اخبار العراق الان

هل ستقرع أجراس الاحتجاجات من جديد؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 حيدر نزار السيد سلمان

يقارب المفكّر “ادغار موران” بين أحداث الاحتجاجات الشعبية في المنطقة العربية وبين تطلّعات الفرنسيين التي أفضت إلى قيام الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ وسقوط الباستيل، ومثل الفرنسيين الغاضبين من فساد الملكية الحاكمة وطغيانها فإن الشبّان العرب أعلنوا تطلّعهم إلى الحريّة والعدالة وحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والغنى الفاحش المستشري بين صفوف الفئات الحاكمة.

لم يكن العراق بعيداً عن هذه التطلعات والطموحات الشعبية، بل إن غضب العراقيين وحتّى الذين لم تكن لهم مشاركة في الاحتجاج قد بلغ أشدّه مع انزلاق الأوليغارشية الحاكمة إلى هاوية خطيرة من الفساد والتلاعب بمصلحة البلاد وسيادتها وفشل وسائل اقناعها المستندة إلى خطابات وجدانيّة وعاطفيّة وبلغة قديمة لم تعد تتناسب مع هذه الطموحات أو ما يشهده الوعي العام من تطوّر وإدراك لجوهر معضلته.

بعد مرور عام على اندلاع الاحتجاج الشعبي العظيم ورغم ديمومته خلال العام المنصرم غير أن ما يمكن استنتاجه من أحداث مستقبلية في حالة استمرار النَّهج السلطويّ القديم والاستمرار بعدم المبالاة للمطالب الشعبية والتمترس خلف صخرة متآكلة من الخداع والتحايل والدغدغة العاطفية للمشاعر الدينية والمذهبية، فشرارة الاحتجاج مازالت متقدة ومازال عدد من المحتجّين لم يبارح ساحات الاحتجاج بسبب انعدام الثقة بمن في يده السلطة والنفوذ. وبالفعل فإن أهل الحكم افترقوا بعيداً عن قواعدهم الشعبية وزادت الفجوة بينهما وبذلك أصبحت شرعيتهم تثير الريبةَ والخشية من تطورات أكثر دراماتيكية.

مرّ الاحتجاجُ الشَّعبي في العراق بمراحل متصاعدة في مستوى الحراك والأسلوب والايديولوجيا الدافعة وقوة التأثير والفطنة الجماهيرية ومديات التفاعل الاجتماعي سواءً من مراكز النفوذ الاجتماعية أو من عموم المواطنين.

كان شباط ٢٠١١ والذي مثَّلَ الشرارةَ الأولى لعودة الوعي والخروج من حالة الاستلاب لقطاعات شعبيّة مهمّة أخضعتها قوى السلطة لمفعول ديماغوجيا مهيمنة ومسكّنة ومخادعة، قد مثّل بداية المرحلة الأولى في كسر عرى الوثاق الذي شدَّ الناس إلى الأوليغارشية الحاكمة لمدّة ثمان سنين تمكّنت خلالها هذه الأوليغارشية من فرض نفوذها وتنفيذ طموحاتها بتقاسم مغانم السلطة وتوزيعها على قاعدة “لكلّ حزب حسب طاقته في الاستيلاء”، وقوّة الخطاب الديماغوجي والذراع العنفي مقابل إهمال صريح لأحلام سنين الظلام والتوتاليتارية البعثيّة، إذ كان الحُلم الجماهيري بنظامِ حكمٍ رشيد عادل ومؤسسات فاعلة بالخدمة العامة والحفاظ على سيادة البلد وتمكّن الإنسان العراقي من نيل حقوقه كمواطنٍ مجرَّد من طلاء العِرق والقوميّة والدين والمذهب والطائفة، وكان هذا بالفِعل حُلم السّنين السّود الذي تبخَّر على يد مَن خلَّفوا البعث الأسود بمقاليد الحكم.

كانت المرحلة الثانية من مجرى الاحتجاج قد اتَّسمت بتراكمٍ خبراتي وتحالفات بين قوى متنوعة ونهوض لقوى شعبيّة خرجت حديثاً من ربقة الخداع السلطوي واستعادة الوعي بالتزامن مع تمادي الفاسدين والمهزومين ومسببي الكوارث بعنجهية فريدة رغم فشلهم حتّى في تشكيل مؤسسة عسكرية قادرة على صدّ قوى الإرهاب، وبالفعل كان شعور المرارة من أهل السلطة ومن كارثة احتلال مدن كاملة من قبل الإرهاب قد فاقم من الإحباط الشَّعبي والأمل بالإصلاح وتغيير نهج السلطة بفسادها وفشلها متمماً لتصاعد مشاعر الغضب الناتج عن سوء الأوضاع العامّة، لاسيما التردي في الخدمات وتزايد أعداد العاطلين عن العمل. وبالفعل كانت هذه المرحلة في عام ٢٠١٥ قد كتلت قوى جماهيرية ناقمة ورافضة وباحثة عن الخلاص.

اتسمت المرحلةُ الثالثةُ من الاحتجاجات الشَّعبية بتقدمّها في مجالَي التنظيم وصعود حادّ لهوى الوطنية العراقية ومَيَلان كفّة التنقيب الجماهيري عن هويّة جامعة؛ وكان هذا التنقيب يجري في داخل الوَعي والثّقافة الشَّعبيّة أو في التاريخ العراقي بأزمنته المتعاقبة، وقتئِذْ أثيرَت مشاعر الخذلان والخيبة مِن تراجع مكانة العراق وتحوّله لساحة صراع بمباركةٍ وتأييد من سلطويين نافذين وقوى ما قبل الدولة التي أحدثت جُرحاً عميقاً في الوجدان الشَّعبي، وبتباهٍ وقح من هذه القوى بإنغماسها الفكريّ والعَمَلي بمشاريع وسياسات، ليس لها علاقة بالعراق ومصالحه العُليا، حتّى أصبحت الكرامة الوطنيّة لا سيّما مع صعود ملحوظ في الخطاب الشَّعبوَي في العالَم تئنّ من جراح موجعة، وكان لهذه الجراح آثارها في ردّ الفعل لاستعادة الكرامة والرّوح الوطنية. وقد تجلّى ذاك صارخاً في أطول احتجاج بتاريخ العراق استمرَّ من ١/تشرين الأول ٢٠١٩ ومازال متجاوزاً العام، وهو الفعل الجماعي الجماهيري الأحسن تنظيماً والأكثر وضوحاً في ايديولوجيته ومطالبه وتلاحم الفئات الاجتماعية المشاركة فيه. وإذا أردنا أن نصف هذه المرحلة يمكن لنا وصفها بمرحلة النهضة الموشحة بدماء مئات الشهداء والجرحى والمعاقين، بل هي المرحلة التي تكمن داخلها الشرارة الأكبر قدحاً إن لم تحدث الإصلاحات الحقيقية.

قد يشعر بعض أن هذه المرحلة هي الأخيرة وقد أُجهض الحراك بفعل قسوة القمع أو خداع أهل السّلطة، وربما يشعر بعض آخر بالخيبة وفقدان الأمل بالخلاص، غير أن الدارس الذكيّ للحركات الثورية التاريخية لا يجد نفسه إلا مستشرفاً وأمام صورة لدورة متكاملة من الحركة والنشاط والجمود والتوقّف المرحلي الضروري لالتقاط الأنفاس واستعادة الروح الكامنة بوهجها وعزيمتها والعودة من جديد بفعل أقوى وأصلب في الإصرار على التغيير بعد أن كان الإصلاح هو الهدف، فإن الباحث المستشرف سيجد أن التغيرات في طبيعة الحراك الجماهيري استبدلَت أيديولوجيا وطروحات وخطاب ومطالب هذا الحراك وفي حركة صيرورة تصاعدية تتسم بأنها أكثر تنظيماً وتشدداً في مطالبها وإرادتها.

لعلَّ السُّلطةَ بأجهزتها لا تدرك حجم الفجوة واتساع الفوارق بينها وبين الناس نتيجة انبهارها بطاقة الحكم وشحناتها المخادعة، فتداوم على نهجها القديم باعتبار أن ما تملكه من سلاح ورجال قادر على إجهاض أيّ تحرّك مع جهاز دعائي غثّ يضخّ أبشع أنواع نعوت التسقيط والتشويه وتزييف الحقائق. بيد أن هذا الغرور المكروه يجعلها غير قادرة على رؤية الشرارة المشتعلة تحت أكوام الأرواح المتلهفة لتحرك جديد مختلف تماماً عن حراك المرحلة التي سبقته، وهنا قد تصيب الغفلة ليس السلطةَ فحسب، بل حتّى مثقفين وباحثين قد أغفلوا حتى الأوضاع الاقتصادية السائرة باتجاه التدهور، وهو العامل الذي سيكون الأكثر تأثيراً في تحريك النّاس وبصوت مختلف في خطابه ومقترن بجوهر فكري وطني يتمركز حول البحث عن هوية عراقية ودولة عادلة قوية مُمأسَسة ومتبوعة لا تابعة؛ ولا أدري هل ستزودهم مراكز أبحاثهم العشوائية بما يمور تحت السطح من جوهر وهم يرون العرض ساكناً هادئاً مقدوراً عليه.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك