اخبار العراق الان

نقص الأعضاء في المحكمة الاتحادية العليا..هل يقف عائقاً أمام الانتخابات المبكرة؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 سالم روضان الموسوي*

كانت وما زالت الانتخابات المبكرة وبموجب آليات انتخابية جديدة مطلباً جماهيرياً ملحاً رغم خفوت جذوة الاحتجاجات ، وكان الهدف من هذه المطالب هو تغيير الطبقة السياسية التي لم تقدم شيئاً نافعاً للشعب وإنما أدت بالبلاد إلى التدهور نحو الهاوية،

إلا أن المشكلة تتجلى في كيفية إجراء ذلك ، لأن قرار تغيير الآليات الانتخابية بيد ذات الطبقة التي يسعى الشعب إلى تغييرها، لذلك حاولت وبكل السبل المتاحة لها بتسويف هذا المسعى الجماهيري، ومنها تعطيل إصدار قانون انتخابات جديد ومن ثم التنازع والاختلاف تجاه الدوائر الانتخابية وغيرها من الوسائل، كما أن تلك الطبقة ما زالت تملك ورقة أخرى لتعطيل إجراء الانتخابات، وهي تعطيل عمل المحكمة الاتحادية العليا بسبب تقاعد ووفاة عضوين من أعضائها ، وعندما سعت المحكمة الاتحادية العليا وبوسائل قانونية ودستورية صحيحة ، لاحظنا قوة الهجمة ضد ذلك المسعى وتوحدت تلك القوى مع بعضها، حتى إنها لم تُعر بالاً للمعايير القانونية والدستورية عند الهجوم على المحكمة الاتحادية العليا ، مما أدى إلى تعطيل عملها لغاية الآن ، وأرى أن هذا المسعى تهدف من خلاله الطبقة السياسية الحاكمة و المتحكمة بكل مفاصل الدولة إلى تحقيق عدة غايات تهدف إليها ، ومنها الآتي :

1. إيجاد مبرر وعذر لعدم إجراء الانتخابات المبكرة، لأن شرط إتمام العملية الانتخابية بحاجة إلى قرار بالمصادقة على النتائج من قبل المحكمة الاتحادية العليا على وفق أحكام المادة (93/سابعاً) من الدستور.

2. التخلص من الرقابة القضائية الدستورية على تصرفات السلطة التشريعية عند ممارستها لعملية التشريع، وقد اصدر مجلس النواب عدة قوانين خلال هذه الفترة لا يستطيع أحد أن يعطلها إذا ما صدرت على خلاف قيم ومبادئ واليات الدستور النافذ، وآخرها قانون معادلة الشهادات الذي أثار جدلاً واعتراضاً واسعاً من المختصين بما فيهم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لكن هذا القانون سيسري ويعمل به ولا يمكن لأي جهة تعطيله، ولربما سيحصل الساعين لتشريعه على الفوائد المرجوة منه خلال فترة نفاذه ، ويصبح لهم الحق المكتسب مع مخالفته للدستور ، لأن المحكمة الاتحادية العليا معطلة ولا تستطيع أن تنعقد وتنظر في طلب عدم دستوريته.

لذلك أصبحنا أمام مشكلة تعطيل المحكمة الاتحادية العليا لعدم قيام مجلس النواب بمهامه الدستورية في إصدار قانون جديد لها، كذلك لم ينهض بواجبه في إصدار تعديل لقانونها الحالي ، مع أن المشكلة قائمة وأثارها أصبحت وخيمة، ولابد من وجود حل قانوني ودستوري مستعجل يتولاه مجلس النواب، لكن وكما أسلفت ان التعطيل هو الهدف الأسمى لبعض القوى، والسؤال هو ألا يوجد حل قانوني أو دستوري حالياً لنتدارك فيه هذا النقص العددي في تشكيل المحكمة الاتحادية العليا لحين صدور قانونها الجديد أو تعديل قانونها الحالي؟، أرى إن الحل متوفر وموجود لكن لا أعلم ما هو السبب في عدم الأخذ به مع إني وفي أكثر من مناسبة أشرت إليه وسأعرض له في هذه المناسبة لعل المعني في حل تلك المعضلة أن يلتفت إليه ويفوت الفرصة على الساعين إلى تعطيل إجراء انتخابات مبكرة ، وسأعرضه على وفق الآتي :

1- المشكلة التي تقف حائلا دون إتمام عدد قضاة المحكمة الاتحادية العليا:

إن المشكلة تكمن في الجهة التي ترشح عضو المحكمة الاتحادية العليا ، حيث صدر قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 38/اتحادية/2019 في 21/5/2019 الذي قضى بعدم دستورية جزء من نص المادة (3) من قانونها رقم 30 لسنة 2005 وكان هذا النص يمنح مجلس القضاء الأعلى صلاحية ترشيح الأعضاء إلا إن المحكمة الاتحادية العليا وجدت إن هذا النص غير دستوري لأسباب ذكرتها في قرار الحكم أعلاه، وهذا القرار ملزم و وواجب الإتباع ولا يجوز إصدار تشريع آخر فيه ذات الحكم المطعون فيه، وبذلك توقف العمل في المحكمة بعد طلب أحد أعضائها الإحالة إلى التقاعد ، ثم وفاة عضو آخر . و فاقم هذه المشكلة تراخي مجلس النواب في إصدار التشريع الذي يسد النقص في عدد أعضائها، وهذه هي المشكلة الإجرائية التي تعللت بها الطبقة السياسية لغرض تعطيل وتسويف مطالب الشعب في احتجاجاته التي قدم فيها أغلى ما يكون وهي دماء الشهداء، هذه الدماء التي قدستها السماء وجعلت تهديم أقدس الأماكن أهون عند الله من إراقة قطرة دم واحدة، لكن ماذا نقول وهم يعلمون ذلك ، لكنهم وعن عمد يفعلون ما يعطل ما يحرك ويعالج المشكلات.

2- ما هو الحل للمشكلة: 

‌أ. إن ترشيح عضو المحكمة الاتحادية العليا كان من مجلس القضاء الأعلى بموجب جزء من نص المادة (3) من الأمر التشريعي رقم 30 لسنة 2005 المحكوم بعدم دستوريته بموجب قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 38/اتحادية/2019 في 21/5/2019 ، لذلك لابد من البحث عن نص قانوني بديل لبيان كيفية ترشيح أعضاء المحكمة الاتحادية العليا ، لكن يظن القائمون على الأمر بان المنظومة التشريعية العراقية خالية من هذا النص القانوني الذي يعالج المشكلة ، وفي هذه الفرضية التي ساقها هؤلاء القائمين فان أمر المعالجة يكون على وفق ما تقضي به الأحكام المماثلة التي نجد فيها الحل فإننا إما نعود إلى أقرب نص قانوني يماثل عمل المحكمة الاتحادية العليا، أو أن نعود الى المنطق الذي يقضي بان المحكمة الاتحادية العليا هي التي تختار من تراه مناسبً ممن تتوفر فيه الشروط القانونية ومن ثم ترشحه إلى رئيس الجمهورية لاصدار المرسوم بتعيينه، وإن نص في المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا، ما زال نافذاً في جزء منه والمتعلق بصلاحية رئيس الجمهورية باختيار أعضاء المحكمة الاتحادية العليا، والسبب في حصر الاختيار والترشيح للمحكمة الاتحادية العليا لعدم وجود نص قانوني يحدد من هي الجهة المختصة فيكون لها باعتبارها هي الجهة المعنية لأن الأصل في الأمور الإباحة، على أن تراعى الشروط الواجب توفرها في المرشح.

‌ب. في حال عدم التوجه نحو الحل سالف الذكر فان المنظومة التشريعية العراقية فيها النص القانوني الذي يسعفنا لإيجاد الحل، والمتمثل بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 223 لسنة 1991 الذي ما زال ساري المفعول ولم يتم إلغاؤه أو تعديله أو تعطيله بحكم من القضاء الدستوري، وهذا التشريع قد ألغى جميع النصوص القانونية التي تشترط فيمن يعين بمرسوم جمهوري أن يتم ترشيحه للتعيين من قبل الوزير المختص أو بناء على اقتراح منه، أينما وردت في القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة والأنظمة وقواعد الخدمة الخاصة وعلى وفق النص الآتي (استنادا إلى أحكام الفقرة (أ) من المادة الثانية والأربعين من الدستور . قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي أولا :- تلغى النصوص القانونية التي تشترط فيمن يعين بمرسوم جمهوري أن يتم ترشيحه للتعيين من قبل الوزير المختص أو بناء على اقتراح منه، أينما وردت في القوانين وقرارات مجلس قيادة الثورة والأنظمة وقواعد الخدمة الخاصة ثانياً :- ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ويتولى الوزراء المختصون والجهات ذات العلاقة تنفيذ أحكامه) وهذا النص القانوني النافذ والساري المفعول واجب التطبيق والالتزام به والعمل بموجبه لأن نص المادة (130) من الدستور العراقي قد اعتبرت جميع القوانين والقرارات التي لها قوة القانون سارية المفعول لحين إلغاءها أو تعديلها أو الحكم بعد دستورية وعلى وفق النص الآتي (تبقى التشريعات النافذة معمولاً بها، ما لم تُلغ أو تعدل، وفقاً لأحكام هذا الدستور)، وهذا النص القانوني النافذ يمنح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين قضاة جدد في المحكمة الاتحادية العليا لسد النقص الحاصل في عدد أعضائها ، وذلك للأسباب الآتية :

1. إن النص أعلاه منح رئيس الجمهورية صلاحية مطلقة في تعيين من يجب تعيينه بموجب مرسوم جمهوري دون الحاجة إلى أن يتم ترشيحه من جهة أخرى والمطلق يجري على إطلاقه.

2. قد يقول البعض بأن هذا يتعارض مع نصوص قانونية، والرد عليهم يسير لأن أي قانون صادر لاحقاً لهذا التشريع يكون هو الواجب العمل به على وفق قاعدة اللاحق ينسخ السابق والخاص يقيد العام، بمعنى إذا وجدنا نص قانوني أو دستوري يشترط وجود جهة تقوم بعملية الترشيح وهذا النص صدر لاحقاً للقرار 223 لسنة 1991 ، فانه بلا أدنى شك هو الواجب التطبيق، لكن في ما يتعلق بتعيين عضو المحكمة الاتحادية العليا لا يوجد أي نص يحدد الجهة التي ترشحهم لذلك يبقى القرار 223 لسنة 1991 هو الفاعل وهو الحاكم وهو وواجب التطبيق ، لعدم وجود أي نص يتعارض وأحكامه.

ومن خلال ما تقدم فان رئيس الجمهورية ما زال يملك الحل عبر ممارسة صلاحياته في تعيين أعضاء المحكمة الاتحادية العليا لأن القرار أعلاه ما زال نافذاً ويبقى هو صاحب الصلاحية المطلقة في ذلك، وعليه يقع عبء إنقاذ العلمية السياسية وتحقيق مطالب الشعب لأنه هو المكلف بحماية الدستور على وفق أحكام المادة (67) من الدستور. وهذا بعض من الوفاء للدماء التي أريقت من أجل تحقيق المطالب الشعبية. وعليه أن لا يلتفت إلى محاولات المعطلين والمعرقلين لإيجاد الحل لهذه المشكلة من أجل إطالة أمد بقاء هذه الطبقة السياسية في سدة الحكم، حتى وإن استعملوا سبلاً في ظاهرها قانونية لكن في جوهرها باطلة ومعدومة الأثر لمخالفتها لا بسط قواعد الفقه القانوني الدستوري والإداري وقد أفاض المختصون من فقهاء وشراح في بيان ذلك تفصيلاً، وفي الختام أتمنى على السيد رئيس الجمهورية أن يتولى زمام المبادرة القانونية والدستورية في ممارسة صلاحياته للوفاء بالتزاماته الدستورية نحو بلدنا الجريح ومن أجل مستقبل أجياله القادمة.

* قاضي متقاعد

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك