اخبار العراق الان

يوميات تولستوي بالعربية للمرّة الأولى ..نبيل يوسف : اليوميات تقدم أدق صورة ممكنة عن تحولات تولستوي الفكرية والحياتية

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

حيث إنها المرّة الأولى التي تترجم يوميات بهذه الضخامة تسلط الضوء على واحد من عمالقة الأدب والرواية على مر العصور ..

اليوميات بأجزائها الستة تكشف لنا جوانب مهمة من حياة ليف تولستوي وتقلباته وعلاقاته مع النساء وشكوكه وآلامه وتطلعاته نحو إقامة مجتمع عادل ، إضافة الى أنها تكشف لنا عمق ثقافة تولستوي والكتب التي كان يطالعها ويعلق عليها ومشاكله المستمرة مع زوجته صوفيا ، وعلاقاته مع المجتمع المحيط به وموقفه من الثورة .. يوميات تولستوي بصفحاتها التي تجاوزت الثلاثة آلاف صفحة تعد كنزاً معرفياً يكشف لنا حياة أديب كبير أصرّ أن يسجلها بصراحة متناهية .

حلمي كمترجم أن يرتبط اسمي بمجموعة من المشاريع الهامة التي تستمر لأعوام طويلة، مثلما هو الأمر الآن مثلاً مع ترجمات تشيخوف لأبو بكر يوسف، أو ترجمات دوستويفسكي لسامي الدروبي. أحلم أيضاً بتغطية العجز الكبير الموجود في ترجمة الأدب الروسي، وقد بدأتُ بالكلاسيكيات وانتقلت أيضاً لأعمال في الفترة الممتدة من العشرينيات إلى الأربعينيات، وسأكمل بعدها بقية الأعمال الهامّة في القرن العشرين، قبل الانخراط في ترجمة الأعمال المعاصرة.

نبيل يوسف الروائي والمترجم قدم للمكتبة العربية الكثير من الترجمات أبرزها “عن العصيان ومقالات أخرى” لـ إريش فروم، و”طريق الحياة” لـ ليف تولستوي، و”الحرس الأبيض” لـ ميخائيل بولغاكوف، و”حكايات من أوديسا” لـ إسحاق بابل.يقول إنه يتمنى أن يرتبط اسمه بمشاريع كبيرة مثل التي قدمها سامي الدروبي وابو بكر يوسف وغيرهم ، في هذا الحوار الذي خص به المدى يتحدث عن يوميات تولستوي خفاياها

• لماذا اخترت يوميات تولستوي لتقدمها الى القارئ العربي، رغم ضخامة العمل ، وأنت ذكرت أن اليوميات لم يترجم منها الى الانكليزية سوى جزأين… هل تعتقد أن القارئ العربي اليوم يقرأ كتب بهذا الحجم في زمن السوشيال ميديا ؟ 

– تكونت فكرة اليوميات بصورة تدريجية. بدأ الأمر بالتفكير في ترجمة تراث تولستوي الفكري. انتقيت مجموعة من أهم مقالاته ورسائله وصدرت بعنوان: “في الدين والعقل والفلسفة”. حاز الكتاب نجاحاً ملحوظاً على مستوى التوزيع مما جعل دار آفاق تشاركني حماستي في الاستمرار في ترجمة أعمال فكرية أخرى له. ترجمت له رائعته التي أتمها في عامه الأخير ولم تُنشر إلا بعد وفاته “طريق الحياة” ثم انتقيت مجدداً مجموعة من أهم مقالاته ورسائله وصدرت بعنوان “في العلم والأخلاق والسياسة”. لم أرغب بعدها في ترجمة المزيد من المقالات حيث كنت قد اخترت أبرزها بالفعل، وشعرت أن الاستمرار في ترجمتها سيكون محض تكرار لنفس الأفكار. ظللت أحدق في الأعمال الكاملة لتولستوي على موقعه الرسمي، وإذا اليوميات تشكل حوالي 12 مجلداً من وسط تسعين مجلداً. لا يفوقها شيئاً في العدد سوى الرسائل، لكني تحمست لليوميات عندما أدركت أنها ستقدم صورة أشمل عن حياة تولستوي وعالمه الفكري والشخصي والروحي. بالطبع تخوفت بشدة من الحجم الهائل لها، بالإضافة إلى خصوصية النص التي ستتطلب عدداً ضخماً من الحواشي التفسيرية لإيضاح هوية الأشخاص وترتيب الأحداث.. إلخ. طرحت الفكرة على آفاق، واستغرقنا سوياً وقتاً طويلا في التفكير إلى أن اتخذنا قراراً بترجمتها كاملة. أُدرك أننا في زمن السوشيال ميديا، ولكن كلانا آمل أن يكون هذا المشروع من أهم المشروعات التي نخوضها، وآملنا أن يستمر صداه إلى أعوام طويلة. قد لا يأخذ المشروع فرصته كاملة في وقت قصير، لكني أظن أنه بمرور الزمن سيصبح أهم مرجع إلى حياة وعالم تولستوي، وهذا يعود إلى الطبيعةالفريدة لتلك اليوميات حيث بدأ تدوينها منذ أن بلغ 19 عاماً، وحتى 3 تشرين الثاني ، أي قبل وفاته في 7 تشرين الثاني بأيام. بالإضافة إلى ذلك الصراحة الشديدة التي كتب بها يومياته، والطريقة التي اتبعها في شرح أفكاره وتدوينها وهي في طور التكوين، وإعادة التفكير فيها ورفض بعدها ومراجعتها… كل هذا جعل اليوميات بمثابة رحلة داخل عقل تولستوي، وبالتالي اتخذنا قرارنا بالمضي قدمًا في هذا المشروع رغم كافة المخاطرات المتعلقة بطول الفترة الزمنية والجهد الهائل والتكلفة الإنتاجية الضخمة في ظل عدم وجود أي دعم من أي جهة تمول هذا المشروع.

• هل تكشف اليوميات مفاجآت في حياة تولستوي لم يتعرف عليها القارئ من قبل ، خصوصاً فيما يتعلق بعلاقاته مع النساء ؟ 

– نعم. تكشف اليوميات عن كثير من الحقائق في حياة تولستوي. تبدأ اليوميات بوجوده داخل مستشفى يُعالج فيها من مرض جنسي، كما نعرف عن علاقته بالفلاحة أكسينيا قبل زواجه بصوفيا، ومدى تأثير تلك العلاقة النفسية عليه وعلى صوفيا. نعلم من اليوميات كذلك أنه لم يخن زوجته أبداً حتى الموت. في اليوميات مفاجآت أخرى على مستويات عديدة مثل آرائه في أدب جوركي وتشيخوف مثلاً، وكذلك نكتشف مدى نفوره من فكرة الجنس وأثر ذلك عليه بعد ذلك. فوجئت أنا شخصياً أيضًا بمدى قدراته الفكرية على العمل والدراسة؛ الأمر الذي جعله قادراً على إجادة لغات عديدة ودراسة عدد ضخم من العلوم، بالإضافة إلى معرفته الموسيقية الجيدة وإجادته العزف على البيانو. هذه الإمكانات الهائلة هي ما جعلته قادراً على كتابة ملحمة الحرب والسلام.

• نعرف أن تولستوي عاش حياة متقلبة، ما بين حب الحياة والتصوف… هل تقدم اليوميات صورة عن تحولات تولستوي الفكرية؟ وهل يجد القارئ إجابات حول الأسباب التي دفعت في نهاية حياته الى الهرب من البيت والموت في محطة للقطار؟

– أزعم أن اليوميات تقدم أدق صورة ممكنة عن تحولات تولستوي الفكرية. منذ الجزء الأول سيدرك القارئ أن الحدود التي تفصل الشاب تولستوي بكل تجاربه الطائشة عن تولستوي الشيخ والقديس ليست ضخمة كما نتوهم. منذ فترة شبابه وبذور الأفكار الروحانية تعمل داخل كيانه بكثافة شديدة، ولكن طوال تلك الأعوام تعذبه الرغبة الجنسية التي يشعر بنفور شديد منها، حتى إبان زواجه، وقد استفاض في شرح تلك الأفكار في مقالاته كما تحدث عنها في روايته: سوناتا كرويتزر. ترصد اليوميات تطور الأفكار بشكل تدريجي جدًا داخل ذهنه، وبالتالي لا نشعر بأن تحولاته الفكرية عبارة عن تقلبات فجائية، بل تغييرات تدريجية للغاية، تؤدي إلى اختلافات ضخمة مع طول الفترة الزمنية. 

يرصد الجزء الأخير الذات تفاصيل صراعه مع صوفيا ، حتى أنه يتضمن دفتراً سرياً لم يره أحد إبان حياة تولستوي يتحدث فيه بأكمله تقريباً عن صراعه مع صوفيا، كما يشرح تفاصيل عملية الهروب والأسباب التي دفعته إلى ذلك تفصيلاً، مع الوضع في الاعتبار أن فكرة الهروب راودته طوال أعوام طويلة، وكاد أن ينفذها أكثر من مرة لولا شعوره بضرورة أن يتحمل كل تلك المضايقات ولا يتخلى عن أسرته، ولكن الصراع تفاقم في النهاية بدرجة لم يحتملها.

• في يومياتها التي ترجمها الى العربية عبد الله حبه تقدم صوفيا تولستويا شهادة قاسية عن زوجها تولستوي .. ماذا يقول تولستوي عن زوجته في اليوميات، وهل قدم عنها شهادة قاسية أيضاً؟

يكتب تولستوي عن صوفيا بطريقة مركبة؛ بمعنى أنه في أغلب الوقت يحاول تجنب إدانتها، ولكن هذه الطريقة تحديداً تجعل إدانتها أكثر قسوة. تولستوي مهووس بجلد الذات، لذا يحاول في أغلب المرّات أن يلتمس الأعذار لصوفيا ويدين نفسه، ولكن تطور الصراع طبقاً لرواية تولستوي يجعل صوفيا محل إدانة رهيبة. بعد أن نضجت تجارب تولستوي الروحية واتخذت منحىً واضحاً أصبح الخلاف بينه وبين صوفيا لا مناص منه، فلجأ تولستوي إلى العزلة؛ بمعنى أنه كان يعيش بمفرده تقريباً. يلتقي بهم أثناء تناول الطعام أو يقضي معهم بعض فترات المساء، لكن ظهرت قضايا خلافية لا يمكن التهرب منها. القضية الأولى هي حقوق أعمال تولستوي، وقد أرادت صوفيا الاستيلاء عليها تماماً، وكادت أن تتم صفقة لبيع حقوقه كاملة قبل وفاته مباشرة مقابل مليون روبل! أراد الأخير أن يجعلها مجانية لكل من يريد نشر كتبه. لم يتقبل فكرة أن يتقاضى مالاً عن كتابته. القضية الثانية هي قضية الأرض: لم يتحمل تولستوي أن يملك هذه الملكية الشاسعة من الأراضي بينما يتضور فلاحوه جوعاً من عدم امتلاكهم لشيء. نتابع في اليوميات محاولات الفلاحين المتكررة سرقة الأخشاب من أراضي تولستوي وتصدي صوفيا لهم والحكم بسجن بعضهم مما يؤدي إلى تفاقم أوضاعهم بصورة أسوأ، واتهام الفلاحين والثوريين المتواصل لتولستوي بالنفاق لأنه يدعو إلى التخلي عن الملكية بينما هو لم يفعل ذلك. في الواقع تخلى تولستوي عن الملكية كاملاً لصالح أسرته لكن كثيرين اعتبروا الأمر مجرد حجة لتخليص نفسه من المسؤولية. وجود هذه الاتهامات باستمرار مع قابلية تولستوي لجلد ذاته عقدت الأمر بشدة. نتابع في الجزء الأخير من اليوميات تفاقم حالة صوفيا النفسية بشدة، ونصل إلى استنتاج مؤكد بإصابتها باضطرابات شديدة في الشخصية. استشارت العائلة فعلاً بعض الأطباء، وسقطت صوفيا فريسة لوساوس وشكوك رهيبة إلى درجة أن اتهمت زوجها بضلوعه في علاقة شاذة مع صديقه تشيرتكوف! حوَّلت حالة صوفيا النفسية حياة تولستوي إلى جحيم حقيقي حيث لم يعد من الممكن إجراء أي حديث عقلاني معها. يدرك القارئ بسهولة كل ذلك رغم تحامل تولستوي الشديد على نفسه، لكن مرض صوفيا في الفترة الأخيرة كان شديد الوضوح بطريقة لا يمكن إنكارها لقارئ اليوميات.

• تقول صوفيا في يومياتها :” إني لا أصدق طيبته وحبه للبشر. أنا أعرف مصدر جميع أفعاله. إنه حب المجد والمجد المحموم والنهم بلا حدود ” ، هل تكشف لنا اليوميات سعي تولستوي نحو الشهرة والمجد على حساب علاقته مع أسرته؟

شهوتان عذبتا تولستوي فترة طويلة: الشهوة الجنسية والكبرياء. الأولى ضعفت تدريجياً بمرور الوقت وتغيراته الجسمانية، أما الثانية ظلت تعذبه طوال العمر. يبدو هذا واضحاً بشدة في مونولوجات تولستوي الطويلة التي يجلد فيها ذاته بعنف. ندرك منها حقيقة تعطشه إلى أن يصبح شخصية مهمة وفارقة وإدراكه لمدى فرادة شخصيته وأدبه وأفكاره، ورغم ذلك أدى هذا الإدراك تحديداً إلى درجة هائلة من التواضع. بقدر اكتشافه لمواطن الكبرياء في نفسه، انتهى به المطاف إلى التفكير باعتدال وتواضع وإدراكه لفكرة أن عليه أن يفعله ما يتوجب فعله وحسب، دون التفكير في عواقب وآثار أفعاله، وبالتالي لم يكن يفكر في أنه أديب مهم أو يرغب في الشهرة، بل إنه أنكر أهمية تلك الأعمال التي جلبت له الشهرة مثل الحرب والسلام. على النقيض من ذلك، أدت فرادة إدراكه لعمل شهوة الكبرياء بداخله إلى الانسحاب تدريجياً من الأضواء، ورغم ذلك حقق مكانة هائلة في روسيا والعالم إبان حياته، ظلت آثارها تطارده حتى يومه الأخير، ومع كل شعور لحظي بالسرور بهذه الشهرة ينخرط أكثر في نوبات جلد ذات شديدة.

• يقال إن تولستوي كانت له نظرة متدنية للمرأة هل تكشف اليوميات بصورة واضحة هذه النظرة ؟ 

نعم… تكشف اليوميات عن نظرته للمرأة بصورة شديدة الوضوح، كما تكشف أيضاً عن نظرته إلى العلاقة الجنسية ونفوره الشديد منها.

• من خلال هذه ” اليوميات” هل يكشف تولستوي للقارئ الظروف التي شهدت ولادة أعماله الروائية الكبرى مثل الحرب والسلام وآنا كارنينا؟

بقدر ماينخرط تولستوي في كتابة رواياته، يقل تدوينه ليومياته، والعكس صحيح. هذا يعني أن الفترات التي انشغل فيها تماماً بكتابة الحرب والسلام وآنا كارينينا لم يدون فيها إلا القليل من يومياته، وهي الفترة الطويلة التي يغطيها الجزء الثاني من اليوميات. ترصد اليوميات تطور تفكيره في أعمال أخرى مثل البعث والشيطان ولا مذنبين في هذا العالم والسند المزيف وأغلب أعماله المتأخرة ومسرحياته، كما ترصد بوضوح تفكيره في أهم وأشهر مقالاته، أما الحرب والسلام وآنا كارينينا فهما تقريباً غائبتان عن اليوميات.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك