اخبار العراق الان

الفلاسفة الحقيقيون في عصرنا

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

لكن ثمة أسبابٌ أخرى تجعل الإحتفاء بنيل بنروز لجائزة نوبل أكبر بكثير من مكافأة علمية تقليدية إعتدناها كواحدة من التقاليد التي تتكرّر كل عام، ولن يكون بالتالي أمراً مستغرباً أن نشهد الكتابات الإحتفائية بجهود هذا العالِم على مستوى العالم بأكمله وإن كان الإحتفاء قد أخذ مدى أوسع في نطاق الجزيرة البريطانية التي ينتمي بنروز لثقافتها .

مَنْ هم الفلاسفة الحقيقيون في عصرنا هذا الذي يوصف بعصر موت الفلسفة ؟ سيكون أمراً متوقّعاً إذا ماتباينت الإجابات والأفكار بهذا الشأن ؛ غير أن هناك قناعة باتت تترسّخ بأنّ الفيزيائيين ( والرياضياتيين كذلك ) هم الوحيدون الخليقون ليوصفوا بكونهم فلاسفة حقيقيين . تتأسّسُ هذه القناعة على فكرة أنّ الفلسفة هي في جوهرها مساءلةٌ للموضوعات الكبرى في الكون واستكشاف التأصيل الفكري الممكن لكلّ من الكينونات الثلاث الكبرى بحسب ترتيبها المنطقي : الكون ، الحياة ، الوعي . تقنّعت هذه الموضوعات الثلاث تحت مسمّيات وتوصيفات كثيرة منذ مطلع عصر الفلسفة الإغريقية حتى إنتهت في يومنا هذا لتتجوهر في هذه الثلاثية الإشكالية . 

شهدت العقود الثلاثة الأخيرة طفرة نوعية في المؤلفات التي تتناول هذه الثلاثية المعرفية من قبل فيزيائيين صاروا يعدّون في طليعة الفلاسفة الفاعلين في المشهد الفكري العالمي ، ويأتي السير ( روجر بنروز ) في طليعة هؤلاء الفيزيائيين الطلائعيين . 

لطالما تساءلنا : من هو الشخص الجدير بين البشر بوصف المثقف الموسوعي الذي يؤهّله ليكون سليلاً مقبولاً للتراث الأرسطي وعلى نحو يتناغم مع اشتراطات عصرنا ومترتبات العلم والتقنية التي تشكّلُ ترسيمته الوجودية والثقافية ؟ وهل هناك من معنى للحديث عن مثقف ” موسوعي ” في عصر نا هذا ؟ ماشكلُ الموسوعية هذه ؟ وماهي الخصائص الثقافية العاكسة لهذه النزعة الموسوعية ؟ وقبل كلّ هذه الأسئلة : هل هناك من يرغبُ ليكون موسوعياً في عصر التفجّر المعرفي الذي نعيشه منذ عقود ليست بالقليلة ؟ هنا تكمن الأهمية الجوهرية لشخصية بمواصفات السير روجر بنروز ؛ فهو يقدّمُ لنا أنموذجاً معيارياً صالحاً لتمثيل المثقف الموسوعي في عصرنا . 

ولجتُ عالَمَ بنروز للمرة الأولى عبر بوّابة ( ستيفن هوكنغ ) ؛ إذ قادني ولعي بهوكنغ بعد أن إستحال أيقونة علمية وانسانية ، وعقب قراءتي لكتابه ذائع الصيت ( موجز تأريخ الزمان ) بداية تسعينيات القرن الماضي إلى متابعة معظم منشوراته العلمية ، فقرأتُ كتاب ( فيزياء العقل البشري والعالَم من منظورين ) الذي ألفه هوكنغ بالإشتراك مع بنروز وفيلسوف العلم ( أبنر شيموني ) والفيلسوفة ( نانسي كارترايت ) فإعجبتُ بمنهجية بنروز في عرض الأفكار وبخاصة أنه أبان عن نفسه كائناً معرفياً رفيع الطراز يسعى لتحقيق نمط خاص من التشبيك interdisciplinarity المعرفي بين الجبهات العلمية المتقدّمة . كنت أفكّر وأنا مستمتعة بقراءة مساهمة بنروز الثرية في هذا الكتاب : ماعساها تكون الفيزياء المعاصرة ؟ أليست شكلاً من الفلسفة الأفلاطونية المحدّثة بعد أن ألبَسها بنروز وهوكنغ وسواهما من الفيزيائيين ثياباً جديدة ( كتب بنروز لاحقاً كتاباً أسماه ” عقل الإمبراطور الجديدThe Emperor’s New Mind ” تناول فيه هذا التداخل المعرفي بين الفيزياء الحديثة وموضوعات الوعي والإرادة الحرّة وميكانيكية عمل الدماغ على المستوى الكمومي الدقيق ) ؟ الفيزياء المعاصرة تتداخل مع المباحث الفلسفية تداخلاً بنيوياً حتى لم يعُد ممكناً تصوّر وجود فلاسفة أصلاء من غير أن يحوزوا تدريباً معقولاً في الفيزياء والرياضيات ، وربما كانت معضلة ( الوعي ) واحدة من أعقد الفضاءات التي تتداخل فيها الإشتباكات المعرفية ، وربما كانت رؤية بنروز في كون الوعي البشري حالة من حالات الوجود الكمّي الخاضع لقوانين ميكانيك الكمّ هي التي أهّلته لحيازة صفة الموسوعية فضلاً عن كونه أحد أهمّ فلاسفة العلم في وقتنا الحاضر . 

هناك بعض الأسئلة الجوهرية التي تتشاركها جميع الحقول المعرفية : من أين جاء الكون ؟ من أين نشأت الحياة ؟ من أين إنبثق العقل ؟ تتجلى الخلاصة الناتجة عن التفكّر في الأسئلة الجوهرية التي تتناولها الثقافة الثالثة في نشوء فلسفة طبيعية تقوم على إدراك أهمية مفهوم التعقيد Complexity في تطوّر جميع النظم شديدة التعقيد ، على شاكلة : الأحياء العضوية ، الأدمغة ، النطاق الحيوي ، الكون ذاته ،،، إلخ ، وقد تطوّر الأمر إلى حدّ أصبح يتطلب معه اللجوء إلى مجموعة جديدة من المفاهيم الإصطلاحية ( التعقيد أحدها ) لوصف أنفسنا ، وعقولنا ، والكون وكلّ الموجودات التي نعرفها فيه ، ووحدهم المفكّرون الحائزون على هذا المخزون المعرفي من الأفكار والمفاهيم الجديدة هم القادرون – بواسطة كتاباتهم المنشورة – على إدامة المحفزات البشرية الدافعة إلى التفكّر الخلاق في الأسئلة الوجودية ذات الطبيعة الجوهرية ، وليس من شكّ في أنّ بنروز هو واحدٌ من المفكّرين الطلائعيين في حقل العلم والفلسفة العلمية المعاصرة .

قدّم بنروز مساهمات أساسية في الفيزياء والرياضيات ؛ فقد أعاد تفسير نظرية النسبية العامة للبرهنة على أنّ الثقوب السوداء يمكن أن تنشأ من النجوم المحتضرة ، وهذا هو الاكتشاف التقني الذي أهّله لنيل جائزة نوبل . بالإضافة لهذا إكتشف نظرية دعاها نظرية الملتويات Twistor Theory التي جاءت طريقة غير مسبوقة في تعاملنا مع بنية الزمان – المكان ، كما وسّع من فهمنا لطبيعة الثقالة Gravity . ألّف بنروز العديد من الكتب التي حقّقت أوسع القراءات ( لم تفُقْها ربما سوى كتب هوكنغ ) ؛ وبهذا يعدُّ بنروز أحد أكبر مشيعي المعرفة العلمية في عصرنا عبر قدرته الفذة في مخاطبة الجمهور القارئ بلغة دقيقة وميسّرة في الوقت ذاته .

عمل بنروز ( المولود عام 1931 ) لعقود عديدة أستاذاً شرفياً Emeritus بمعهد الرياضيات في جامعة أكسفورد ، وعاش حياة متواضعة جعلته يبدو كمن يسعى لتثبيت قدميه في الحياة الأكاديمية كأي باحث مستجد حتى بعد أن بلغ مرتبة الباحث المتمرّس المعروف على أوسع النطاقات العالمية . من الأمور المعروفة عن بنروز أنه ظلّ يشغلُ في جامعة أكسفورد مكتباً يتشاركه مع ستة أساتذة آخرين ولم يسعَ أبداً للإنفراد بمكتب خاص به ، وكان في نهاية كلّ يوم دراسي يندفع بسيارته المتواضعة نحو مدرسة إبنه الصغير ليقلّه معه إلى البيت . حافظ بنروز طيلة حياته المهنية والفكرية على ذلك الشغف الروحي الذي دفعه للتفكّر والبحث في مجموعة واسعة من الأسئلة الأساسية : كيف بدأ الكون ؟ هل ثمة أبعادُ أعلى من الأبعاد المعروفة تقليدياً للمكان والزمان ؟ ،،،،،، إلخ .

عاش بنروز وسط عائلة عرفت بشغف أفرادها بأنواع المعرفة : كان أخ بنروز الأكبر عالم فيزياء نظرية مرموقاً وزميلاً في الجمعية الملكية البريطانية ؛ أما أخوه الأصغر فقد حصل على بطولة الشطرنج لعموم بريطانيا عشر مرّات ( رقم قياسي بالتأكيد ! ) ؛ أما أبوه ففضلاً عن عمله في حقل الوراثة البشرية فقد كان فناناً محترفاً مثلما كان إخوته الأربعة فنانين محترفين . تقدّم لنا هذه الحقيقة تأكيدا صادقا للتأثير الخطير الذي تمارسه العائلة في تكوين التشكلات الفكرية وتنمية الشغف الطبيعي لدى الأطفال وترصينه وتحويله إلى مفاعيل منتجة ومفيدة ومؤثرة في حياة الفرد والمجتمع .

يرى بنروز أنّ نظرية ميكانيك الكم Quantum Mechanics ذات قدرة مذهلة في توضيح الكثير من الإشكاليات الفيزيائية التي أستعصت على التفسير في نطاق فيزياء العالم الصغير Microwold ؛ لكنّ المعضلة تكمن في أنّنا متى ماقبلنا بنتائج هذه النظرية في العالم الكبير Macroworld فسيكون علينا التخلي عن تصوّر بنية الزمكان كما وضعتها قوانين النسبية العامة ، وهذه هي إحدى أعظم المعضلات الي تقف بوجه توحيد الميكانيك الكمومي مع نظرية النسبية العامة . لاحاجة للقول أنّ بنروز هو واحد من أنشط العاملين لبلوغ مقاربة مقبولة تفكّك هذه الإشكالية في الفيزياء المعاصرة . 

تنطوي كلّ عناوين كتب بنروز على مؤثرات سايكولوجية ذات تأثيرات درامية تسعى لشدّ انتباه القارئ منذ اللحظة الأولى ، وسأشير هنا ، وعلى سبيل المثال ، إلى آخر كتب بنروز المنشورة وهو كتاب ( الموضة والإيمان والفنتازيا في الفيزياء الجديدة للكون Fashion, Faith, and Fantasy in the New Physics of the Universe ) المنشور عام 2016 ؛ إذ تمثل كل مفردة في العنوان فكرة أساسية في الفيزياء النظرية : الموضة تشيرُ إلى نظرية الأوتار String Theory التي صار يراها كثير من الفيزيائيين بأنها المقاربة المعوّل عليها في بلوغ نظرية كل شيء ؛ أما الفنتازيا فهي إشارة إلى النظريات الكوسمولوجية المتعدّدة ؛ وأما الإيمان فهو نظرية الميكانيك الكمومي التي إرتقت لمصاف الكأس المقدّسة عند فريق كبير من البحّاثة الفيزيائيين بحيث صار من المتعذّر نقدها أو التفكير ببدائل لها عندهم . 

يرى بنروز أنّ نظرية الميكانيك الكمومي هي أفضل نظرية بحوزتنا يمكنها تقديم تفسير مقبول للكون الذي نعيش فيه بالرغم من قناعته بأنّ قوانين أخرى مجهولة لنا ،هي التي تحكم العالم والوعي ، ويرى أنّ الميكانيك الكمومي متى ماتمّ حلّ المعضلات المفاهيمية والإجرائية المزمنة فيه فسيكون بوسعه تقديم مساهمات ثورية ترتقي بفهمنا للعالم وبخاصة بعد تطبيق قوانين الميكانيك الكمومي على المنظومات البيولوجية من أبسطها تشكيلاً وحتى أعقد تجلياتها ( الدماغ البشري مثالاً ) .

بقي أن أقول : إنّ كتب البروفسور روجر بنروز التي تنتمي لفضاء الثقافة الثالثة ( التي كتبتُ عنها الكثير ) لابدّ أن تُعطى أسبقية في الترجمة لنشر هذه الثقافة الأساسية في أوساطنا العربية وتحبيبها إلى القرّاء الشغوفين وتشجيعهم على قراءتها وجعلها عنصراً إثرائياً لاغنى عنه في ثقافتهم العامة.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك