منوعات

حاورته (المدى) حول منهجه النقدي..الناقد ياسين النصير: يشتغل منهجي النقدي ضمن فلسفة الصيانية والتدميرية

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

كما أن المكان في الأدب، ولاسيما الرواية، ارتبط باسمه. وجمع كتبه الثلاثة،” الرواية والمكان” الذي صدر في شباط عام 1980 و “الرواية والمكان” الذي صدر في مجلة آفاق عربية 1980، و” المكان في قصص الأطفال” الذي صدر عام 1986، في كتاب واحد. والسبب يعود إلى أن هذه الكتب الثلاثة، تشكل وحدة منهجية متصاعدة في الرؤية النقدية. إختارت المدى أن تحاور الناقد ياسين النصير الذي ولد في البصرة في أربعينيات القرن الماضي، وانتقل إلى بغداد عام 1970، التي ظل فيها حتى هجرته من العراق ليستقر في هولندا عام 1995، حول مسعاه النقدي هذا..

يضع الناقد ياسين النصير استهلالاً يبتدئ فيه حواره، حيث يقول:

لو لم تكن لدي اشتغالات جديدة على المكان لما أجبت عن أسئلتك، لأني قلت الكثير فيما يتعلق بدور المكان في الإبداع الروائي والشعري والتشكيلي والفلسفي والمفاهيمي، ولكن اشتغالي في السنوات الأخيرة على ثيمات جديدة للمكان، جعلني اكثر تخصصاً، فأسس لدي تصورات جديدة عن تطور مفاهيمي السابقة عن المكان التي ضمنتها كتبي وحواراتي، وفتحت الحداثة وما بعد الحداثة نوافذ جديدة للمكان وللفضاء على اشتغالات الرواية والقصيدة والرسم والنقد والحياة اليومية، وقد انتجت عدداً من الكتب النقدية التي تخص الشعر مؤخراً وكلها تعتمد منهجية النقد المكاني..

ويصيف: ومع ذلك، أحاول أن اجيبك حتى عن سؤالك التقليدي الذي سبق وأن أجبت عنه مراراً وبالتفصيل والتدليل دون أن يقرأ بما يؤكد أسبقية اشتغالي، وهو أن ما يخص العلاقة مع تصورات باشلار المكانية، فيها التباس القارئ من المكان الذي هو الثيمة المشتركة بيننا، و هذه مغالطة لمن يقرأني ويقرأ باشلار، وسأوضح هذا الإلتباس للمرة العشرين. ومع ذلك تقتصر أسئلتك على الرواية فقط، وأرى أن هذا الاقتصار يخل بالطرح الذي تريده أن يكون شاملاً عن المكان، فالمكان ليس للرواية فقط، بل هو كيان معرفي وفلسفي يغلف حياتنا ويكشف عن مستويات لحفريات مكانية وتراثية وزمنية، وأصبح أحد أهم الحقول التي تعين هوية الرأسمالية المتوحشة في الاستيلاء على ثروات العالم وهيمنتها على ماديات الشعوب والمعلومات، إضافة إلى قواه الذاتية في تغيير مسارات السردية والشعرية والمفاهيمية، وهذه الميادين للحقول المختلفة تصاحبها رؤى فلسفية عديدة لتصورات ما بعد الحداثة عن الأمكنة المركزية والأمكنة الهامشية، عن الدوائر الانثروبولوجية الست في العالم، وعن مديات اشتغال المعرفة الفلسفية والعقلية التجريبية عليها. 

يقول النصير: حقيقة عندما نفكر في المكان ودوره في صياغة الوجود تتضاءل الأشتغالات الأدبية فيه، وتصبح اشتغالات المعرفة والفلسفة وممارسات الحياة اليومية هي الأهم. أردت بهذه الملاحظة الاستهلالية التأكيد على أن اشتغالي في المكان ليس تأثراً بأحد ولا تقليداً لأحد، فأنا ابتدأت في الوعي النقدي به منذ كتابي”القاص والواقع 1975، ولكن المعارف – كما سأبين لك في هذا الحوار- تلتقي في المرجعيات اللاتشكيلية المشتبكة التي تولد نوعاً من التأثير المتبادل، فتحت عالمنا اليومي ثمة عوالم عميقة تجري تحت سطح الحياة وفيها مستويات لأمكنة مشتبكة متجاوزة الحدود واللغة والثقافات، والأفكار والحفريات، وأسال القاص الكبير محمد خضير عن هذه المستويات الجغرافية التي تؤثر في مسار حياتنا، وتمتلك لغة وشحنات أسلوبية ميزته قاصاً متفرداً في المسرود الفني.عندما تلتقي حكايات ألف ليلة وليلة بمد سكك حديد برلين بغداد، تستحضر فلسفة وأفكار سان سيمون الطوباوية في القرن الثامن عشر في فرنسا، وكيف تحقق ذلك المشروع على يد التقنية الألمانية والفرنسية، هذه ليست أمكنة بل مشاريع كونية تبدأ من أعماق الفكر التنويري وتجد تححقها إما ؛ على الأرض أو في الفضاء. وعندما يكون النفط ميدانًا لاشتغال مركبات الفضاء، ينظر اليوم للمكان ليس بوصفه جغرافيا باردة، بل سلطة، وقوة، ومادة، وتقنية، وعلوم، وفلسفة، وموارد، وهيمنة، وهوية.

• كتبت القصة وكتبت عنها، مثلما كتبت الشعر، ثم المسرح.. بل وحتى التشكيل، أين يشتغل منهجك النقدي بالإمتاع نفسه، في هذه الاجناس المعرفية.؟

– هذه البدايات ليست إلا تمارين، كنت انظم نفسي بها معرفياً، ولذلك لم استمر بأي منها كتابة أو منهج عمل يحدد هويتي، منذ البداية تعلمت النقد ورؤية الشك من عملي في التنظيم الشيوعي، من أن أي شيء يكون موضع تساؤل عن جدواه، وقد اعانتني القراءات الفلسفية المبكرة حول أهمية السؤال ليصبح دون علمي طريقة للفهم، لذا كانت قراءاتي وكتاباتي الأولى عبارة عن فرشة واسعة من الاهتمامات إلى أن وجدت نفسي بعد انتقالي من البصرة إلى بغداد حيث المسرح عروضًا وثقافة وتنظيماً وقبيلة من العاملين، وحيث للقصة والرواية والشعر والتشكيل أمكنة وشخصيات ومهرجانات وأعمال تشغل يومك وتشحنه بالجديد، هذه الأرضية الواسعة هي التي شكلت الخطوات العملية لي في أن أكون ناقداً محترفاً وحذراً حتى من التصريح بهويتي الثقافية. وقد أضافت بغداد لي رؤية لمعنى المدينة الحية، المدينة التي تقرأ فيها الرواية والقصيدة وفنون التشكيل، فكانت المكان الرحم الذي ولد بقية الأمكنة وولد الإحساس الشعري بها، وكان باكورة هذا الوعي كتابي”شارع الرشيد عين المدينة وناظم النَّصّ” وهو قراءة معرفية لمكونات شارع ولّد مدنًا من خلال السوق والعملة والنقد والتبادل والطرق والعلاقة مع العالم، وبموت شارع الرشيد كما نراه اليوم محتضراً وملفعاً بالقماش الأسود البكاء، ماتت بغداد الحداثة ونمت بدلاً عنها بغداد التخلف والخرافة والسوق المغشوشة والموت البطيء لأحيائها وطرقها وساحاتها ومعالمها وانحسرت أمداءها لتصبح ثكنات لقلاع السلطة بينما ساحاتها امتلأت بالقمامة والبضائع المغشوشة والمخدرات والعاطلين الأميين، ولن تجد المدينة المركز القديمة بل اصبحت بغداد مدينة الهوامش التي زحفت على سلطتها الاقتصادية والثقافية والسياسية واختفى السياسييون في ابراجهم وحرسهم المددج بالاسلحة والرشاوي التي تبتلع الارصفة والمساحات الخضراء ومعالم المدينة.

يشتغل منهجي النقدي ضمن فلسفة الصيانية والتدميرية، وهو منهج ماركسي البنية والاتجاه حيث التدميرية تعني البناء بعد التهديم، والصيانية تعني الثبات على القديم خاصة الطقوس والنَّصّوص، هذا المنهج لايُرى على حقيقته إلا عبر جدل الأمكنة وهي تصارع التحولات المآساوية التي فتتت مدننا العراقية لتصبح حدود العراق الخارجية حدوداً داخلية للمدينة العراقية نفسها، فتوزعت المناطق على الطوائف والقوميات والمناطقية، ووضعت الحواجز بين الازقة والمحلات، وامتلكت الشوارع والأرصفة من قبل عبيد المال السحت، وتذرّرت بغداد في هواء الدين واللصوصية والقومية، وتمزقت امداءها، وقضي على المساحات الخضر، وتقلصت ملاعب الأطفال، واستغلت لتصبح المدينة المبغى كما يصفها السياب، يتناوب عليها حكام فاسدون مستغلون ضعفها ودونيتها وحاجتها للحياة. هذه الأمكنة وحدها تشكل إدانة للسياسة الاقتصادية كي تبني رؤية لمنهج نقدي ثوري لو فهم المؤلفون أن نصوصهم الابداعية تبدأ عندما تنتهي الحكاية القديمة إلى الفشل لتبدأ الحكاية الجديدة، (نصف حياة- نصف موت)، نأمل أن يعي المؤلف أن إعمار الأمكنة يبدأ بعد تدميرها، فالظاهرة المفتتة تكون أكثر وضوحاً من الظاهرة المختفية وراء سلطة قامعة، نعم، الأمكنة تقود الوعي بالتغيير، هذا هو جوهر المنهج المكاني للنقد الذي سعيت إلى تثبيت اسسه في كتابي” نحو منهج للنقد المكاني”..

• يقول الناقد الراحل نجم عبد لله كاظم : “لا نبالغ إذا ما قلنا أن اسم ياسين النَّصّير ارتبط بالمكان، كما أن المكان في الأدب، ولاسيما الرواية، ارتبط باسمه.” هل كان المكان معيارك في كل ما كتبت من نقد؟

– نعم ، تشخيص الدكتور نجم في محله، فهو ناقد مؤتمن على حركة النقد وراصد ذكي لأبعاده ومنحنياته، وجهده لايمكن إغفاله في الدراسات الثقافية والأكاديمية، تأصيل البحث المكاني عندي فتح لي نوافذ معرفية ما كنت قادرًا الأطلال منها على الفلسفة والنقد الثقافي وحياة المدينة ومعرفة دور الجغرافيا المكانية والجغرافيا الروحية التي سيطر رجال الدين من خلالها على العامة من الناس، فامتلكوا البشر كما امتلك رأسماليو الصدفة الجدد أرض العراق وانهاره وخيراته، ارتباطي بالمكان يعني وجود طريقة لفهم الثقافة وهي تنبت أشجارها على جغرافيا معلومة، حيث اتاحت لي هذه المعرفة أن أبحث عن جذور الأشجار في التربة العراقية، عن تلك المرجعيات التي نقرأها كمصطلحات فارغة من التشخيص، في حين اتاح لي المكان أن أرى علاقة الرواية بجذورها العراقية وأن اقرأ القصيدة بما تحتويه من إحالات ورموز فالفلسفة ليست مقولات بل هي ممارسة مكانية تُنشِئها النَّصّوص الإبداعية، وها أنا استطيع أن اشخص النَّصّوص التي تثمر من تلك التي تموت قبل كتابتها، من خلال ارتباطها بالتجربة الشخصية الواعية بالأمكنة لوجود معرفي وليس كانتماء عشائري أو تملكي، وعي المكان يعني أن تكتشف طبقات للواقع الجديد مختفية تحت سطح الواقع المعاش، العمق، لتجد أن مخابئ الآثار والجثث والحشرات والألواح القديمة والمجرى الذي تسبح فيه الاشنات التراثية، قد شكلت خليطاً من المعارف والأفكار ما كان لي أن أجدها لولا الحفريات في الأمكنة بأدوات الحداثة. فالمكان ليس ثيمة ثابتة، بل هو تكوين فلسفي معرفي متغير تبعًا لقدرة الناقد على الكشوفات المعرفية التي يحدثها فيه، ولذلك تجدني اتخلى عن مفاهيمي القديمة كلما وجدت مفاهيم جديد يضيفها لي المترجمون والباحثون فالمنهج المكاني النقدي ببنية ثقافية متحركة وغيرثابتة ويمكن أن ينفتح على مديات مختلفة ليس قالباً جامداً من المفاهيم بقدر ما هو حركة في المفاهيم النقدية نفسها، من هنا يكون ارتباطي بالمكان ارتباطًا جدليًا لايركن لمقولات لا تتلاءم وسياق الحداثة.

• فـي دراستك لـ(باصورا) محمد خضير تقول: فالنَّصّ مكان «للتجلي – الذاتي للذات وللآخر» ولهذا فقراءة نَّص من هذا النوع هي احتفال فريد لكل ما يُضاء ويَظهر في عالم باصورا الواقعيّ. ما نقرأه هو جزء من بنية باصورا المختفية في حرفيات واقعنا اليوميُّ.” ثم تستدرك قائلاً: “يا لطاقة الخيال الماديّ للأشياء من إعادة تشكّيل الصور المحتملة لسيرة الأمكنة المتخيَّلة نصياً.”.. هل قصدت بذلك أن قراءته –أي هذا النَّصّ- وحدها تدخلك لسيرة الأمكنة المتخيَّلة؟ –

– من ينتمي لحقيقة النَّصّ يكتب سيرته الذاتية دون ذلك لا يمكنك أن تفهم الكيفية التي يُبنى النَّصّ بها، التعرف على سيرة المكان/النَّصّ، يعني الحفر المعرفي في تاريخ تشكله وبنيته الأفقية التي تحوله من الواقع إلى الفنية، الشعرية هي الطريقة التي تستخدم فيها أدوات البحث بطريقة علمية بمعنى إنك لا تستعير رؤية الآخرين ولا أدواتهم، فالحائك الماهر لاتتحدد خبرته بنوع الخيوط ولا بعدد الاشكال، إنما بالطريقة الفنية التي يحوك بها نصه ، فالمهاره ليس بعدد المعلوات بل بالطريقة الفنية، ولذلك لا يسمى العامل في معمل النسيج حائكاً، بل يسمى عاملاً ، لأن التقنية وفرت له طرائق الحياكة خارج خبرته الذاتية، بينما الحائك الشعبي الذي كل ملكيته نول واداة وخيوط يصنع بمهارته نسيجاً شعرياً كما يقول الجاحط عن حياكة النَّصّ ويؤكد هايدغر أن النَّصّ ليس إلا حياكة ماهرة للمعلومات، من هنا، وبهذه الطريقة المختبرة تكتب سيرة النَّصّوص التي هي كيفة العمل التقني اليدوي، وليس اللآلي. عندما يبنى النَّصّ بطريقة فنية هو تجل ذاتي للنص وللمؤلف وللقارئ، وهذه الطريقة النقدية وحدها التي تقودنا إلى المعرفة، التي نكتشفها في عالمنا اليومي البسيط، إن ما نقرأه اليوم من مفاهيم ليست إلا مفاتيح للأبواب الشعبية التي كانت البداية للمعرفة، كنت اخشى في طفولتي الليل لظلامه، ولكن ما أن يظهر القمر حتى تنبس المعرفة عن الظلام، من أنه كائن يزال بالضوء، عجيب أمر المعرفة، عندما تزيل الجهل كما لو كان ضياء قمر بمواجة ظلام الليل هو الذي يمارش دور الكشف، هكذا بدأت أعي أن الأمكنة إذا لم تصاحبها معك المعرفة الشعبية البدائية لا تنفع معها المعرفة العلمية وحدها، ثمة مصاحبة خفية بين العلم والبداهة. والسيرة الذاتية للأمكنة هي سيرة شخصية لها، ولن تكون هذه السيرة مقنعة إذا تخلت الأمكنة عن بداهتها الأولية، ليس كل وجهه الناقد للأمام، بل عليه ان يجيد الإلتفات للخلف من اجل تثبيت قدمه وهو يسر للأمام.

• تقول أيضاً: “فهرست باصورا يؤكد أنَّ كتابة السّيرة المكانيَّة تبتعد كثيراً عن السّيرة الذاتيَّة للمؤلف، هنا يتخلخل أول معيار للتجنيس، هل هي رواية سيريَّة نصيَّة؟ أم أنَّها سيرة نصيَّة للمكان،:.. مالذي توصلت اليه من ذلك.. ؟ 

– لي رأي في كتابة ومفهوم السيرة الذاتية، وهو مستل من الكشوفات المعرفية لمفهوم السيرة الذاتية، فالشائع أن السيرة الذاتية للمؤلف أو السياسي أو القائد العسكري هي المذكرات، والذكريات، واليوميات، وال S V ، والهويات الشخصية، والأفكار، والتعليم والأسرة والمواقع الإجتماعية والاعتبارية، أي الخط الأفقي المستقيم للحياة الذي ينظم حبات المسبحة الزمنة المعاشة للشخص منذ الولادة وحتى كتابة السيرة، وهذا الخط المستقيم لايبنى عموداً في الأرض التراثية، ولا يبني بيتًا قائمًا على مدامك عتيدة، ولا ينشئ غصناً مثمراً للمستقبل، بل هو حلقات دائرية تدور على شخصية مؤلفها وتقلب صفحات حياته المتشابهة. هذه ليست سيرة ذاتية، السيرة الذاتية كما يراها سلفرمان وهايدغر وغيرهما هي الفعل الإنتاجي للممارسة الحياتية للمؤلف في محطات حياته، أي دور الشخصية في الأحداث، وليست دور الأحداث في صناعة الشخصية، وهذا ينطبق على المؤلفين المبدعين، في سيرتهم الذاتية التي هي طرائق إنتاج تفكيرهم والكيفية التي نفذوا فيها مشروعاتهم الأدبية وليست عدد كتبهم ولا مذكرات اصدقائهم عنهم، ولا انتماءات أسرهم، ولا أمكنتهم التي تعلموا فيها وانتقلوا منها، السيرة الذاتية كنوع أدبي له قوائمه المعرفية، وهي الكيفية التي فكر فيها الشخص في المشاركة الفاعلة وإنتاج شيءٍ مميز خاص به، المؤلف قائد عسكري يعتمد خطة التكتيك المتغيرة ضمن خطة ستراتيجية شبه ثابتة ليجد نفسه مغيراً وفاعلاً في التكتيكات من أجل تحقيق الخطط الستراتيجية، وهذه الطريقة هي التي اعتمدها محمد خضير في كل أعمال وميزته عن بقية المؤلفين؛ من أنه لايضع ذاته كمؤلف، بقدر ما يكتشف عبر الشخصيات إن طرائق البحث والحفر في الأمكنة هي من تكشف له عن مستويات للواقع لم تر بعين عادية وسطحية، وهذه المستويات المطوية في الأمكنة المختبئة تولد لغتها، فمحمد خضير لا يفعل أكثر من تدوين تجربته الفنية ليكتشف باستمرار طرائق سرد جديدة، ثم يغيّرها إذا لم تؤد غرضها، هذا البحث هو السيرة الذاتية للمؤلف.

تجنيس السيرة نصياً يتم عبر ماعمله المؤلف من تغييرات على السيرة المكانية، فالمؤلف ليس مدوناً لتاريخ محتويات المكان، بل هو الفاعل الذي يجسد عملياً المتغيرات التي يحتويها المكان، وهذا الفعل هو الطريقة التي رأيت فيها كيفية اشتغال السيرة. تجنيس النَّصّ بحاجة إلى رؤية نقدية أخرى، غير ما هو متعارف عليه، فما عاد النَّصّ محتفظًا بجنسيته لأن الأبوين له لم يعودا ثابتين، بل هما متغيران، وهناك رؤية للنص الذي يتجنس بالأبوة المتبناة، أي أن تبني الأبوة هو الميدان الذي يجعل الشمس زرقاء تنتمي لرؤية المؤلف وتغاير رؤية الواقع، مع أن الزرقة ليست من بنية الشمس، فالنَّصّ مزاح عن الواقع، ولذلك لايتبنى أبوة الواقع، بل يتبنى الأبوة الفنية، وأن نبات عباد الشمس ليس وليداً لأبوة الشمس، بل أبوّته الأرض، ولكنها يغاير مسار ابوته الطبيعية ليتبنى أبوّة الشمس فتراه يتبع ضياءها، النَّصّ اليوم يتبنى أبوّة الانزياحات الفنية التي هي غير أبوّته الطبيعية الإيجابية، هي أبوّة التأويل، أي يتبنى الأبوّة التدميرية للبناء الطبيعي والتقليدي، الأبوّة التي هي ميدان المغايرة والاختلاف.

• كان المكان شغلك منذ كتابك (الرواية والمكان) في القصة والرواية والمسرح والموسيقى.. نسأل لماذا المكان؟

– كان التفكير قبل الرواية والمكان اول الأمر بالتاريخ الاجتماعي للأرضية التي ينبي الكاتب عليها نصه، كل شيء له تاريخه الذي تشكل فيه، ثم تطورت رؤيتي للبحث عن زمكان النَّصّ الداخلي، أي العلاقة بين المكان والزمان في بنية النَّصّ، التاريخ البشري كما يقول يوري لوتمان ليس سوى تمظهر خاص لمقولة الزمان والمكان وبما ان السرد بنية زمانية، أي أن الرواية والشعر والموسيقى، فنون زمانية، بينما المسرح والتشكيل والنحت فنون مكانية، وجدت أن تعاملي مع النَّصّوص هو الجمع بين هويتي النَّصّ الزمانية والمكانية، وهي الطريقة النقدية التي اعتمدتها في معالجاتي النقدية، فانت عندما تقرأ أي مقالة لي تجد الثيمتان الزمانية والمكانية ضمن معالجاتي، وهي ثيمة اثنانية وليس ثيمة ثنائية، والفرق كبير بين الثنائية القائمة على التناقض وهو ما طبع الفلسفة والثقافة الغربية وقامت التفكيكية في تشخيصها ومن ثم نقدها، وبين الإثنانية، وهي طريقة جاكوبسن”الذي قدم صياغة إثنانية للمقومات الصواتية (تفخيم/ترقيق…) التي يمكن أن تبرز تمفصلات مستوى العبارة في كل اللغات الطبيعية” (ص 16 سيمياء الكون). الزمكانية بنية اثنانية للنص، ولذلك تجدهما متداخلين في انضاج الفعل. وقد وضح جوزيف كيسنر في كتابة “شعرية الفضاء الروائي” الكيفية التي يكون الزمان فضاءًا ايهاميًا في الفنون المكانية، ويكون المكان فضاءً ايهامياً في الفنون الزمانية، بمعنى أن أي نص زماني أو مكاني لا يُغيّب البعد الآخر فيه، وانما يضمره في طياته وخفاياه ويجلبه من أمكنته البعيدة ويضعه في السياق العام للنص، ويصور ديفيد همفري في كتابه”حالة ما بعد الحداثة” في فصلين مهمين الكيفية التي ينضغط فيها الزمان في المكان والمكان في الزمان، وهو من سمات عالم ما بعد الحداثة. سؤالك لماذا المكان؟ لأنه يشمل كل شيء عندما تنظر لافعال الشخصيات حيث لا تجدها متحققة إلا في الزمكان، عندما تقرأ النَّصّ فالنَّصّ نفسه بنية زمكانية، اللغة فيه تشكيل فضائي كما يقول سوسير، ترتيب الجمل ترتيب مكاني،…الخ، وهكذا فالزمكان بنية شاملة تحتوي كل ما يتعلق بالنَّصّ، ولذلك تحول عندي إلى منهج نقدي لقراءة النَّصّوص مهما اختلفت أنواعها ومحتوياتها، ثمة نقطة مهمة وهي العلاقة بين الدال والمدلول، في الزمكانية لا تنفصل هذه العلاقة بحيث تكون شكلاً أي دالاً معزولاً أو تكون مدلولاً أي محتوى معزول أيضاً، لذلك لا أفصل بينهما، النَّصّ السردي الزماني مكاني، والنَّصّ التشكيلي المكاني زماني، فالواقع الذي يعيّن هوية المكان يستدعي الفضاء الإيهامي الآخر . خذ اية جملة سردية تجدها متحققة في الزمكان والعكس كذلك: جملة (دخل علي القاعة)، جملة بسيطة وساذجة، لكنها زمانية بحكم الفعل “دخل” ومكانية لأن الدخول لا يتحقق إلا في فضاء مكاني. لذلك لا تقرأ الجملة قراءة أحادية فالفعل دخل يقترن بمكان معين، فهي جملة “زمكانية” وهذا التعيين يجرد الفعل دخل من عموميته. لذلك لا أهمية لزمان دون مكان، ويكون الشعر رسمًا، والموسيقى شعراً، والمسرح حركة بصرية متحققة الوجود، كل ذلك يتم عبر جدلية الزمكان. ما يجمع بين الاثنين في النَّصّ هو الحركة الدينامية، ومنذ ديكارت، أصبحت الأمكنة والأزمنة جزءاً من حركة التنوير والحداثة ومابعد الحداثة، وغير مشخصتين بانعزالهما، بل مشخصتان بوجودهما معاً، الزمكان هو البنية الكلية التي تتجوهر فيهما المدارس النقدية المختلفة. لو دققت في أية نظرية نقدية أو فلسفية عبر التاريخ تجدها وقد ضمت فكرة الزمكان في منهجيتها الإجرائية، أدعك ايها القارئ أن تكتشف ذلك بنفسك، حيث تجد الزمكانية متغلغة في كل منهج نقدي دون أن تكون هوية إجرائية له. فالمدرسة الواقعية تتضمن الزمكانية، والمدرسة النفسية تتضمن الزمكانية، والظاهراتية تتضمن الزمكانية، والبنيوية تتضمن الزمكانية، والموضوعية تتضمن الزمكانية، والشكلية تتضمن الزمكانية، والتعبيرية تتضمن الزمكانية، والرمزية تتضمن الزمكانية، والتاريخية واللغوية كذلك..الخ، كما أن الأستعارة في مجالات عديدة تتضمن زمكانية،(الحالات أمكنة). والكناية تتضمن الزمكاية، والرمزية تتضمن الزمكانية…الخ،” يقول باختين:إن أعمالًا كثيرة مبنية مباشرة على زمكان الطريق واللقاءات والمغامرات التي تقع فيه، إن التزامن العارض واللاتزامن العارض في الظواهر مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بالمكان المحسوب قبل كل شيء، بالبعد والقرب (وبمختلف درجاتهما) “(اشكال الزمان والمكان ص 23-24). المختلف هو نوعية الرؤية النقدية التي تتعلق بطبيعة الأمكنة في النَّصّوص، فبعضها مستل من الواقع، وبعضها من المخيلة، والقسم الثالث من طبيعة الكتابة والرسم والفضاء. بمعنى أن أي مدرسة نقدية أو فلسفية لا تتخلى في تصوراتها الإجرائية عن أفعال الزمكان في مفاهيمها، فأي نص يبني كيانه في مكان ما، واقعي، افتراضي، تخييلي، تأويلي…الخ، يكون الزمكان متحققاً في الرؤية النقدية له، وهذا موضع شيق يستحق البحث التفصيلي فيه.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك