اخبار العراق الان

قناطر: الطريق الترابية تلك

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 طالب عبد العزيز

أطينَ الشارعُ الذي الى البيت، صار موحلاً أكثرَ، كان مطر البارحة غدقاً وثجيجاً، تلقفت الارضُ كثيراً من ورد الياسمين الاحمر المنسرح من الأسيجة، يتجنبه بعضهم، وآخرون لا يعنيهم من حمرته شيئاً. يقول ابني: كانت ألاقدام تعجنه، وكنت اسمع نداءه، فيما الممشى الضيّق ما زال يحدِّثُ بائعَ الآمال عن الذين لم تمهلهم المزاريب وقتاً لأوبتهم، فاتخذوا من ثيابهم وأكياس الخيش منجاةً لرؤوسهم.

احفظُ عن ظهر قلب الطريق تلكَ، أحبّها، وأعشق السير عليها في الليالي الماطرة بخاصة، هناك شيء من لطف وترفق تبعث به لقلبي، الطريق هذه أكثر آمناً من شوارع وأرصفة المدينة، فأنا لا أتفادى سوى الأغصان الندية، والسعف الرطب فيها، وهبْني تعثرتُ وسقطتُ، فهي أرفق بجسدي من الإسفلت، ملائكة وأصحاب كرامات لا حصر لهم سيضعون أيديهم تحت ركبي وأنا أسقط. وما العشب الغارق بخضرته بأقل منهم ترفقاً ورفقةً، هل أكتب سيرة للطريق ؟ ربما .

في التوصيف العام غالباً ما تكون الطرق الريفية في الجنوب وفي البصرة خاصة، عبارة عن شق ترابي بين النخيل، تتقاطع عليه جسور من الجذوع والأشجار، وبلا تفاصيل أكثر، هي هكذا، دائماً، لكنَّ الاستعمال اليومي لجمع القادمين والآيبين، من الفلاحين والمزارعين في الرحلة الأبدية، رحلة الغُدوّ والآصال، غير المنقطعين، لسنوات طويلة، لابدَّ أنهم أثثوها بعلامات ودوال، هنا وهناك، فصاروا يسمّون البداية والمنتصف والنهاية باسماء تواتروا عليها، وكذلك صنعوا مع الربع الاول أو الربع الاخير منها، وهكذا، صاروا يتوقفون في مفازة ما يسمونها، فيقولون لآخر ينتظرهم بانهم عندها، أو بعد الطوف، الذي يلي شجرة الخرنوب، او أنهم عند السدرة الشعثاء التي ببستان فلان، ويوماً بعد آخرَ أمست أجزاء الطريق كلها معلومةً، مسماةً في دائرة الطابو، وواضحة في بيانات البلدية والنفوس ودائرة الأمن أيضاً.

عبر مئات من السنوات استبدل أهل قرية عويسيان التسميات تلك، فما كان علامة عند نخلة ماتت اضطروا الى استحداث تسمية أخرى للمكان ذاك، وكلما هدّت الامطار سياج بستان ما ضاع أثرٌ في جغرافية الطريق، وعبر متوالية البناء والهدم والغرس والهلاك والحفر والردم … ازدحمت الامكنة هذه بعشرات الاسماء، ففي المكان، حيث أجلس الساعة هذه، كانت تداس الحنطة بحوافر الخيول والحمير، وليس بعيداً عنه كانت معصرة التمر(المدبسة) وعند رقبة النهر، حيث شجرة التوت العملاقة، كانت تربط اليها حبال قوارب نقل التمر وهكذا، أطلقوا اسم (المداسة) على مكان جمع الحنطة، وعلى محل عصر التمر(المدبسة) وعلى رقبة النهر (مربط المهيلات) ووو .

لا تسع الورقة تعداد اسماء الأمكنة التي لم يبق اليوم من رسومها شيء، فقد اختفت معالم الطريق، وتفرّقت التسميات، ولم يعد يتداولها الناس، انتفت الحاجة لها، بعد أن أزيح كثير من النخل والاشجار، وأقيمت الجسور الكونكريتية على الانهار، التي لم تحتفظ باسمائها أيضاً، فقد عّبدت البلدية طريق التراب بالاسفلت. قليلون هم أولئك الذين يعرفون اسم النهر الأول، نحن نسمّيه (الاردبة) أو أبو كناطر، والثاني اسمه (الوسطاني) والثالث (أبو الكشك) والرابع (خريبط) والخامس (الييريف) هل نسيت (الهويرة) نعم، فهي نهر منبتر، عليه املاك وبساتين بيت عبد الحليم، وبستان ملّا حمد، ويشرب منها بستان أحمد الورد. هل انتهت الحكاية؟ أبداً، ترى ماذا عن دراكيل العَمَّارَة الواقفين فجر كل يوم قرب بيت حجي معتوق، والمانحين ظهورهم حائط الطين ببيت (ابودريس) ؟ فقد طلعت الشمس عليهم، وعادوا لبيوتهم ، لا أحد يطلبهم لبستانه في كري وحراثة، فقد كان مطر البارحة غدقاً وثجيجاً . 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك