اخبار العراق الان

أدْراجٌ هدسون: ميدان ما بعد الحداثي الحضري

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

د. خالد السلطاني

معمار وأكاديمي

قد يكون “معلماً”، ويمكن أن يكون “نصباً”، أو “منحوتةً”! لكنه، بالأساس، هل هو “عمارة”؟، هل هو “قطعة فنية”؟ تصميم؟ مكان تجمع؟ فضاء حضري؟.

ربما هو “نصف ثمرة أناناس”، أو على الأرجح هو “درج”، أو لعله “سلة عملاقة منسوجة” ومن المحتمل أنه “خلية نحل” وقد يكون “شيش شاورما”..

أيضاً! وفي الأخير إنه <لغز>! “- كثيراً ما يسألنا الناس، ما هذا؟ وما غايته؟”. يتذكر “ستيورت وود” S. Wood، من مكتب “استديو هيذرويك” Heatherwick Studio ، المكتب الذي صمم “الوعاء”، ويقول عنه بانه ليس عملاً معمارياً، وليس منحوتة وليس قطعة فنية، وفي الوقت ذاته فانه، كل هذا معاً”! ويضيف، فكرنا، في الحقيقة، من أن “الوعاء” هو نوع من تصميم، وظيفته الاساسية ستتجلى لاحقاً وبصورة طبيعية. نحن لم نقم بتصميم شيء مماثل في الماضي، ولا نعتقد باننا سنقوم بتصمم شبيه في المستقبل”!

أعرف بأن وقع كلماتي هذه على القارئ ستجعله في حيرة وارتباك وتتركه في حالة عدم فهم لما يجرى أو يُقال. والحق إن ذلك الالتباس والتشويش مرده تلك “الثيمة” الخاصة بذلك <العمل> الذي أُزيح الستار عنه قبل عام ونصف تقريباً، وأبانت هيئته جلياً للجمهور بالساحة العامة في “هدسون ياردز” Hudson Yards بالحي الغربي West Side في مانهاتن بوسط نيويورك، في يوم 15 آذار (مارت) 2019. وقد دُعيّ ذلك العمل بـ “الوعاء” (أو الإناء”) Vessel، وصممه كما أشرنا “استديو هيذرويك”، الذي اسسه المصمم البريطاني “توماس هيذرويك” (1970) Thomas Heatherwick ومقره في لندن. و”الوعاء” إياه، هو اسم مؤقت لمجموعة من أدْراجٌ أو سلالم مترابطة الواحد بالآخر، وتشكل هيئة قريبة من شكل الوعاء، ويكون عرضه في الأسفل بمقدار 15 متراً (50 قدماً)، ويتسع هذا الشكل ليمتد الى نحو 46 متراً (150 قدماً) في قمته. كما يصل ارتفاع هذا “الوعاء” الى 16 طابقاً ويتألف من 2.500 درجة (او “سُلّمة”) كما يتضمن 154 “قلبه درج” Flights ، وفيه 80 مُنـبـسَطاً (أو ما يسمى في بعض الأحيان “بسطة” أو “صدفة”) Landing. وفي حين تمتد أطوال تلك الأدراج لتصل حوالي “الميل” (1.6 كم)، فان موقعها يحجز أرضاً بمساحة حوالي 5 فدان Acre أي ما يعادل تقريباً (2 هكتار) من الساحة العامة في “هدسون ياردز” المحصورة ما بين “شارع 33 غرب” في الشمال، و”بولفار هدسون” و”شارع 30 غرب” في الجنوب؛ وما بين “بولفار هدسون” والافنيو العاشر” في الشرق، و”الافنيو الحادي عشر” في الغرب. 

وأود أن اتحدث، أولاً، عن أعمال “توماس هيذرويك”، ولو باختصار شديد، قبل أن اتناول عمله النيويوركي المثير. إذ يمكن القول بأن غالبية أعماله وربما جميعها مثيرة ومذهلة وتستدعي دوما النقاش حولها لمشهديتها ومخالفتها وعدم مألوفيتها! فبعد أن أنهى تعليمه الفني في “الكلية الفنية الملكية” بلندن Royal College of Art (RCA) سنة 1994، أسس مباشرة مكتبه الاستشاري باسم “استديو هيذرويك”، الذي يقوده الآن ويعمل معه بفريق تصميمي يتألف من حوالي 180 معمارياً ومصمماً ومنتجاً مبدعاً. وقد صمم قبل العمل النيويوركي المثير جناح بريطانيا في معرض شنغهاي الدولي 2010، الذي اعتبر من أجمل الأجنحة المشاركة في المعرض، وحاز على تقدير واسع وخطف جوائز محلية وعالمية مرموقة لعمارة الجناح ذات اللغة الاستثنائية! والمعروف بانه أيضاً مصمم “الجسر المتدحرج أو الدوار ” The Rolling Bridge في لندن سنة 2005. وكذلك “متحف زايتز للفنون المعاصرة” في كاب تاون، بجنوب افريقيا 2011.ويعود لمكتبه فكرة إعادة تصميم “الباص اللندني الكلاسيكي ذي الطابقين” (2010) بحلته الجديدة وبمزاياه من حيث الاقتصاد بالطاقة وزيادة السرعة. وهو مصمم أيضاً “الميدان الباسفيكي” (2005) Place Pacific في هونغ كونغ. والجامعة التكنولوجية في سنغافورة (2011) Tec. University in Singapore؛ وفي تصميم الأخيرة يواكب المعمار المستجدات التى طرأت على أساليب التعليم الجامعي الجديد، في زمن الانترنت والتكنولوجيا المتقدمة، ويقترح تصميماً لمجمع الجامعة خالياً من الممرات أو فصول وقاعات مغلقة، ويقترح مقاربة تصميمية مبنية على مفاهيم التجمع والاختلاط والتعاون، ويقدم حلاً لفصول دراسية مفتوحة تطل على منطقة تجمع مشتركة. كما يظهر إبداعاً لافتاً في اختيار غالبية تصاميمه التى ذكرناها والتي لم تذكر. وهو يجتهد في تحويل موضوعة التصميم العادية الى إنجاز غير عادي بابتكاره حلولاً مدهشة ترتقي لتكون استثنائية!

وبخصوص تصميم “الوعاء” النيويوركي، فان فكرة إيجاد “حدث” فني وحضري غير مسبوق في “هدسون ياردز” في نيويورك، تعود الى المدير التنفيذي للشركات المطوّرة للساحة السيد “ستيفن روس” S. Ross، حيث أراد أن يكون فيها (في الساحة) نوعاً ما من “نصب تذكاري”، يعمل بصورة متغيرة ومغايرة للمألوف. ولهذا فقد كلف خمسة مصمميين معروفين عالمياً (لم يذكر اسمائهم) لتحقيق هذه الرغبة، إلا أنه رفض جميع مقترحاتهم التى لم يجد بها ضالته. وفي هذا الاثناء أشار أحد موظفيه عليه أن يفاتح مكتب “هيذرويك” في لندن لهذه المهمة، وفعلاً تم الاتصال به. وبعد ستة أسابيع من المحادثة التى اجراها “المدير التنفيذي” مع “هيذرويك” قدم الأخير مقترحه الذي قبله “روس” فوراً، والذي عزا، فيما بعد، سبب قبوله السريع الى أن “التصميم تضمن كل ما كنت أريده!”. وفي وقت لاحق أخبر “توماس هيذرويك” مجلة “ديزاين بوم” Designboom، معترفاً بان بعض <أفكار> تصميمه <للوعاء> النيويوركي، تعود الى مرحلة طفولته، عندما “.. وقع في عشق تسلق سلالم خشبية قديمة مهملة، بالقرب من موقع مبنى مجاور لسكن عائلته”.

أشارت الصحافة الى تكليف “استديو هيذرويك” لأول مرة في اكتوبر 2013، وتم إشهار فكرة تصميم “الوعاء” بحفل عام حضره مئات من المدعويين بضمنهم عمدة مدينة نيويورك في 14 أيلول 2016. وبحلول شهر نيسان 2017، تم وضع أول قطعة ضخمة من “الوعاء” في الموقع بساحة “هدسون ياردز”، ثم تلاها البدء في وضع عشر قطع من مجموع 75 قطعة من المنحوتة الضخمة، التي تم عملها في إيطاليا وشحنت أجزاؤها بسفينة الى نيويورك. وانتهى من وضع القطع في قمتها في ديسمبر (كانون الثاني) 2018، وفي كانون الأول 2019 دًعي الجمهور، رسمياً، لاختيار اسم لهذا العمل المقام في “هدسون ياردز” بدلاً من اسمه الموقت “الوعاء” Vessel ، كما أًعلم بان المنحوتة ستفتتح يوم 15 آذار 2019، وتم التقيد بموعد يوم افتتاحها لاحقاً. ومنذ افتتاح “الوعاء” (الذي ظل “المعلم” الضخم يحتفظ باسمه الموقت هذا لحين الوقت الحاضر)، فإن الجمهور الزائر له ومشاهديه الكثر عن بعد، مابرحوا يتساءلون عن غاياته وعن مشروعية تنفيذه الذي كلف إنشاؤه حوالي 200 مليون دولار. إنهم في حيرة وشك لما يقدم لهم من مسوغات لبواعث وجود “الوعاء” هنا بتلك الساحة المشهورة في “الحي الغربي” بمدينة نيويورك. والأمر المثير للارباك بان تلك المسوغات المبررة لوجوده وتنفيذه ما إن تظهر للعلن، حتى تواجه من يناقضها، والأمر سيان فيما إذا كانت تلك المواجهة صادرة من مختصين (معماريين ومصممين ونقاد) أم من ناس عاديين! 

لنصغي الى ما يقوله “توماس هيذرويك” عن عمله المثير، وتعليقه عن ما كتبه الآخرون عن مشروعه “بالطبع سنشعر بالقلق، إذا لم يستفسر أحد ما ويسأل: ما هذا؟ لماذا يبدو على هذا النحو، ما جدواه؟. لقد قمنا بتصميم هذا المشروع للجميع لكل شخص من حولنا، وتلقينا استجابات رائعة! وبإمكان الناس أن يكتبوا ما يريدون، فنحن سعداء لحدوث ذلك!”. وفي مكان آخر صرح “هيذرويك” عن عمله “..علينا التفكير ملياً فيما يمكن أن يحمل “المعلم” Landmark من دلالات، ومايمكن أن يوحي به من رموز، إذ بمقدوره أن يمنح المكان طابعاً معيناً محملاً بخصوصية متفردة”. وفي حين أشاد أحد النقاد بعمل المصمم الانكليزي قائلاً عنه بانه “إضافة جريئة الى المشهد الحضري النيويوركي”؛ وصفته محررة صحيفة “الغارديان” بانه “تحفة فريدة من نوعها”! وقد وجد آخرون فيه عملاً “مبهرجاً” وبأنه ” مجرد درج يودي.. الى اللامكان!” ووصفه أحد كتاب صحيفة “شيكاغو تربيون”، بأنه “عملاً..متعمداً ومفتعلاً!”، ووصل الأمر بأن يصفه أحد النقاد بكونه “قطعة خردة” و “قذى للعين”!

ومع تلك التناقضات والأقاويل تبقى “أدْراجٌ هدسون” حدثاً فنياً مدهشاً ومثيراً في المكان التي تشغله. وعلينا التذكير بان “الوعاء” ليس مركزاً تجارياً أو مجمعاً تسويقياً أو فضاء ثقافياً، أنه في الاخير مساحة عامة، حيث يمكن للناس التمشي والاسترخاء والاستجمام والاستمتاع بمناظر المدينة من منصات نظر غير عادية وغير مألوفة. ويظل “الوعاء” يمثل استجابة (ولنقل <إحدى> الاستجابات!) لحل مشكلة حضرية في مدينة مكتظة بالسكان، التي فيها يصعب تخصيص، بسهولة، مساحات عامة مخصصة الى الاستجمام والترفيه والمتع. من هنا، من تلك الاستجابة، يمكنني، شخصياً، أن أصف “وعاء هيذرويك” وأدراجه العديدة بكونه تعبيراً عن مفهوم “ميدان حضري”، ولكن في.. زمن ما بعد الحداثة! فالتمشي فيه يجري ليس أفقيا كما هو معتاد وإنما يأخذ صيغة جديدة، هي صيغة الحالة “العمودية”.

لقد استطاع المصمم “توماس هيذرويك” وفريقه التصميمي أن يثير حول عمله المدهش الكثير من الاشادات الايجابية والعديد من الاقاويل السلبية، وكل هذا عمل على زيادة قيمة عمله ومنحته أهمية حضرية خاصة، جعلته ليكون مكاناً مفضلاً ومعروفاً يتوق الجميع (انصاره ومعارضيه) لزيارته ومشاهدته. ويظل التساؤل المشروع قائماً عن مرجعيات ذلك الشكل “الدراماتيكي” وعن خلفيات تصميميه. وفي هذا الصدد لا ينكر المصمم ذو الشهرة العالمية من القول بأن “مصدر” إلهامه الرئيس لعمله النيويوركي كانت “السلالم المًدرّجة الهندية”. ففي أثناء البحث والتقصي عن أشكال محتملة للمشروع المكلف به المكتب، اكتشف فريقه التصميمي أدراج “بانا مينا كا كوند” Panna Meena ka Kund في مدينة <عامر> Amer بولاية “راجستان” بشمال غربي الهند”. وهي سلالم مدرجة تحفر عادة بعمق كبير وتكون مساحتها واسعة. وتعد ممارسة بنائية منتشرة في الهند وخصوصاً في الأقاليم الجافة والقاحلة. ويدلل هذا الاعتراف الجريء من قبل المصمم عن أهمية الفعالية “التناصية” Intertextuality في إحراز عمل تصميمي مستجد حافل بالإثارة والدهشة. والأمر الذي يبعث على الاعتزاز والاعجاب بان النشاط “التانصي” هنا، جرى مع إحدى مآثر العمارة الهندية، (التى لطالما قُيمّت، كما هي مثيلاتها في مناطق أخرى من العالم <الثالث>، بكونها “عمارة بدائية أو ساذجة” Primitive)، لكنها، هنا، أبانت عن نتائج باهرة، وارتقت بقيمها التصميمية لتكون جزءاً من “سردية” عمارة.. مابعد الحداثة، بعد أن تم تأويل تلك القيم والعناصر وإعادة قراءتها من قبل مبدعين آخرين عرفوا أهميتها وقدّروا عالياً حمولاتها الرمزية ..والشكلية أيضاً! والحق إن ما قام به معماريو ومصممو المكتب الانكليزي في هذا الشأن، وما أظهروا من عمل “تثاقفي” واضح، يومئ الى ضرورة الاهتمام والعناية في دراسة تلك <العمائر> التي ظل ينظر اليها، لآماد طويلة، بكونها واقعة على تخوم (وربما خارج؟!) مجال “السرديات الكبرى” في تقييمات الثقافة الغربية واهتماماتها!

والمصمم “توماس هيذرويك” مصمم “الوعاء” النيويوركي، مولود، كما ذكرنا، في لندن في 17 شباط 1970. ومكتبه “استديو هيذرويك” يعمل مع مجموعة واسعة من مجالات التصميم، بدءاً من العمارة، والهندسة، والنقل، والتخطيط الحضري الى أعمال الإثاث والنحت وتصميم المنتجات. وفي اعتقاد “هيذرويك”، فان التنوع العريض من المهارات التي يتعامل المكتب معها، هي مواجهة ورد فعل “الاستديو” على “غيتوات” فكرية معزولة، تسعى الى فصل النحت عن العمارة وعن الأزياء وعن الأعمال المعدنية وعن تصميم الأثاث، وتتعاطى معها كاجناس فنية منفصلة. صمم المكتب عدة تصاميم في أنحاء مختلفة بالعالم، وحاز على جوائز وأوسمة تقديرية متنوعة من دول ومنظمات عديدة عن أعماله المميزة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك