اخبار العراق الان

نص في المكان..سلام عليك أيها المشتل الميت!!

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

جمال العتّابي

سلام عليك يوم سجّلَ الزعيم عبد الكريم قاسم بيان ولادتك عام 1961،فبدأ تاريخك منذ لحظة الافتتاح، بستاناً للورد والأشجار، على مساحة تقدر بمئات الدونمات غرب مدينة الحرية، تنثال فيها باقات الزهور، ويورق الحب، حتى السماء توشك أن تشمّ ندى شذاها،

والعشاق خلف جذوع الأشجار يخشون من ضحكات العابرين ومن غفوة تهتك الأسرار. حتى الخطى إليك تحلم، ليتني أرى عينيك، أضم خلالها شجيرات الآس، وأتلمس أوراقك الندية، أدسّ أصابعي فيها. حناناً أيها المشتل، إذا ألقت الأغصان بخضرتها تظلل العشاق. 

في الربيع يرقّ الهواء، يضحى عليلاً منعشاً، ووهج الشمس ليس حاداً، ليصبح في مكنة المرء أن ينعم بقدر كافٍ من نعومة الشمس، في أية بقعة قضينا نحن طلاب المتوسطة؟ نهرع إليها مسرعين، يحدونا شغف دائم على المسرّات. ننتشر في الظلال تحت أشجار اليوكالبتوس. 

يبدأ شارع المشتل من أهم تقاطع في المدينة، الشارع الذاهب الى الشمال الغربي نحو الحرية الثانية يسمى شارع (باتا) ، والآخر القادم من مطحنة الجلبي، مدخل الحرية الرئيس، ماراً بدور العمال الفقراء وصغار العسكر، ثم ينعطف بقوس كبير يلف البستان و الدبّاش، ماراً (بالقلم طوزه)، يعود ليتصل بالشارع الذاهب الى الكاظمية.

في التقاطع مفاتن كثيرة، فضاؤه الرحب، أحاله إلى موقف للسيارات، فالساحة اصبحت مقصداً لكل ابناء المدينة، يقام عليها في العشرة الاولى من محرم، أكبر موكب للشعائر الحسينية، وفي إحدى واجهاتها أهم معلم في المدينة، هو ستوديو الشعب، ثم الفني، لصاحبه باقر قسّام، تزين واجهته الزجاجية صور الصبايا والشباب، بالأسود والأبيض، الاستوديو يضفي قدراً وافراً من الألوان والضياء والمهابة على الساحة المكتظة بسيارات الأجرة. شارع المشتل يخفق بالعمال والجنود أول الصباح، على جانبيه تنتظم بضعة حوانيت يمر بها العابرون نحو المشتل، إذ لا يجدون فيها ما يغريهم بالبقاء عندها طويلاً، في الشارع سكن عدد من المثقفين، كاتب القصة فائق العامري، وفاطمة المحسن، وشقيقها فرات، الذي سحبته الإنتماءات من ملاعب الكرة، إلى العمل الحزبي ونشاطات المنظمات الطلابية والشبابية، بعد أن ركدت في قلبه نبضات الكرة، وراح صوب سفينة عبرت به إلى أقصى شمال أوربا، هناك يتدفأ بالحنين، عيناه ترتعشان كلما لاح اسم مدينته، خلف النوافذ، انها عالمه المفقود، الذي ترك فيه ماركس وحيداً. 

في مقاهي المشتل شباب يتمردون على سكون الليل، يدخلون مبتسمين جذلاً، متطلعين إلى الحياة قبل أن تبدأ مواسم السبي والحرائق، المقاهي بيئة متواضعة، تنضح فيها أجساد الفتيان عرقاً بعد تمرين، أو لعبة مع فريق أخر، وتحولت إلى مقرات للفرق الشعبية(إتحاد جميل، الشعاع الذي غيرت ادارة الفريق اسمه، لان الشعاع فريق موجود في ايران، في زمن الشاه)، مقهى ابو ستار البصري، وعباس أبو عودة، اللاعبون الفتيان : حسين شهيد، غازي الأسمر، عامر نايف، فرات خزعل، نجم عبد الله جميل كردي، نعيم المشهداني، محمد غزاي، وعذراً للآخرين الذين لاتسعفني الذاكرة بإضافة أسمائهم، يتوسطهم شهاب العبدلي منصتاً وموجهاً، ومظاهر الحنكة والمرونة تعلو أساريره. هذه الوجوه أعرفها وأحسّ أني ساكن فيها. كحلم عابر غائم.

ليتني أفهم معنى صمتك أيها المشتل! حين بدأت المعاول تقطّع أوصالك، لا صوت منك يستغيث! ومن يغيث؟ هم يحبسون الماء، ويشنقون الأشجار، ويغرزون في لحمك الحقد، ثم يشربون نخبك! ماتت الزهور وإحترق البنفسج، والمدينة تهزها الأحزان، والدموع، والأرامل تبكي لوعة خرساء… 

ياله زمناً من جنون، وبلاداً تتضور جوعاً، وترحل عنها عصافيرها، وتصير بغداد مدينة العشق، قمامة مبخرة، ويجف الحقل الاخضر والبيدر، في بلاد تهرب من حرب وتدخل في أخرى، وما الحرب إلا جماجم منخورة، وضروع يابسة. 

يامشتل الحرية ألم تزل أوراقنا لديك؟ وضحكاتنا لها صدى فيك قبل أن تُهزم؟ مالي أرى وجهك شاحباً وفي عينيك جهشة بكاء؟؟ ألم يزل شباب وعوائل الحرية تشدهم اليك زنابق الأرض؟ أم انك نسيت حتى أسمك؟ وأضعت شراعاتك، في عصر الظلمات وزمن الأحقاد. 

متى تسترجع البلاد شكلها؟ ويسترجع المشتل خضرته؟ أكاد أشك! ودليلي أن المكان إستحال إلى تراب، الفؤوس هوت على الجذور أولاً، تقطعها، وقلّة منها فرّت هاربة من ساحة الذبح.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك