اخبار العراق الان

مَن يُخطط للاقتصاد العراقي؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 علي الشرع

لم يخطُ الاقتصاد العراقي خطوة واحدة الى الأمام في مضمار التنمية الاقتصادية على الرغم من الانفاق الهائل الذي أعقب سقوط نظام الطاغية؛ والسبب الأول لهذا الإخفاق هو أن نسبة كبيرة من التخصيصات المالية تم توزيعها على رقعة واسعة من المشروعات من أجل تحقيق التنمية الشاملة، والسبب الثاني هو نهب النسبة الأكبر من تلك التخصيصات من قبل أناس تصدوا للعمل السياسي من أجل النهب وقد نهبوا فعلاً على الأقل 460 مليار دولار من ثروات العراقيين.

والسبب الثاني يعرفه الجميع، ومن الممكن أن تستعاد تلك الأموال المنهوبة ونستفيد منها في إعمار الاقتصاد وتعويض السنوات الفائتة الضائعة لو توفر لدينا حاكم شريف نظيف. وما نريد أن نركز عليه هو السبب الأول؛ لأن الاندفاع نحو تنمية شاملة في بلد خرج من الحصار والفساد المالي والإداري في زمن الطاغية كان خطيئة كبرى لابد أن يتوقع منها الفشل والنهب، ولو كان لدينا خططاً احترافية ومخططون محترفون لما وصل الاقتصاد العراقي الى هذا الحال بعد 17 سنة على التغيير. وبعد أن وصلت سفينة العراق الى حد الغرق يتساءل الناس: مَن يا ترى يخطط للاقتصاد العراقي بحيث لم يستطع أن يرفع قدميه ويتقدم خطوة واحدة الى أمام طيلة هذه السنوات؟

المعلوم أن رؤساء وزراء العراق كانوا اثنين منهم أطباء واثنين أحدهم لديه شهادة في العلوم الإسلامية وآخر في القانون وثالث متخصص بالكهرباء وواحد يُقال إنه اقتصادي. وهؤلاء ليسوا كما في الغرب لديهم مستشاريهم من نخبة الاقتصاديين الاكاديميين الذين ينتمون الى أحزابهم وهم يرسمون سياسة الحزب التي تتعلق بالاقتصاد. والذي حصل لدينا أنه تم تشكيل هيئة مستشارين يتوارثها رؤساء الوزراء واحداً بعد الآخر، ولم يجرؤ أحد منهم أن يأتي بطاقم جديد من المستشارين حتى تتجدد روح الابتكار وتتولد رؤى جديدة، ولهذا ترى أنه لم يتغير شيئاً بل الانحدار نحو الأسوأ هو السمة التي يتميز الاقتصاد العراقي. ولا يعرف العراقيون من هؤلاء المستشارين سوى اثنين منهم يكتبون في الصحف والمواقع الالكترونية ويصرحون للإعلام. وتوجد بجانب هؤلاء المستشارين كل من وزارة التخطيط -الذي تضم أشخاصاً متخصصين في الاقتصاد وغير معروفين في الإعلام- ودائرة اقتصادية في الأمانة العامة لمجلس الوزراء مستقلة كما يبدو عن هيئة المستشارين، وهي تشبه في الاسم والوظيفة ما كان موجوداً في زمن الطاغية، حيث إن الطاغية لم يكن لديه مستشارون فهو كان يخطط لكل شيء. والسؤال هو أي جهة من هؤلاء المذكورين أعلاه هي التي تخطط للاقتصاد العراقي؟ وماذا يصنع رئيس الوزراء بهذه الجهات المتعددة التي يستند إليها في بناء رأيه لاسيما إنه ليس لديه معرفة بشؤون الاقتصاد؟ وعلى ماذا يستند رئيس الوزراء في رسم رؤيته لتنمية الاقتصاد العراقي؟

مثلا إن واحداً من هؤلاء المستشارين (وانضم له وزير المالية الحالي) يدعو دائماً الى قتل الدينار العراقي عبر تخفيض قيمته، وهؤلاء (ويعاضدهم عدد من الاكاديميين أيضاً في هذا الرأي) يظنون إن الحل في إخراج الاقتصاد العراقي من حفرة التخلف التي غاص فيها تبدأ من خلال تخفيض قيمة الدينار العراقي حتى تتنافس السلع المنتجة محلياً مع مثيلاتها المستوردة (وللعلم هذه الحجة في تخفيض سعر الصرف موجودة في الورقة البيضاء)، أو أن تخفيض قيمة الدينار سوف يقلل من الاستيرادات؛ لأن الأسعار المرتفعة بعد انخفاض الدخل الحقيقي سوف تكبح جماح الطلب وتزداد منافسة المنتج المحلي. مع أنه يمكن أن نستخدم وسائل أخرى تؤدي نفس الغرض وهي إما المنع الإداري أو رفع الضريبة الجمركية على تلك السلع المماثلة الى حدود بحيث لا يمكنها أن تنافس المحلية من دون اللجوء الى التحرش برفع الأسعار الذي يخلق اضطراباً في الأسواق ويرفع من مستوى عدم اليقين الذي سيخلق ردة فعل سلبية على التخطيط والاستثمار. ولا يمكن بطبيعة الحال قبول رأي من قبيل أن تخفيض قيمة الدينار التي ستؤدي الى ارتفاع الأسعارسوف تحفز على الإنتاج؛ لأن هذا يصح لو كان الارتفاع ناجم من زيادة الطلب وليس من خلال تخفيض قيمة العملة. 

ولكن الواقع أن اقتراح تخفيض قيمة الدينار العراقي ليس هدفه ما ذكر أعلاه بل الهدف منه هو تخفيض رواتب وأجور الموظفين حتى تصبح عائدات النفط كافية في زمن كورونا لتغطية الرواتب من دون الحاجة الى الاقتراض. ولو تفحصنا بدقة هذا الاقتراح لعلمنا أن من يقول بهذا الرأي هو متوهم، ولن يؤدي تخفيض قيمة الدينار الغاية منه في تغطية الرواتب بل إن الحصيلة هي صفر أي أن التخفيض سيكون مضراً ولا فائدة منه. ولنوضح ذلك بحساب بسيط. تقول الحكومة إن لديها 8 ملايين فرد بين موظف ومتقاعد ومسجلين على برنامج الحماية الاجتماعية وإن مجموع مستحقاتهم تساوي 6 مليارات دولار (6 تريليون دينار تقريباً)، وإن نصف هؤلاء- وهم 4 ملايين شخص -هم موظفون. ولكون الحكومة تحصل على 3 مليارات دولار كعائدات من بيع النفط، فأن سعرالصرف لابد ان يُخفّض بمقدار 50% (حتى نحصل على 6 تريليون دينار) ليهبط جراء ذلك سعر صرف الدينار الى 1800 دينار للدولار الواحد. لكن مع ذلك سوف لن تتحقق الغاية وهي مضاعفة عائدات النفط بالدينار لتغطي رواتب 8 ملايين فرد؛ لأن نصف هؤلاء وهم المتقاعدون والحماية الاجتماعية هم من الشرائح التي تحتاج الدعم، بمعنى أن الحكومة ستدعم وتعوض انخفاض القيمة الشرائية لرواتبهم بسبب تخفيض قيمة العملة لتبقى بنفس القوة الشرائية قبل التخفيض. أي بكلمة أخرى إن ما تحصل عليه الحكومة من تخفيض سعر الصرف وهو 3 تريليونات دينار ستذهب لدعم هذه الفئات ولتغطية غيرها من النفقات التي لن تتغير قيمتها الحقيقية في حال تخفيض سعر الصرف. وتكون بذلك الحصيلة صفر، إذن لا جدوى من التخفيض، وسيتضرر من جراء ذلك شريحة الموظفون، وستزداد الرشوة والفساد في حين تحاول الحكومة القضاء عليها.

إن الحكومات المتعاقبة تعيش في فوضى التخطيط الى درجة وصلت أن الحكومة لم تستطع ضبط حتى مبلغ الاقتراض المطلوب لسد العجز المالي، ومن حق المواطن أن يشك في أن الفرق بين المبلغ الذي طلبته وزارة المالية والمبلغ الذي تم التصويت عليه كان يُراد منه السرقة، ولم يفصح لنا البرلمان كيف تقلص المبلغ، وماذا كان يغطي ذلك الفرق؟ وبعد تخفيضه لم نستطع أن نعرف ما هي أبواب صرفه بسبب غياب الموازنة، ففي قانون العجز مجرد أرقام تشير الى أبواب مثل الاستثمار ولا نعلم على وجه التحديد ما هو هذا الاستثمار؟

إن بقاء الاقتصاد العراقي بيد غير المتخصصين يخططون له حسب أهواءهم يعني إن العراق كدولة ستذهب للهاوية.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك