اخبار العراق الان

درس تشرين ودرس كورونا .. إلى أرواح ثوار25 تشرين 2020

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

لقد وقعنا في الفخ … هكذا مزحتُ لما عرفت نتيجة فَحصِ الكورونا . فبعدعودتِهِ متعباً بعد رحلة عملٍ جلبَ ليَ أخي سجقَ العنبِ المحشوِ بالمكسرات المعدِّ بقريةٍ كردستانيةٍ بطريقةٍ توارثتها الأجيال ، قدمت له النومي بصرة لأُردِّد أسطورة العراقيات أنّه يُنقذ البحارةَ من التعب. كنتُ بلا كمامة، بافتراض أخي ذي مناعة بعد شفائه من كورونا قبل شهر. أَكلنا وَشرِبنا معاً والمسافة بيننا أقل من مترأكثر من ساعة، وهذا كلُّ مايحتاجه الفايروس ليغدرَ بضحية جديدة فقد كان أخي مصاباً للمرة الثانية ولاندري. سيطر الألمُ على كلِّ عظمٍ في جسمي من أطراف أصابع اليدين الى القدمين. بالكاد أرفعُ رأسي من الدِوارِ، فقدتُ التركيزَالطويلَ والشهيةَ ثم التذوقَ فالشم، في تدهورٍ سريعٍ . 

مطلعُ الكورونا في العراق فُجعنا بموتِ الأسطورةِ (أحمد راضي) فنحن في بلدٍ هشٍ ، ماتَ أحمد 58 عاماً، بعد أن سجّلَ هدفَ العراق الوحيدِ في نهائيات كأسِ العالم 1986 ، فبكى العراقيون بموتِه فرحتَهم النادرة التي ظهروا فيها على الشاشات العالمية وهم يضجون بالحياة والفرح بعيداً عن صور الموت والدم .موتُ أحمد ثم أبطالٍ آخرين ، جعلنا نستقبلُ إعلانَ أيّ إصابةٍ جديدةٍ ككارتِ إنذارٍ للخروجِ من ملعبِ الحياة. 

حجرت نفسي في البيت فالبنى التحتية في العراق متدهورة من لحظات الحروب العبثية للدكتاتورفي الثمانينيات والتسعينيات ثمّ العقوبات الدولية والحصارالخانق، لتتعرض بعد 2003 الى حروبٍ جديدةٍ تبدو بلا نهاياتٍ ، القاعدة والحرب الأهلية وداعش ، رافقها فساد أخطبوطي بألف ذراعٍ وذراع .المستشفياتُ بالكادِ تُواكبُ الإصاباتِ المتزايدةِ في متواليةٍ عدديةٍ لمرضى كورونا ، بل أنّ الأطباءَ والممرضين يفتقدونَ معدات الحمايةِ الشخصيةِ ، وعدد الوفيات بين المصابين تجاوزت حتى اللحظةِ عشرةَ آلافِ ضحية . 

بادرتْ صديقتي (رغد السهيل ) – على البعد – لإدارةِ الجزء الصحيّ لأزمتِنا ، فهي بروفيسورة مختصة بعلم الفايروسات والمناعة ، وكتبتْ بحثاً متفرداً عن أوضاع الكورونا في العراق. ربطتني بطبيب عراقي شاب يواصل مع طبيبات وأطباء آخرين الليل بالنهارلإنقاذ الأرواح ، وصف البروتوكول وترك متابعة حالتي لرغد ضمن حالات أخرى تتابعها لطلابها وعوائلهم ، فيما يتابع بنفسه الحالات خارج المستشفى مثلي لشباب تعرّف عليهم بخيمة الفريق الطبي في ساحة التحرير قبل عام . وتسلم أهل بيتي كلَّ يومٍ صندوق يضم السلطة والفواكه وحساء ووجبة رئيسة تعدّه صديقاتي أوالجيران أو أقارب زوجي أوبنات عمي أو أهلي ، فالاطعام أسهل ما على العراقيين . 

في يومه السادس بدا الكورونا يتسلّلُ الى روحي ،رُحت ُبشبه غيبوبةَ ، لكنِّي كنتُ أَعي وأنا أمسحُ دمعةً حارةً من طرفِ عيني أنّي تذكرتُ (هشام الهاشمي ) و(ريهام يعقوب) ، آخر من اغتيلَ من أولادنا . طافَتْ روحي على جنازتيهما ، منعنا الكورونا حملَهما على الاكتاف والطواف في ساحاتِ الاحتجاجِ وهزَّ نعشيهما سبعاً في مسيرةٍ حزينةٍ غاضبة .. الدكتور(هشام) باحثٌ أرعب الميليشيات المسلحة التي شلّت البلاد بالعنف والفساد، كشف عن سيطرتها على المنافذ الحدودية وآبار النفط قُتل رمياً بالرصاصِ وَهوَ بسيارته أمام بيتهِ وسط بغداد في 17حزيران 2020

تذكرت ابتسامة هشام فبكيتُ سنواتِهِ السبعةَ والأربعين وأولادَه الثلاثةَ وزوجتَهُ الشابةَ، فقد خبرتُ أن أكونَ أرملةً منكوبةً بإبنٍ يتيمٍ تائقٍ لأبيه عندما فخخت القاعدة في18 نيسان 2007 زوجي الأول والد ( أُسيد ) فقط لأنه طبيب . رشفتُ شُربةَ ماءٍ عليَّ أصحو ،فجاءَ صوتُ( ريهام) مثل كركراتِ رضيعٍ في حُلُمٍ ، تقول بلكنةٍ بصريةٍ محببةٍ، وهي تمشي بكامل أناقتها في تظاهرة حاشدة لشابات البصرة : احنا كِل اللي نريده ماي حلو بالبصرا… المدينة التي تتدفق من أنابيبها رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم ويعتمد كل العراق على اقتصادها ، تتدفق من صنابيرأهلها مياه مالحة ملوثة قاتلة . قُتلت (ريهام ) في سيارتِها في19 آب 2020 ، بثلاثِ رصاصاتٍ ، ياللجريمة عمرها 27 عاماً وثمانيةَ شهورٍ وتسعةَ أيامٍ . كانت طبيبةُ تغذيةٍ تديرُ مشروعَها الخاص، لكنها خرجتْ مع المحتجين يريدون وطناً حلواً مثلهم ..

( ريهام) و(هشام) خربا الصفقةَ ، التي أراد الظلاميون إعادةَ إبرامِها وهم يجرونّ خيطِ المظاهراتِ الى المطالبةِ بوظائفَ، فيما غادر المحتجون الى المطالبةِ بتغييرٍ راديكاليٍ داخلَ النظامِ معلنين إحباطهم من قدرة القوى الساسية على إدارة البلاد ، فتعرضوا للتعذيبِ وسوءِ المعاملةِ والخطفِ والاختفاءِ والاعتقالِ التعسفيِّ لممارستهم حقِّهم في التجمُّعِ وحريةِ التعبيرِ . 

اُصيب زوجي بالكورونا وهوَ يرعاني، وصارتْ لحظة إصابتهِ معقدة في عبورِنا لهذه الأزمة ، كان لزاماً أن نقطع قوته وسلسلة انتشاره كي لايصل الى ابني ، ولكن في جبهة بيتنا الذي صار بحاجة لمزيد من الجهود الاستثنائية لم يبق لنا من المكافحين لخوض معركتنا مع الكورونا غير فتى طري العود مصاب بالتوحد .

تعاونت الجهود من خارج البيت لتدعم ( أسيد) ، ففيما كان الشباب من أقارب وأصدقاء يؤمنون له الدواء والطعام كان يحضّر العصير والشاي ويُسخِّن الطعام بنفسه ويتركه بأوعية “دسبوسبل” بباب غرفة العزل مرتدياً الكمامة والقفازات . وحين احتاج زوجي الى الأوكسجين في مرحلة حرجة ، أوصل أحد الشباب جهازاً كهربائياً متطوراً (مزود الأُوكسجين) الى باب البيت ، ليتسلمه – قادماً من مكان أخر – طبيبنا الشاب ببدلته الواقية حاملاً الجهاز الثقيل على قلبه، عقّمه ونصّبه ،وأعتذرعن التأخير قائلاً : ” كان هذا الجهاز عند مُشافى سابق يسكن بمكان بعيد جداً عن مركز المدينة” . سمعته بعد ذلك من خلف الباب ، يتكلم مع ابني ويمزح معه ثم يقول : أسيد حبيبي تحتاج شي ؟ ولدهشتي فان ابني الذي تخونه ملكة التعبيركثيراً، ردّ بصوت شاب عابر للفتوة : ماقصرتوا … 

لقد نظم الشباب أنفسهم لشراء أهم مايحتاجه مصاب الكورونا في مرحلته الحرجة …وكان هذا التنظيم هو أبرز ماخرجوا به بعد خوضهم ثورة تشرين. 

مراسلة (السي أنْ أنْ) ، وثّقتْ قصتنا مع الكورونا ، ولما أوردت تعليقي : ” إنَّ العراقيين كَكُلّ يكتشفونَ قُوّتَهُم عندما يجتمعونَ ، ونحن نُنْقِذُ بعضَنا عبرالاتحادِ في وجهِ كوفيد 19، وليس بالتطلعِ الى جهات حكوميةٍ أو دوليةٍ ” علّقَتْ بِتعاطف في نهاية تقريرها ” هذا منظور مختلف لقصة العراق، أمة اشتهرت على الشاشات مع قصص الموتِ وسفكِ الدماءِ أكثرَ مما عرفت بجمالِ أهلِها الذين يقاتلون من أجلِ روحِ بلدِهِم “. 

(السي أنْ أنْ) ركنت التقرير في زاوية في صفحة الصحة ، ولم تبثه ضمن البرنامج المهم (Connect the world) فهي منشغلة بحُمّى انتخاباتهم القادمةِ، غيرَمعنيٍّة بصورةٍ لايظهرالعراقيون فيها بلا دماء أو لايبدون ضحايا تستنجد بسوبرمان اميركي لينقذهم. 

التنظيم الذي أكسبته ثورة تشرين للشباب والشابات، وللمجتمع العراقي كان واضحاً وهم يديرون أزمة الكورونا في البيوت بكفاح ومهارة، مما يشي بتمرين كبير، قابل أن يتحول الى قوة انتخابية منظمة ذات مطالب ديمقراطية قادرة على ابرام صفقة ، تحفظ الإطار الشرعي للدستور وتداول السلطة القائمة . 

يقول الباحث العراقي (حيدر سعيد ) في دراسة تحليلية هامة لاحتجاجات تشرين ، مموضعاً إياها في سياق الثورات العربية : ” إنّ احتجاجات تشرين هي الثورة الأولى في تاريخ العراق وماقبلها كانت انقلاباتٌ عسكريةٌ ، بكونها رؤيةٌ جماعيةٌ لتغيير النظام “. واستكنه رمزية توجّه المحتجين الى ساحة التحرير والساحات العامة بدلاً من التوجه الى القصور الجمهورية ومباني الإذاعة ووصفها بأنها محاولة لتأميم إسقاط النظام على يد الأمة العراقية للتخلص من عقدة إسقاطه على يد المحتل في نيسان 2003 .وركّز على أهمية تصدي النخبة لدمقرطة مطالب الاحتجاجات، يقول سعيد : ” في كل التجارب – بما فيها الربيع العربي – يفوزُبالانتخابات القوة الأكثر تنظيماً ” 

درس كورونا العظيم الذي سنخرج به هو أن نعتمد على تنظيم أنفسنا – كما نفعل متعددين بجماعات صغيرة في مواجهة الوباء – تنظيم تشترك فيه الجهود وتتوحد لخوض الانتخابات القادمة علنا نعثر على الأمل ( الآتي بلاوعدٍ ) الذي تتطلع له القلوب. 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك