اخبار العراق الان

باليت المدى: هل يعرفنا الجيل الجديد؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 ستار كاووش

هل يعرفنا الجيل الجديد؟ وهل إطَّلَعَ على ما ننتجه ونقدمه بطريقة مناسبة؟ وأقصد بالجيل الجديد، الشباب الذين في العشرينيات من أعمارهم. هل شاهدوا أعمالنا، نحن الرسامين الأكبر منهم سناً؟ هل تأملوا تقنياتنا وفكروا بالطرق والأساليب التي نتبعها في إنتاج أعمالنا الفنية؟

لا أعرف الجواب بالضبط، لكني متأكد أنهم مع وجود مواقع التواصل الحديثة والانترنت وعصر الصورة والفيديو، بإمكانهم القيام بذلك بسهولة، بل وأكثر مما أتوقعه شخصياً. لكن من جانب آخر، ربما يحول انشغالهم بعوالمهم الخاصة دون اهتمامهم بالفن والثقافة (التقليدية) التي عرفناها وتربينا عليها. 

نحن نحتاج بشكل عام -كما يتطلب الفن أيضاً- جمهوراً يتفاعل مع ما نقوم به، نحتاج لروح فتية تَطَّلِع على أعمالنا، وإلّا لماذا نرسم لوحاتنا؟ هل نرسمها لأجيال مضت؟! أم نقوم بذلك لِنُري لوحاتنا لبعضنا فقط؟ لكن كيف يمكننا الوصول الى هذا الجمهور؟ كيف نحرك المياه الراكدة التي وضعها فرق السنوات بيننا؟ كيف نمسك معولاً ونحطم قالب الجليد الذي يفصلنا عن بعض؟ أعتقد أن الأمر يتعلق بالجانبين لردم الفجوة التي تكبر مع الزمن وتتسع مع تطور الوسائط الحديثة. 

في السابق لم يكن لدينا انترنَت، لا غوغل ولا يوتيوب، لم يكن هناك وجود لفيسبوك أو تيويتر أو واتس أب، وكنا نبحث في بطون الكتب والمطبوعات لنستقي معلوماتنا. كنت أذهب وأنا صغير في بغداد لإفتتاحات المعارض كي أرى الرسامين أولاً، وأتأمل شخصياتهم التي رَسَمتُها مسبقاً في خيالي وأضفيتُ عليها الكثير من اللمعان، نعم كنت انظر وأتطلع عن قرب الى الرسامين أولاً، بعدها أشاهد لوحاتهم على مهل، كنت أحاول معرفة إن كانوا ناساً اعتياديين مثلنا نحن البشر العاديين. أتذكر كيف كنت انظر الى رافع الناصري ومظهره الأنيق واستمع الى لكنته المميزة. وأراقب وليد شيت بهيئته الضخمة وملابسه التي تذكرني بمغني الريف الاميركي وشعره الأشقر المجعد الذي يمنحه شكل التماثيل الرومانية، أو محمد مهر الدين وهو يقف وسط المعارض واثقاً بقامته المتوسطة وشخصيته القوية، بينما حقيبته الصغيرة التي يمسكها من إحدى زواياها تتدلى بين أصابعه، أما نظارته الأزلية فيرفعها لتستقر فوق شعر رأسه وتمنحه مظهر المنشغل اللا أبالي. ولازلت أتذكر أول زيارة لي للأكاديمية وأنا طالب في المدرسة وكيف أذهلني ماهود أحمد بمعطفه الطويل المربوط من وسطه بحزام على طريقة همفري بوغارت، فوقفت متسمراً أراقبه من خلف زجاج النافذة وهو يتحرك في قاعة الرسم بين الطلاب، بينما استقرت سيجارته بشكل جانبي على طرف فمه. كل شيء كان حقيقياً وثابتاً وأنا أرى أنصاف الآلهة أمامي. وكنتُ اعود بعد كل زيارة من هذا النوع لأنعزل بنفسي وأفكر طويلاً بهؤلاء الذين كنت اراقب هيئاتهم وتحركاتهم وطريقة حديثهم قبل لوحاتهم، لذا يمكنني القول إن أعظم هدية كنت أحصل عليها هي رؤيتي لرسام سمعت بإسمه واعرف شيئاً عن لوحاته، لأن كل واحد من هـولاء الرسامين الذي احببتهم كان يبدو صحيحاً وعالياً ومكتملاً. وكم تحسرت في فترة ما لأن سني لم يكن كبيراً بما فيه الكفاية لألتقي شخصياً بفيصل لعيبي وصلاح جياد قبل سفرهم من العراق. 

أتذكر كيف ارشدني استاذ الرسم في المتوسطة، الروائي عبد الخالق الركابي الى قاعة (معرض النشاط المدرسي) في باب المعظم، وكيف أن هذا الحدث قد غيَّرَ حياتي الى الأبد. يومها رأيت لوحات لِصِبيَة صغار بعمري أو أكبر مني قليلاً، كانت لوحاتهم بمستوى لوحاتي أو حتى أقل منها في بعض الجوانب. وهناك في تلك القاعة سألت نفسي (سأفعل كل ما بوسعي كي تعرض لوحاتي أيضاً في هذا المكان). مرت السنوات بعد ذلك وقدمتُ للقبول في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وحملتُ معي التخطيطات التي رسمتها في أوقات سابقة للرسامين والنحاتين العراقيين وبهيئاتهم المختلفة. وكانت مصادفة لم أتوقعها حين قام أحد أعضاء لجنة الاختبار وهو الفنان محمد غني حكمت بتصفح التخطيطات ثم توقف ضاحكاً أمام البورتريت الذي رسمته له وهو يعتمر القلنسوة، ليقول لي وهو يعرض التخطيط أمام عيون اللجنة ( هل يمكنني الاحتفاظ به؟ إنه رائع) ليكمل حديثه بعد أن وضع التخطيط على طاولة صغيرة بجانبه (سأذكرك بهذا التخطيط بعد سنوات) لم أفهم قصده وقتها، وتساءلت مع نفسي (أين وكيف سَيُذَكِّرني بهذا الرسم؟!) ولم اتوقع انه سيصبح استاذي وصديقى، وكلما تمضي السنوات كان يقول لي… (مازال التخطيط معي). 

والآن أعيد سؤالي الذي بدأت به: هل يعرفنا الجيل الجديد؟

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك