الذي يحضر لي الطرد بكل أريحية، غير مكترث بالمطر الكثيف الذي بلّل ثيابه في الخارج، هو أيضاً ملاك، وهو يشبه في ذلك جارتي الطيبة يانكا التي تراني وهي عائدة من سفرتها فتتجه نحوي قبل دخول بيتها لتعانقني وتحكي لي عن الأشياء التي شاهدتها. الملاك هو أيضاً صاحبة الحانة التي تضع أمامي كأس الشراب الأول الذي أطلبه بعد انقطاعي الطويل عنها قائلة (هذا على حساب المحل). وهو أيضاً ماريون التي أهدتني قطعة كانفاس بداية دخولي الى هولندا لأرسم عليها أول لوحة لي في الأراضي المنخفضة. الملاك هو العم هيرمان الذي يجلب لي قناني الروزييه لنحتسيها معاً خلسة بعد أن منعته زوجته ساسكيا المتشددة من الشراب. هو يوهان صاحب متجر بيع مواد الرسم والخبير بجودتها، والذي يترك كل شيء عند دخولي المتجر، ليريني آخر أنواع الألوان ويشرح المميزات والفروقات بينها رغم زحام عمله، ولم يكتفِ بذلك بل يُحضِرَ لي كل مرة لفافة كانفاس الرسم الطويلة التي أطلبها بشاحنته الصغيرة الى المرسم، وقبل أن ينزلها من الشاحنة أكون قد أكملت إحضار قهوتنا معاً. الملاك هو جارتي المسنة أليشا دي بور التي تبرعت بإعطائي دروس اللغة الهولندية مجاناً في أولى أيامي في هولندا حتى يحين موعد دراستي الرسمية. هو صديقي الفنان آري خودهارت الذي أوقف سيارته ذات مرة أمام المرسم، جالباً لي مسنداً للرسم دون أن أطلب منه ذلك بعد أن لاحظ أن المسند الذي أرسم عليه لوحاتي قد إنكسر. هو جاري العجوز برت الذي أوقفني وأنا أحاول تشذيب شجيرات سياج الحديقة بيدي، ليعود بعد لحظات جالباً معه مقصاً كبيراً خاصاً بالحدائق وهو يقول (خذه يابني، واحتفظ به بعد تشذيب الحديقة، فأنا لديَّ واحد آخر). الملاك هو زوجتي الطيبة التي تحضر لي القهوة وانا أرسم، نعم أنها أليس صاحبة أجمل ابتسامة رأتها عيني. هو الفتاة التي رسمت لها تخطيطاً عفوياً في القطار لتطبع بعدها قبلة دافئة على خدي مازلت أشعر بها حتى الآن. هو كاشيرة السوبرماركت التي تقول لي بشكل ودود بعد أن أدفع الحساب (اتمنى لك يوماً جميلاً) ويصبح يومي رائقاً فعلاً بسبب رقة كلماتها. ومئات من هؤلاء الذي ينتبهون لي ولآخرين غيري في لحظات مشرقة حتى لو إنشغلنا عنهم. 

وأنتم يا أصدقائي وصديقاتي الرائعين، هل لديكن ملائكة مثل هؤلاء؟ أنا متأكد أنهم موجودين بينكم دائماً، وما عليكم سوى تذكرهم ووضعهم في المرتبة العالية من ذاكرتكم ووسط قلوبكم، فهم الكنز الحقيقي وهم من يجب أن تخلدهم الذاكرة. 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك