اخبار العراق الان

وكالة المخابرات المركزية والحرب الباردة الثقافية 2-1

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 فرانسيس جين ستونر ساوندرز

البروفسور جيمز پتراس

ترجمة عادل حبه

يتناول هذا الكتاب تفاصيل عن كيفية اختراق وكالة المخابرات المركزية أو تأثيرها على طيف واسع من المنظمات الثقافية من خلال مؤسسات خيرية مثل مؤسسة فورد ومؤسسة روكفلر.

 

وتوضح الآنسة سوندرز كيف ولماذا تنظم وكالة المخابرات المركزية المؤتمرات الثقافية أو المعارض والحفلات الموسيقية. ولماذا تتولى أيضاً نشر وترجمة كتب مؤلفين من الذين يتبعون وصايا واشنطن، أو يؤيدون الفن التجريدي على حساب الفن ذي المحتوى الاجتماعي، وتقوم بالدعم المالي للمجلات التي تنتقد الماركسية أو الشيوعية أو أية سياسات ثورية في مختلف بقاع العالم، أو لتلك المجلات التي تتجاهل الممارسات المدمرة والعنيفة للإمبريالية الأميركية. لقد إستطاعت وكالة المخابرات المركزية احتواء بعض أكثر المفكرين المؤيدين للحرية صراحة في الغرب في مسعى لخدمة سياساتها. وتعاون الكثير منهم بوعي مع وكالة المخابرات المركزية، وسار البعض على هذا الدرب بينما امتنع آخرون. ولكن بعد التحول السياسي إلى اليسار في أواخر الستينيات وإندلاع حرب فيتنام، قامت وكالة المخابرات المركزية بالإعلان عنهم على الملأ.

تلقت دور النشر الأميركية والأوروبية المعادية للشيوعية، بما في ذلك “Partisan Review” و”Kenyon review New Leader” و “Encounter” والعديد من دور النشر الأخرى ، تمويلًا مباشراً وغير مباشر من هذه المنظمة. ومن بين المفكرين الذين تم دفع الرواتب لهم أو تلقوا الدعم من قبل وكالة المخابرات المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا، يبرز إسم إيرفينغ كريستول وميلفين ج. لاسكي وإشعياء برلين وستيفن سبندر وسيدني هوك ودانيال بيل ودوايت ماكدونالد وروبرت لويل وهانا أرندت وماري مكارثي وآخرين لا حصر لهم. وحرصت وكالة المخابرات المركزية ، وخاصة في أوروبا، على دعم “اليسار الديمقراطي” أو اليساريين السابقين، بما في ذلك إجناسيو سيلون وستيفن أسيسر وآرثر كيستلر وريموند آرون وأنتوني كروسلاند ومايكل ياسلسون وجورج أورويل.

وقامت وكالة المخابرات المركزية تحت قيادة سيدني هوك وميلفن ج. بتخصيص ميزانية لمنظمة “مؤتمر الحريات الثقافية”، وهي نموذج من طراز حلف الناتو “الثقافي” المكون من جميع أنواع الجماعات اليسارية واليمينة المناهضة للشيوعية”. وتمتع هؤلاء بكامل الحرية في الدفاع عن الثقافة الغربية وقيمها السياسية. وشنوا حملة ضد ما سمي بـ”الاستبداديين الستالينيين”، وتحدثوا بهدوء وبحذر شديد عن نظام التمييز العنصري للإمبريالية. وبادروا في بعض الأحيان إلى نشر مقال هامشي غير مهم لجماهير أميركا في مجلة ترعاها وكالة المخابرات المركزية. والغريب في هذه المجموعة من المثقفين المدعومين من قبل وكالة المخابرات المركزية أنهم لم يكن لهم انتماء سياسي، بل إلتزامهم بالبحث عن الحقيقة، وهم يتلقون هذا الدعم تحت ستار من الدعوات الإنسانية لمثقفين من ذوي التفكير الحر، أو لفنانين في خدمة الفن الذين يقفون في وجه المفسدين “الملتزمين” في المنظمات اليسارية! 

إنه لمن المستحيل تصديق الادعاء بأن لا علاقة لهؤلاء بوكالة المخابرات المركزية. فكيف يمكن تفسير صمتهم في جميع المجلات وعدم توجيه أي انتقاد لعمليات القتل التي لا حصر لها للسود في جميع أنحاء جنوب الولايات المتحدة طوال حياتهم؟ وكيف نفسر تجنب مؤتمراتهم الثقافية توجيه أي انتقاد للتدخلات الإمبريالية الأميركية في غواتيمالا وإيران واليونان وكوريا، هذه التدخلات التي أدت إلى قتل الملايين من الأبرياء؟ وكيف يمكنهم أن يقدموا تبرير عن أي جريمة امبريالية في المجلات التي يكتبون فيها؟ لقد كان هؤلاء جميعاً جنوداً: بعضهم تافه ومتعجرف، وبعضهم الآخر مثير للجدل مثل ملفين لاسكي وسيدني هوك! لكن هناك كتّاب آخرون طيبون مثل ستيفن سبندر أو جواسيس على الهامش من أمثال جورج أورويل. وتتحدث سوندرز في الكتاب عن “الشخصيات الأنجلو- ساكسونية البيضاء” (WASP) في وكالة المخابرات المركزية، وكيف سُمح للنشطاء اليهود اليساريين سابقاً بتشتيت اجتماعات الفئات اليسارية المعارضة. وتلافت وكالة المخابرات المركزية هذه الفضيحة عندما أنكشفت الحقيقة في أواخر الستينيات مما أثار غضب “المثقفين” في نيويورك وباريس ولندن جراء استخدامهم. ويوضح توم برادن، الذي كان يدير فرع وكالة المخابرات المركزية في المنظمات الدولية، أنهم جميعاً يعرفون جيداً أنهم يتلقون رواتبهم ويتمتعون بالمزايا من وكالة المخابرات المركزية. 

ووفقاً لبرادن، قامت وكالة المخابرات المركزية بتمويل نشر أدبيات المؤيدين المتحمّسين لوكالة المخابرات المركزية كورد ماير هوك وكريستال ولاسكي. أما فيما يتعلق بالمطبوعات المستقلة الأكثر الأكثر شهرة لـ”اليسار الديمقراطي” مثل (المواجهة ، القائد الجديد) ، فكتب برادن أنه تم دفع رواتبهم من قبل وكالة المخابرات المركزية، وتم تعيينهم محررين لـنشرة “المواجهة”. ويشير برادن أنه حتى عام 1953 كنا نشطين ومؤثرين في كل المجالات وفي كل منظمة دولية.

يقدم كتاب سوندرز معلومات مفيدة حول عدد من الأسئلة المهمة حول الطرق التي يدافع بها مثقفو وكالة المخابرات المركزية عن المصالح الإمبريالية الأميركية على الجبهة الثقافية. كما يثير الكتاب قضايا مهمة حول التداعيات طويلة المدى للمواقف الأيديولوجية والفنية التي ينادي بها المثقفون المؤيدون لوكالة المخابرات المركزية.

وتنفي سوندرز مزاعم هوك وكريستال ولاسكي بأن وكالة المخابرات المركزية ومؤسساتها الصديقة تساعدهم دون أي إلتزام منهم، وتشير إلى أن “الأفراد والمنظمات التي تساعدهم وكالة المخابرات المركزية يتم استخدامهم كجزء من الحرب الدعائية”. إذ أن الدعاية الأكثر فاعلية، كما حددتها وكالة المخابرات المركزية ، هي أن “أي موضوع ينبغي أن يعبر عن المُثُل العليا للكاتب، بحيث يبدو أنه ينبع من صلب أفكاره”. وتقدم وكالة المخابرات المركزية المساعدات السخية والتسهيلات في النشر للأفراد والمجلات المرتبطة بـ”اليسار الديمقراطي” عند التحدث عن الإصلاح الاجتماعي إذا كان يصب في إطار مناهضة الشيوعية ومناقشات أدبية ضد الماركسيين الغربيين والكتاب والفنانين السوفيت. ويشير برادن إلى ذلك على أنه “التقاء” بين وكالة المخابرات المركزية و “اليسار الديمقراطي” في أوروبا في النضال ضد الشيوعية. وشمل التعاون بين اليسار الديمقراطي ووكالة المخابرات المركزية حتى عند التصدي لإضراب عمال النقل في فرنسا، وتبادل المعلومات عن “الستالينيين” أورويل و هوك، والحملات السرية لمنع الاعتراف بالفنانين اليساريين، بما في ذلك الهجوم على بابلو نيرودا عند تسلمه جائزة نوبل عام 1964. إن وكالة المخابرات المركزية بإعتبارها ذراع الحكومة الأميركية، وجهت كل اهتمامها صوب أوروبا وشنت الحرب الباردة الثقافية بعد الحرب العالمية الثانية. لقد عارضت الغالبية العظمى من المثقفين الأوروبيين والنقابات العمالية النظام الرأسمالي، ولا سيما معارضتهم لهيمنة الولايات المتحدة، بعد ما يقرب من عقدين من الركود الاقتصادي وتراجع فرص العمل. وتبعاً لذلك، أعدت وكالة المخابرات المركزية خططاً من مرحلتين لمواجهة جاذبية الشيوعية ونمو الأحزاب الشيوعية، خاصة في فرنسا وإيطاليا.

فمن ناحية، كما توضح سوندرز، تم تشجيع بعض الكتاب الأوروبيين كجزء من تطبيق “البرنامج المناهض للشيوعية”. إن معايير المفوض الثقافي في وكالة المخابرات المركزية هي نشر “النصوص المناسبة” التي تشمل “توجيه الانتقاد للسياسة الخارجية السوفيتية وللشيوعية تحت ذريعة أن يكون نظام الحكم حقيقياً ومقنعاً وفي الوقت المناسب”. وكانت وكالة المخابرات المركزية مهتمة بشكل خاص بنشر أعمال الشيوعيين السابقين مثل سيلونه وكوستلر وجيد. ورعت وكالة المخابرات المركزية كونفرنسات الكتاب المناهضين للشيوعية وتحملت نفقاتها في باريس وبرلين وبيلاجيو (على ضفاف بحيرة كومو)، وقدمت الدعم للكتّاب المعادين للشيوعية. حيث أيد علماء الاجتماع والفلاسفة المحايدون مثل أشعيا برلين ودانييل بيل وتشيسلو ميلوش القيم والفضائل والحريات والاستقلال للمفكرين الغربيين تحت ستار معايير معادية للشيوعية ومؤيدة لواشنطن ولوكالة المخابرات المركزية. وبلغ الأمر حداً أن أي من هؤلاء المثقفين البارزين لم يجرأ على طرح أي تساؤلات حول المجازر في الهند والصين أو الجزائر، أو مطاردة المثقفين الأميركيين، أو مذابح السود في جنوب الولايات المتحدة على يد مليشيات كوكلس كلان.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك