اخبار العراق الان

علي جواد الطاهر.. الناقد المقالي

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

د. باقر الكرباسي

تحدّث العلامة المرحوم الطاهر عن طالبه سعيد عدنان حين قدم أطروحته للدكتوراه (الشعر والفكر عند العرب من أواسط القرن الثاني حتى أوائل القرن السادس) قائلاً :

(لقد اختار موضوعاً صعباً شائكاً متشعباً واسعاً، ولكنه لمقدرة خاصة أعرفها فيه جيداً، يلتقط بها المثل المناسب، ويقتنص الجوهر، ويستقصي الزبدة، بهذه المقدرة التي أعرفها جيداً فيه يلين القاسي والضيق والواسع، فهو من طلبتي النابغين في فصاحة الإيجاز التبليغ، إنه من طلاب البحث المثاليين الذين يحيلون قفص البرتقال الى قنينة واحدة من سائل سائغ شرابه، هو روح البرتقال بعيداً عن قشوره ونواه وأليافه). ماتقدم هو حديث أستاذ عن طالبه، والكتاب أقدمه للقارئ العزيز هو حديث الطالب نفسه عن أستاذه في كتابه الممتع (على جواد الطاهر الناقد المقالي) الصادر في سنة ٢٠٠٦ ب (١٢٣) صفحة من القطع المتوسط، يبدأ الأستاذ الدكتور سعيد عدنان بالحديث عن أستاذه الطاهر في المقدمة قائلاً :(علي جواد الطاهر ١٩١٩ _١٩٩٦ أستاذ ناقد محقق وأديب منشئ مؤلف، يلتقي عنده القديم بالجديد وينسجمان فكأنهما شيء واحد عنوانه الأصالة والإبداع، هو واسع المناحي متعدد الجنبات، وإنما تريد هذه الصفحات أن تقف على جنبتين هما :النقد والمقابلة الأدبية، وليس بخفي أنه بلغ بهما مكانة سامقة في الأدب العراقي الحديث، بلغ بالنقد أن صار القارئ والكاتب يتطلبان رأيه يحتكمان إليه فيما يصدر من آثار، وبلغ بالمقالة الأدبية أن صار كاتبها الأول في العراق، ولقد ظل حريصاً مدة حياته أن يمدهما بالزاد، وأن يتم لهما أسباب الاتصال بروح العصر)، بهذه العبارات الممشوقة الجميلة تحدث الطالب عن أستاذه، وأضاف أيضاً :(ولقد كان قوام هذه الدراسة بحثين :الأول :على جواد الطاهر ناقداً، وكان قد كتب في سنة ١٩٨٨ وألقي في جامعة الموصل سنة ١٩٨٩، ونشر فيما نشر من أعمال تلك الندوة، ثم عدت إليه بعد سنوات بشيء من الزيادة استدعاها ظهور آثار أخرى للدكتور الطاهر، والثاني :على جواد الطاهر مقالياً، وكان قد كتب في سنة ١٩٩٥ ونشر في مجلة الأقلام سنة ١٩٩٧، ولما كانت وشائج النقد والمقابلة الأدبية لدى الطاهر متصلة كان طبيعياً أن يجمع الباحثين إطار واحد وأن تكون لهما رؤية واحدة وأن يخرجا بدلالة على اتجاه فكره الأدبي) ص٢، ففي البحث الأول يتحدث الدكتور سعيد عدنان قائلاً :(أولى الطاهر النقد على أنه ميدان من ميادين وكان يرجو أن يتفرغ له، وأن يقتصر عمله عليه لكن الميادين الأخرى كانت لذيذة لديه أيضاً، فكتب المقالة الأدبية التي تترقرق فيها روح الشعر وله في ذلك (مقالات) و(وراد الأفق الأدبي) و(اساتذتي ومقالات أخرى) و (الباب الضيق) و (الباب الواسع)، وكلها تلتقي على ماينتظمها من الامتناع والإفادة عبر طراوة الصياغة وبراعة الإدارة) ص٥، وبعد شرح وافٍ وممتع عن مزيات الدكتور الطاهر يقول المؤلف :(النقد عند الطاهر فهم النص فهماً يتعدى ظاهره إلى مخبئاته مما يكوّن عناصر الأصالة لدى صاحبه ثم الإعراب عن ذلك الفهم ببيان رائع، وفحوى البيان الرائع أن يجئ النقد مصوغاً صياغة أدبية تجعله مقروءاً لذاته أي أن يبنى بناء المقالة الأدبية، والطاهر حريص أن تجئ ماقالته النقدية طرية قد توفرت على عناصر الإعداد الفني) ص١٠، ووجد الدكتور سعيد مبادئ عند الطاهر في كتابته لنقد نص هي :النص هو الأصل الذي يصدر عنه النقد، لاالنظريات، والجودة من أي أتت من الأدب القديم أو من الأدب الحديث، والصدق مبدأ مهم عند الطاهر، ويعده شرط الإبداع، وإنسانية المضمون ومعناه أن يكون النص مع الخير في سبيل الإنسان، والعمق، أي ينبغي أن يكون للنص آفاقاً واسعة، والمبدأ الأخير هو اكتمال الشكل الفني في الشعر و القصة أو في أي نوع آخر) ص١٧، وينتهي المؤلف الى أن :(الإبداع الأصيل والموقف الإنساني هو مايسعى نحوه الناقد الطاهر وهو مايتطلبه في النصوص القصصية إذ يعالجها بالنقد) ص٤٤، فلقد خطا الطاهر بالنقد الأدبي خطوات واسعة وأحلّه مكانة مرموقة في عالم الثقافة وجعل القراء ينتظرون مايكتب ويقبلون عليه ص٥٥.

وعن الطاهر المقالي كتب الدكتور سعيد بحثا رائعاً مفيداً يضعك أمام كاتب مقالة من الطراز الأول، فبعد أن يشرح ولادة المقالة الأدبية في الأدب العربي وتأثر العراقيين بالمقالة العربية في مصر ولبنان مع عرض أمثلة لمقدمات كتب ألفها الطاهر، يقول المؤلف :(وإذا كانت مقالة الدكتور الطاهر معتزة بشكلها الأدبي فلها أن تعتز كذلك بمضمونها ذي الرسالة الثقافية القائم على نقد ماهو فاسد وفضحه) ص٧٩، ومن خلال دراسة معمقة للدكتور سعيد عن المقالة الأدبية لدى الطاهر قسّم مقالاته على ثلاثة أصناف :مقالة الشخصية، ومقابلة القضايا، ومقابلة البوح، مع شرحها شرح نابغٍ يعرف مايكتب، وفي خاتمة الكتاب يقول الدكتور سعيد عدنان :(علي جواد الطاهر ناقد مثالي اجتمعت له الخصيصتان، ملكة الإنشاء، وملكة النقد وكان لابد أن تمتزجا وأن تفيد أحدهما من الأخرى وأن يمتد نسغ من هذه إلى تلك، فجاء أدبه متسماً بالروح النقدي كما جاء نقده مصطبغاً بالصبغة الأدبية، بل إن النقد والإنشاء هما اللحمة والسدى في فكره الأدبي) ص١١٥، عشت ساعات فرح وأنا أقرأ لاثنين من الكبار في النقد والمقالة، لروح الطاهر الرحمة ولأستاذي الدكتور سعيد عدنان الصحة والعمر المديد.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك