منوعات

سغبُ العواطف..رسائل علي جواد الطاهر إلى زوجته

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

د. جمال العتّابي

يعدّ فن الرسائل من أبرز الفنون النثرية في أدبنا العربي، وكتب عدد من النقاد عن أدبية النص، وإن أختلفت الآراء فيه، وأحياناً من دون تحديد للظاهرة،

فهناك نوع من الرسائل الأدبية تدخل في باب التأليف، لا باب المراسلات أو التواصل الشخصي، كرسالة الغفران لأبي العلاء المعري، ورسالة التربيع والتدوير للجاحظ، على سبيل المثال لا الحصر. وفي الأدب العربي الحديث، هناك محاولات تصدت بالدراسة لإشكالية هذا الجنس من الأدب، في أحد وجوهها قضية النشر، وهو ما حصل فعلاً مع (سغب العواطف)، إذ إعترض (أربد الطاهر) الإبن الأصغر لعلي جواد الطاهر من نشر الرسائل، رافضاً للأمر كله بحجة أنها أمور شخصية، لا يجوز إعلانها، لم يكن الموقف يسيراً أمام زوجته الدكتورة لقاء موسى الأكاديمية المتخصصة في الأدب العربي، لكن بقليل من الصبر إستطاعت من إقناعه بأن مضمون الرسائل يستحق النشر، ولاشيء فيها مايدعو للقلق، فصدرَ الكتاب عن دار الرافدين في بغداد 2020، أما إختيار العنوان (سغب العواطف)، فهو إجتراح لمصطلح ورد في إحدى رسائل الطاهر لزوجته فائقة، يشرحه بالقول : لا أدري لمَ حضرتني كلمة السغب بالذات، إنها لغوياً في غير مكانها، ولكنها فرضت نفسها، ولعلّها أفصح ما في اللغة، وأبلغ ما من البلاغة.. أي نعم، السغبُ العاطفي، السغب إلى الحبيب، ولفرادة هذا المصطلح،وهو في المعاني (الجوع)، إختارته لقاء عنواناً لجهدها في الإعداد والجمع والتحقيق. وضمن الإشكاليات الأخرى لهذا اللون من الأدب، توصف بعض الرسائل انها (مختلقة)، غير حقيقية، برأي بعض النقاد، مستمدة وفق هذا المنظور، نشير إلى( رسائل الأحزان) لمصطفى الرافعي، و(زهرة العمر) لتوفيق الحكيم، كما يثير إستعمال كلمة(رسالة) مشكلات عدّة، تتصل بدلالة الإستعمال، أو بحقيقة العلاقة بين التسمية والنص، الذي تطلق عليه، من حيث البنية والمضمون. ويبدو ان مصطلح(مكاتبات) هو أقرب للإستخدام في يومنا هذا. وهناك أمثلة عديدة لرسائل كتبها أدباء عرب أو أجانب، كرسائل جبران خليل جبران لمي زيادة، وأنسي الحاج وغسان كنفاني معاً إلى غادة السمّان، ورسائل جوليت داروت إلى فيكتور هيغو، وفي أغلب الأحيان لا يعلن عن الرسائل إلا بعد وفاة كتابها. 

ما كان في ذهن الطاهر، بإعتقادي، إختبار مهاراته في كتابة الرسائل، وهو ناقد الأدب الحديث الكبير، أو لينضم إلى قائمة الأدباء الذين كتبوا في هذا الجنس الادبي، أنما كتب الطاهر بعفوية مطلقة، وبتلقائية، وبساطة تتدفق حباً وسعادة وفرحاً تارة، وحزناً وألماً تارةً أخرى، الرسائل من طرف الطاهر لزوجته، لا توجد أية إجابة من فائقة، ضمّنها، قهره ولوعته وشجنه، ومطالبه، ورغباته، وتأهبّه للرحيل والسفر والبحث عن عمل، والمسارات الوعرة في الدراسة والتدريس، وشؤون العائلة والأولاد، والمكتبة، في الرسائل قصص للحب والضفاف السعيدة والأليمة معاً.

من سجايا الطاهر في الكتابة، أنه يرفض التعقيد والحذلقة، واللغة المقعّرة، أو الرطانة، انه من رواد الوضوح والرصانة والموضوعية، هكذا كان شفيفاً، صافياً، مفتوحاً مثل كتاب، فأية يد صنعت هذا السحر، ووهبته لهذا الانسان،؟ أيها الأستاذ الجليل الذي رفض المناصب والمال، وظل مؤمناً بمبادئه وقيمه، شجاعاً كريماً، أبياً، يذود عن كبريائه كلما واجه الحقد والكراهية، كلما أفضت له تهاويل دائه، لم يحن قامته، فظل شامخاً، يواجه القمع والتعسف، والأذى الذي لحقه، بفصله من الجامعة مع نخبة من أكفأ وانزه الأساتذة، بعد إنقلاب شباط 63، يذهب الى بيروت مكرهاً، ومنها الى السعودية للتدريس في جامعتها، ثم يلتحق به باقر سماكه ومهدي المخزومي، وشاكر خصباك، وغيرهم، كان يصارع وجده بالوطن، فيجد الوصول إليه عبر تلك الرسائل الرقيقة لفائقة، تنجيه من الوحشة، وطول السفر، كان يكتب لها بيد ماهرة، بمقاسات الأب والزوج، حتى لم يعد بالإمكان وضع حدود للكتابة تفترض المستوى الفني، إنها بوح يهفو لمغادرة بياض الورق والانتشار في الكون.

من المفارقات التي تضمنتها الرسائل، إن الشاعر بلند الحيدري أحد رواد الشعر الحديث، يكتب رسالة للطاهر يتوسله بإيجاد عمل له ولزوجته دلال في السعودية. إنه قدر رجال المعرفة والأدب في العراق، إنهم يرثون العذاب الكبير، في بلد الجروح والقيود، والجهل.

تقول لقاء : في الرسائل صورة للطبقة الوسطى العراقية، في نموها وتطورها، وتعرضها للقمع السياسي، وتبعثرها بين الهجرة، والنفي والسجون، إن الرسائل جديرة بأن تنشر ويحتفى بها، لأنها ترسم الحب والشغف الإنساني، لماذا يخجل الرجال في العراق من إظهار عاطفتهم تجاه زوجاتهم؟؟ يتساءل الطاهر، إنها صاحبة الزمان، والأمان، وملجأ المتوسلين وتضرعاتهم.

الطاهر يسترجع ما في بيته من تذكارات وأحلام ووجوه وكتب، في رسائل عديدة يطلب من فائقة المستعدة للإلتحاق به في الرياض أن تجلب معها :الكتب الموضوعة على الميز، كتاب البصير، وبالطبع لامية الطغرائي، وكتاب يوسف عز الدين، في المكتبة الصغيرة في القسم الارضي، اذا حصلت على “الفيزا”، فالسفارة قرب المسبح، الشارع المعاكس لبيت خالك قرب الفلكة….. ياريت تجلبين ستة “إستكانات”، ومن الشاي الذي جلبه سعيد.

كان الطاهر عقلية منظّمة، وذاكرة حادة، دقيقاً ملتزماً وحازماً، في الدرس والبيت، والوسطين الثقافي والاجتماعي، في الرسائل ما يوحي لمضامين شخصيته، مع انصاته الحميم، لكل ما يتصل بالجانب الإنساني من الحياة، فيجود الطاهر بوقفات مطولة، متأملة، في معاني الأبوّة والعلاقة بين الزوجين، كان يحتفظ على الأغلب بنسخ من رسائله، وكل كلمة يكتبها، مستخدماً الكاربون، يتحدث عن خطواته اليومية، ويدخل في أدق تفاصيلها.

إن خصوصية هذا الجهد أنه ينبض بالصدق إلى أبعد الحدود، صافياً، نقياً، بلازيف أو إدّعاء ومبالغة، لأنه حقيقة ماثلة بالصورة، موثّقة بملحقين، كشاهد لفن أدبي رفيع، أسبغ عليه الطاهر عذوبته ورقته، وذاته، بلغته الخاصة العميقة، ومفرداته الجميلة، ولابد من الإشارة إلى شجاعة و جرأة لقاء موسى في إستعادة هذا المنثور، ونشره، يضاف إلى كنز موروث علي جواد الطاهر المعرفي..

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك