اخبار العراق الان

النقد: لماذا يجب الوقوف مع ثورة تشرين؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

وأيضاً توقفت عند محطة ضرورة التغيير المجتمعيّ بعدَ أن صار الفساد، وإفساد المجتمع مؤسَّسةً مجتمعيَّةً قائمةً برأسها؛ فلا يمكن تخيُّل فعل سياسي، أو تصوُّر فاعل سياسي يريد أن يلج حقل الفعل، إلاَّ اِنطلاقاً من أن يكون فاسداً مُفسداً. ولكن حينما نكون أمام حركة مجتمعيَّة تقوم خارج المعادلات السياسية المُتعارف عليها، الشائعة والسائدة جداً، نكون أمام مواجهتها بوحشية وعنف لم يسبق لهما مثيلٌ.

[II]

وعلى ذلك: إنَّنا أمام ثورة في بِنيَة الثقافة المجتمعيَّة تتضمَّنُ معنى زحزحة فهم الوطن- والمواطن، والدولة على نحو بحيث هي تذهب إلى الاِعتراض- الاِحتجاج على الضدِّ من سرقة الوطن، ومصادرة الثورة، والثورة على الثورة. ومن جهة أن التغير المجتمعيّ، متى أُخِذَ من جذره، أي من بِنيَة الثقافة المجتمعيَّة، إنَّما هو مفتوح على التاريخ المجتمعيّ، في لحظة المستقبل التي من شأنه، فإننا أمام ثورة قد حدثت، ودخلت إلى الزمان المجتمعيّ، على هذا النحو أو ذاك.

[III]

إنَّ توضيح ذلك يتطلَّب التوقف عند مستوى فهم مفهوم الحركة المجتمعيَّة التي تقوم على الضدِّ من دولة قد بُنيت من خارج المجتمع. المجتمع وقد صار غريباً عن دولة تضبطه. إنَّ الدولة- الضبط المجتمعيّ، لا تنحصر بوصفها تنظيماً من الأعلى؛ بل هي يستحيل أن تقوم إلاَّ بوصفها [إدارة- ضبط- تنظيم- فثم تحديد] المجتمع لذاته، في ذاته، بذاته، من ذاته. وهكذا، نكون مباشرةً أمام التَّساؤل الآتي: كيف، وبأيةِ معانٍ توقفت الدولة عن أداء وظائفها، واِنحصرت ضمن جماعة مجتمعيَّة بعينها، دون غيرها؟

[IV]

إنَّ ذلك، في المجتمعات الحديثة، يرتبط بمفاهيم التمثيل السياسي، والمشاركة السياسية، والزحزحة التي تحدث في ممارستهما. ولكن، حينما تفتقد الديموقراطية إلى أرضيَّة وجودها، أي [المجتمعيِّ]، فإننا نكون مباشرةً أمام مافيات وعصابات تُحدِّد للفعل السياسي، والتمثيل السياسي، والمشاركة السياسية، حدود الفساد، والإفساد، والسرقة. ولا تتوقف عند مستوى مُصادرة الوجود المجتمعيّ الخاصّ الذي من شأن الذَّات الفاعلة؛ بل تسحق، وتذل، وتفرم هذه الأخيرة بوصفها قطعة لحم بايولوجية- عدد- شيء- صوت اِنتخابي، لا أكثر. 

[V]

إنَّ سوق الدِّين، أي السوق الذي فيه يتمُّ تبادل السلع الدينية، ضمن معادلات العرض والطلب، وتحديد الأسعار، التي هي بدورها تخضع لمعادلة العرض والطلب التجارية السياسية الفاسدة، إنَّما هي، أي سوق الدِّين، وبيعه، وشرائه، تؤدي وظائف مجتمعيَّة بالغة الخطورة على الدِّين، على ذاتِ نفس الدِّين. تلك التي، من أجل أن نحافظ على الدِّين نفسه بوصفه أخلاقاً وقيماً وإنسانيَّةً ومحبَّةً، واِعترافاً بالآخر بل اِحتراماً له، وقيمنا الدينية الخالصة، والعلاقة الروحية العميقة داخله، يجب أن تُفهم، إنَّما هي، على أقل تقدير، الآتية:

[VI]

I- أقول سوق الدِّين ولا أقول السوق الدينيَّة، وذلك يتضمَّنُ معنى السوق التي يحددها الدِّين، وضرب من ضروب فهمه، وضرب من ضروب ممارسته، 

II- لا تختلف كل الاِتجاهات والمدارس والتوجُّهات الفكريَّة داخل المدارس، على الرَّغْمِ مِنْ أنَّها تختلف، وتتعدد، وتتنوع بالاِنطلاق من وظيفة الدِّين، في شيء واحد وهو: إنَّ الدِّين إنَّما يقوم على إصلاح، أو تغيير حيوان عقلانيٍّ بايولوجيٍّ، وحديثاً، كيميائيٍّ، هو الإنسان، 

III- كما أنَّه لا تختلف كل الاِتجاهات والمدارس والتوجُّهات الفكريَّة داخل المدارس، على الرَّغْمِ مِنْ أنَّها تختلف، وتتعدد، وتتنوع بالاِنطلاق من وسائل الدِّين، وأهدافه، في شيء واحد هو: إنَّ الدِّين يضع حدوداً للفعل السياسي، ولا ترتبط هذه الحدود، بأي معنىً من المعاني، بالحدود التي من شأن الفساد، الإفساد، 

IV- يتضمَّنُ الفساد معنى ممارسة السياسة من أجل أهداف ومصالح شخصية، وعائلية، ويتضمن الإفساد معنى تحديد الوعي السياسي اِنطلاقاً من ممارسة الفساد، 

V- ينتقل الدِّين من كونه مصدراً روحياً للذات الفاعلة، والحال هذي، إلى كونه مصدراً للتجارة، والحصول على الأموال، وتحقيق الذَّات؛ فيُصادر الوجود المجتمعيّ الذي من شأن الذَّات الفاعلة، ويصادر معنى الفعل، وهدف أو أهدافه، ودلالته الذاتيَّة، كُلِّيَّاً،

VI- ماذا يبقى من الفعل الذي تقوم به ذاتٌ مسلوبة الإرادة، مغتربةً عن ذاتِ نفسها العميقة، مُتَشَيِّأةً؟ يبقى الفعل الذي تُؤمر بأن تقوم به. إنَّه وهم الفعل عند الذَّات الفاعلة؛ الوهم الذي يجعل من هذه الأخيرة في موقع الفهم، كيفما اِتُّفق.

[VII]

حينما ننظر من هذا المنظار، وفقاً لتفكيك بِنيَة الذَّات، في التَّساؤل المُوَجَّه بالتغير المجتمعيّ وقد أصبح ضرورة، نكون أمام تلك الإمكانات المتوفرة من أجل بناء، لا الذَّات فحسبُ، بل المجتمع كذلك. اِنطلاقاً من هذا الضرب من ضروب الإمكان، وشروط إمكان التغير، ثَمَّةَ، دائماً قَبْلِيَّاً، حركةٌ مُضادَّةٌ تواجه تسكين الذَّات، وتجميدها في لحظة بعينها من لحظاتها التاريخيَّة. الحركة هذه ليست نتيجةَ السلب، بقدر ما هي نتيجةُ بناءِ حضور الذَّات في التاريخ. ومتى فُهِمَت [الذَّات- في- التاريخ] نكون أمام إشكالات، وإشكاليَّات مفتوحة على المستقبل تنطلق من شروط إمكان تُتَوفَّر بواسطة الأرضيَّة المجتمعيَّة التي عليها تفعل الذَّات، وتكون، فتصير.

[VIII]

في هذه المعاني، وبالعودة إلى المضامين، والمنظورات التي قد بُنيت في سلسلة فهم قُدِّمت في المقالات السابقة، ومن أجل ألاَّ تُصبِح الحركة المجتمعيَّة صفراً مجتمعيَّاً فجأةً ومن دون سابق إنذار، أضع ههنا جملة إشكالات، وإشكاليات تتعلَّق بحركة مجتمعيَّة ساهمت في اِنبثاق ثورة مجتمعيَّة كُلِّيَّة، تمت مواجهتها بوحشية فاحشة.

[IX]

الإشكال الأول: يتضمَّنُ معنى مؤسسة الفساد المجتمعيَّة، التي تعيد تحديد الأفعال المجتمعيَّة بعامَّةٍ، والسياسية بخاصَّةٍ، اِنطلاقاً من قواعد، وقوانين، وأعراف مُتَّفق عليها من قِبَلِ جماعات، وأحزاب، ومجموعات سياسية بعينها.

الإشكاليَّة الأولى: لا يُؤخَذُ الفساد اِنطلاقاً من فعل مجتمعي فردي، بل هو اِرتفع ليصبح فعلاً مجتمعيَّاً داخل فعاليَّة مجتمعيَّة تحدِّدها مؤسسة مجتمعيَّة كبيرة- متسلِّطة عنوانها مؤسسة الفساد المجتمعيَّة. وهكذا، تُفهم الثورة كفعالية مجتمعيَّة، تنتجُ حركةً مجتمعيَّة مضادَّة لمؤسسة الفساد تلك.

[X]

الإشكال الثَّاني: يتضمَّنُ معنى الثورة في بِنيَة الثقافة بوصفها الثورة المجتمعيَّة الكُلِّيَّة. كما هو يتضمَّنُ معنى اِنفتاح بِنيَة الثقافة المجتمعيَّة على العالَميَّة. 

الإشكاليَّة الثَّانية: لا يمكن أن تنحصر بِنيَة الثقافة المجتمعيَّة ضمن التاريخ المجتمعيّ، والتراث المجتمعيّ، والآيديولوجيا المجتمعيَّة فحسبُ؛ بل هذه العناصر هي في كلِّ مرة منفتحةٌ- مفتوحةٌ على التغيُّر، والتبدُّل، والتحوُّل اِنطلاقاً من الاِنفتاح على العالَميَّة؛ وضروب تحديدها للفعل المجتمعيّ.

[XI]

الإشكال الثَّالث: يشمل معنى الدولة بوصفها من [المجتمعيّ] إليه، وبه، وفيه. كما هو يشتمل على معنى [بناء- المجتمعيّ- للنظام]؛ أي إمكان المجتمع وشروط الإمكان فيه لبناء الضبط والتنظيم والتحديد المجتمعيَّة. 

الإشكاليَّة الثَّالثة: لا تأتي الدولة من الأعلى هكذا كيفما اِتُّفِقَ، بل بواسطة الفعل التاريخي القائم على المجتمعيّ.

[XII]

الإشكال الرَّابع: يتضمَّنُ معنى حقل الدِّين داخل بِنيَة الثقافة، وبنية السياسة، وتحديد الدِّين للفعل المجتمعيّ بعامَّةٍ، والسياسي بخاصَّةٍ. 

الإشكاليَّة الرَّابعة: لا تتعلَّق مسألة الدِّين بفصل الدِّين عن الدولة، أو ربط الدِّين بالدولة، بل هي ترتبط بمصادر مجتمعيَّة للدين، ووظائف مجتمعيَّة يؤديها الدِّينُ، تؤسس للفعل المجتمعيّ، والسياسي، وتضبطه.

[XIII]

إنَّ ثورة تشرين، بوصفها حركة التاريخ المضادة لتزييف التاريخ وجعله واقفاً ساكناً متجمداً في لحظة بعينها، قد صارت واقعة مجتمعيَّة- تاريخية يجب أن تُفهم اِنطلاقاً من الفساد، والسرقة، وأخذ مقولة الوطن كرداء تتنكر به، وفيه جماعات الدولار، والمتاجرة بالدين. متى أُخِذَت الثورات في التاريخ بهذا المعنى فإننا لا نكون أمام بدايتها، ولا نهايتها، أو اِنتهائها، بل نكون أمام ثورة تقطن في الذَّات الوطنية، تنتجها، وتصنعها، وتخلقها، وتعيد ذلك، في كلِّ مرة. 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك