اخبار العراق الان

حتمية الصراع المؤجل

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 حسين رشيد

طبيعة الفرد العراقي مرتبطة بعقد وصراعات تاريخية، غرستّها قيم وأفكار وأطماع متناقضة، وعزّزتها الصراعات الاستعمارية والعالمية للهيمنة على البلاد التي تتمتع بموقع جغرافي مهم وتنوع الثروات الطبيعية في مقدمتها مصادر الطاقة.

تلك الصراعات ولّدت صراعات داخلية، سواءً كان بين الشعب والسطات الحاكمة أو بين القوى السياسية في أي مرحلة سياسية. وثمة صراعات تقف على هامش صراع الشعب والسلطة، دينية، ومذهبية، وطائفية، وأيدولوجية، وقومية، عادة ما تكون السلطة طرفاً فيها أو سبباً في تأججها من خلال سياسية الإقصاء والتهميش للآخر المختلف مع السلطة ونهجها في إدارة البلاد. 

في ظل الصراع السياسي القائم منذ نيسان 2003 وتنوعاته المتغيرة مع كل مرحلة سياسية، تلوح بوادر الصراع الذي سيرافقها وهذا ما ألفناه منذ تشكيل مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة حتى هذه اللحظة، اليوم وبعد انتفاضة تشرين والحراك الشبابي ثمة بوادر وتلميحات للصراع القائم / المؤجل، والمتمثل بصراع العلمانية والقوى المدنية من جهة والتديّن بقواه الإسلامية بتنوعاتها المذهبية والعقائدية من جهة أخرى، وربما يكون هو صراع المجتمع مع نفسه فطبيعة المجتمع العراقي ليست متديّنة، نعم هناك انتماء ديني لكنه لم يك كما اليوم ومحاولات الجهات صبغ المجتمع بصبغات دينية ومذهبية معينة. 

في الأشهر الاولى من التغيير النيساني 2003 كانت ثمة محاولات لفرض التديّن المجتمعي من خلال ممارسات بعض الجماعات الدينية المذهبية في الأسواق العامة، ومؤسسات الدولة والجامعات ما اضطر نسبة كبيرة من الناس ارتداء جلجاب التديّن والذي بات فيما بعد وسيلة للتوظيف والكسب، فضلاً عن الصولات المتكررة على النوادي الاجتماعية والبارات ومخازن المفرد المختوم وإغلاقها، من ثم المساومة على إعادة فتحها، والتضييق على الحريات العامة ومحاولة تكميم الأفواه وتهديد كل صاحب قول ورأي مختلف مع التوجه الديني لكن ذلك العنف سرعان ما وجد ضالته بصراع طائفي ترك جراحاً غائرة في بنية المجتمع العراقي، الذي يحاول حتى اليوم مداواتها بشتى العلاجات والوصفات المدنية والعلمانية، لكن هناك من يأتي بين فينة وأخرى ويرش الملح فوق تلك الجروح.

بعد انتهاء الصراع الطائفي، عادت بوادر صراع العلمانية والدين من جديد، لكن بنشاطات غير معلنة ولا مكرسة ، إذ تم العمل على تبيان أن المدنيين والعلمانيين ليسوا سوى سكارى ومروجي فسوق وعصيان، وهم من أصحاب الأفكار الهدامة التي لا تنسجم مع المجتمع الإسلامي المحافظ الذي يفترض أن يكون عليه المجتمع العراقي كما يقول المروجون لتك الافتراءات، لكن لاضير إن يعم الفساد الإداري والمالي واللصوصية ونهب المال العام، والتجاوز على الأملاك الخاصة للمكونات العراقية الأخرى، لاضير من القتل والتهجير والتفجير المهم الحجاب ومنع المشروبات الكحولية حسب قولهم (الخمور). لاضير من إفلاس خزينة الدولة وتوزيعه هبات بين القوى النافذة والمتنفذة في السلطة، لاضير من قتل الناس وتشريدهم وسرقة أموالهم، لاضير من إفساد المجتمع عبر الترويج للمخدرات وحماية من يتاجر بها، لاضير من حماية صالات القمار والبوكر والملاهي الليلية، لاضير من كل ذلك ما دامت هناك أموالٌ تُجنى وأرصدة ترتفع وحسابات مصرفية تتكاثر في دول عدة.

العنف المرافق لصراع المدنية والتديّن، لن يقل ضراوة وقسوة عن العنف الذي رافق الصراع السياسي المتشعب، وما حدث في الحراك الجماهيري والشعبي ضد شباب تشرين دليل واضح على تلك القسوة التي صاحبها التخوين والقذف والإساءة للشباب واتهامهم بشتى التهم بل الأمر تجاوز ذلك ووصل إلى اتخاذ إجراءات إدارية بحق كل موظف شارك أو ناصر التظاهرات التشرينية وحتما أغلب هولاء ممن يقفون مع المدنية وسلطة القانون وإحقاق الحق، لكن حتماً ذلك لايرضي أي مسؤول ممثل لهذا الحزب وذاك الائتلاف فهم يعتبرون أن هذا الحراك والتظاهرات ضد المذهب وأحزابه، رغم إن طيفاً كبيراً من المتظاهرين من أبناء المذهب إذا ما تطلّب الأمر وعدنا إلى خلفية كل متظاهر ومطالب بحق العيش الكريم والقضاء على الفساد واستعادة الوطن من مخالب المفسدين والقتلة.

العنف في هذا الصراع أكثر تنظيماً ودقة، واستهداف القوى المدنية والعلمانية المعارضة لفكرة النظام الديني أو الدولة الدينية، إذ ستتوحد الرؤى والأفكار بين مختلف القوى المتديّنة وسيكون تحالف عابر للطوائف والمذاهب الإسلاموية، وتنتهي الخلافات الفقهية والأحكام الشرعية فيما بينهم، لأجل القضاء على كان مَن يؤمن بأن لكل إنسان حقه في اختيار طريقة العيش والتفكير التي تلائمه وتتماشى مع سلوكه الاجتماعي، لا أن يُفرض عليه ما لايريد أو يشاء.

سيتم استخدام كل الأسلحة التقليدية وغير التقليدية خاصة إن تلك القوى تملك المال والسلاح ووسائل الإعلام التي يمكن من خلالها تضليل جمهور واسع من الناس، خاصة أولئك الذي يقفون بالمنتصف بين طرفي الصراع. ناهيك عن النفوذ الواسع الذي تمتكلها القوى المتدينة في كل السلطة وبوجه الخصوص الأجهزة الأمنية المخترقة من قبل تلك القوى، لكن هذا لايعني إن الغلبة ستكون لها فنسبة كبيرة من أنصار وأتباع تلك الجهات يحركهم المال وفي حال شحته حتماً سيتجهون لمن يدفع أو يعودون خطوة إلى الوراء وينسحبون بهدوء.

ستحاول أطراف حزبية متنفذة في الدولة واسعة الثراء على إنعاش وديمومة هذا الصراع لأجل الابتعاد فترة أطول عن الصراع الحقيقي والمتمثل بالصراع الطبقي، حيث باتت الفوارق الطبقية والمعيشية كبيرة في المجتمع العراقي، طبقة تعيش في النعيم والبذخ والترف جلهم من الساسة، والنواب، والتجار، والموظفين الكبار ممن أثروا بالفساد والسرقة ، إذ كان بما يعرف بمشاريع الاستثمار او الكومنشنات والعقود والوهمية، وثمة رجال أعمال ارتبطوا بالساسة والأحزاب والشخصات المتنفذة، وسماسرة صفقات وعملاء لتمرير تلك الصفقات حكومياً ولصوص المال العام ومشاريع الاستثمار التي حوّلت الحدائق العامة والساحات إلى مولات استهلاكية أو مجمعات تجارية تمارس شتى أنواع غسل الأموال. وثمة طبقة فقيرة معدمة سلب حقها بالعيش الكريم والتنعم بثروات البلاد الكثيرة، طبقة تعيش بين فكي الفقر والعوز والحرمان، طبقة جعلوا من التجهيل وسيلة لابقائهم فقراء دون إرادة حقيقية، تكمن أهيمتهم في يوم الانتخابات فقط حيث يسمعون شتى أنواع الوعود وكلمات الشرف والقسم الديني والمذهبي بأن حالهم سوف يتغيير بعد الانتخابات لكن كل ذلك يرمى بعد غلق صناديق الاقتراع وتخرق الوعود، وتدنس كلمات الشرف، وتدفع كفارة عن القسم الديني والمذهبي، وتبدل أرقام الهواتف التي وزعت قبل الانتخابات، فهل ثمة فرصة للوثوق والائتمان بهكذا قوى وأحزاب متديّنة في الحفاظ على الوطن وكرامة الناس؟ 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك