اخبار العراق الان

هل من سبيل لإنعاش مجمعنا العلمي العراقي؟

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

فمن الهدف الأول وهو إيجاد مرجعية علمية في حقل الاختصاص إلى الهدف الثاني وهو المحافظة على سلامة اللغات العربية والكردية والتركمانية والسريانيةً والعمل على تنميتها ووفائها بمطالب العلوم والآداب والفنون.

ومن وضع معجمات وموسوعات علمية ولغوية وتحقيق الكتب والوثائق العلمية القديمة ونشرها إلى إحياء الإرث العراقي والعربي والإسلامي في العلوم والاداب والفنون. ومن العناية بدراسة تاريخ العراق وحضارته وتراثه إلى مواكبة التقدم العلمي الحديث والنهوض بالدراسات والبحوث العلمية والتقنيات الحديثة. ومن تشجيع التأليف والبحث والنشر وتعضيده إلى التعاون مع الجامعات والمؤسسات العلمية والأكاديمية داخل العراق وخارجه وإقامة روابط علمية معها. 

ولا يخفى ما يحتاجه تحقيق هذه الأهداف الثمانية من إمكانيات مادية وطاقات بشرية كبيرة، تُشمر فيها السواعد وتستنهض الهمم بعيداً عن المظهرية والإعلامية مع تجنب كل أشكال التكاسل والفتور والذاتية. وقبل هذا وذاك ضرورة التمتع بالقناعة الأكيدة والرغبة الحقيقية في تحقيق الإنجاز الذي سيطور الواقع العلمي والبحثي في العراق نحو ما هو أفضل وأحسن وبأقل التكاليف وأيسرها. فلا عوامل مادية تعيق جهودنا وتبعثر إمكانياتنا كما لا فتور في الهمم تحول دون مبتغياتنا واستثمار طاقاتنها أو الإفادة منها. 

وإذا كانت أهمية المجمع العلمي العراقي تتحدد في هذه الأهداف الثمانية؛ فإن الوسائل الموظفة في سبيل بلوغ تلك الأهداف ـ كما تضمنتها بنود تشريع قانون هذه المؤسسة ـ ينبغي أن تكون واقعية وفعلية وحُددت كالاتي : 1) الدراسات والبحوث الهادفة الى التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2) نشر الكتب والدراسات والرسائل الجامعية الرصينة وإصدار المجلات ً 3) إقامة المؤتمرات وعقد الندوات والمواسم الثقافية والعلمية 4) ترجمة أهم ما يصدر من كتب وبحوث باللغات الاجنبية. ً 5) وضع معاجم في مصطلحات العلوم والآداب والفنون والألفاظ الحضارية التي ً تسهم في حركة التعريب. 6) إعلان المجمع العلمي عن جائزة سنوية لأفضل ابتكار علمي وبحث علمي وفق الآلية التي يحدّدها المجمع. 

وقد استلت تلك الأهداف وهذه الوسائل من قانون المجمع العلمي العراقي ذي الرقم 22 لسنة 2015 والذي حدّد عضوية المجمع العلمي العراقي في ثلاث فئات : فئة الأعضاء العاملين غير متفرغين وعددهم 41 عضواً وأعضاء مؤازرين وأعضاء شرف لا يقل عمر الواحد منهم عن 40 عاما ويكون متقناً اللغة العربية وواسع الإطلاع في فرع من فروع المعرفة وله نتاج أصيل وحاصل على الأستاذية كما حدد القانون أيضاً هيئات المجمع وهيكله التنظيمي وأحكاماً أخرى تتعلق بالموازنة والايرادات.

والسؤال ما الذي لمسناه من صدور هذا القانون إلى اليوم ؟ هل تحققت أهداف هذه المؤسسة العلمية كلها أو تحقق فعلياً قسم منها ؟ وهل كانت الوسائل المسخرة كلها أو بعضها ناجعة أو أنها لم تكن كذلك ؟ وما أسباب عدم فاعليتها؟ وهل لذلك علاقة سلبية بفاعلية الهيكل التنظيمي أو لا علاقة له؟ 

بالطبع لا تتحقق الإجابة عن هذه الاسئلة إلا بالمتابعة الدقيقة لأعمال المجمع ونشاطاته، ولأننا اليوم نعيش ظروف الأزمة الوبائية العالمية لذا تغدو متابعة نشاطات المجمع أو أية مؤسسة جامعية أو وزارية أو خدمية حكومية أو غير حكومية متحققة افتراضيا عبر المواقع الالكترونية المخصصة لها. 

وما ينبغي لمن يزور موقع المجمع العلمي العراقي على الشبكة العنكبوتية أن يجد أنشطة تعطي صورة واضحة للمجمع، عاكسة بعضاً من أهدافه ولا أقول كلها باعتبار أننا نعيش وضعاً صحياً استثنائياً؛ بيد أن الزائر للصفحة الرئيسة للموقع لن يجد سوى الأخبار نفسها التي تظل معروضة لأسابيع وشهور وبعضها تتكرر فيها الصور والوجوه نفسها وبعض نوافذ الموقع لا معلومات فيها كنافذة اسماء أعضاء المجمع العلمي التي تبدو شاغرة. 

ولعل هذا الروتين الذي يشهده الموقع الالكتروني حالياً هو السبب في قلة زواره اذ لا يزيد عددهم عن عشرين زائراً في اليوم الواحد وهو عدد قليل جداً لموقع ينبغي أن يكون وثيق الصلة بالحركة العلمية والبحثية في بلد صارت الشهادات العليا فيه لا تعد ولا تحصى، وفيه عدد الجامعات الحكومية والأهلية يزداد كل شهر إن لم نقل كل يوم وهذا بالضرورة يعني أن هناك حركة ولو نسبية في مجال البحث العلمي؛ بيد أن دلالة جمود الموقع ورتابته تعني خمود الحركة العلمية وفتورها.. 

فهل هذا منطقي من موقع ينبغي أن يعطي صورة تتلاءم وأهمية هذه المؤسسة والإمكانيات الكبيرة التي تتمتع بها ناهيك عن طبيعة المهام التي أوكل إليه القيام بها ؟. 

وقبل أكثر من عام كنت قد اطلقت في مقالي المعنون ( أنقذوا المجمع العلمي ) دعوة عامة لتحريك رواكد المجمع الذي يبدو أنه تحنط وصار مكانه صالات المتحف لا الميادين العلمية، وكانت هذه الدعوة بمثابة استغاثة عجلى لواقع متداع يعيشه أهم صرح علمي نوعي، أوجده علماء ومفكرون عراقيون في القرن العشرين، مبتغين من ورائه ازدهار علوم لغتهم، وعاملين على إبراز تاريخهم وساعين إلى الارتقاء بأدبهم ومتمنين لمعرفياتهم وآثارهم الظهور والإشهار، كي تكون شاهداً على حياة علمية زاخرة بالنماء والعطاء والتميز. 

وحقيق بنا الافتخار بأولئك المؤسسين للمجمع العلمي العراقي الذين حققوا هذا الإنجاز في مرحلة شاعت فيها حرب كونية وأزمات وثورات وانتفاضات، ولو أنهم كانوا عارفين أن ما أقاموه زمناً وتفاخروا به كثيراً سيذوي على حين غفلة، لصفقوا جباههم وهم يرونه يصل إلى مستوى متهالك، اختفت فيه روحية العلم وغادرته جذوة البحث. 

ليس فيما أقوله مبالغة أو ادعاء، فالمجمع لم يعد له أي حضور نوعي ولا حتى اعتباري مع أن حياتنا الزاخرة بالمتناقضات والارتدادات، تحتاج علماء يشخصون الخلل وآخرين يحللون واضعين السبل التي بها نتمكن من الخروج من الأزمة ومقترحين لنا ما هو أحسن وأنجع.

فأين هم علماؤنا، هل خلت حياتنا الراهنة من أناس يوصفون بأنهم علامات معرفة ومنارات بحث تستدعي الاهتمام اقتداءً واستثماراً ؟ أم أن شحة الإيجاب في حياتنا جعلتنا نغض الطرف عن النماذج الراقية التي ضاعت وتضيع في خضم هذا السيئ الكثير؟ 

منذ ما يقرب من عقدين والمجمع العلمي العراقي بلا وجود علمي ينمي ميادين المعرفة ولا يحافظ على اللغة العربية، فهل تحرك مثلاً واضعاً وسائل تحسين تعلمها وتعليمها؟ وهل خطط مهيئاً اختبارات لتقويمها أو عمل على إعداد قوانين تساهم في إشاعة فصاحتها وتعرف الأجيال برونقها؟ وهل هناك اية بوادر نشهد أعمالا موسوعية كبرى وإسهامات بحثية يؤشر عليها بالبنان عربياً وعالمياً ؟ 

الجواب لا هذا ولا ذاك للأسف؛ فلقد غدا المجمع العلمي العراقي اليوم واجهة بلا حياة ومجرد هيكل دال على زمان مضى، كانت فيه للعلم روح تقوده وللبحث معلم يدل عليه. وقبل أيام أسرَّ إليَّ أحد العاملين في هذا المجمع وهو أستاذ اكاديمي أن جل ما يصدر عن المجمع في السنة لا يتعدى احتفالية متواضعة بيوم اللغة العربية أو ندوة لا تتم فعالياتها إلا إذا ساهمت في التهيئة لها مادياً منظمة أو أكثر تقوم برعاية تلك الفعالية. 

وإذا لم يساهم في الفعالية أحد ـ طبعاً على قلة هذه الفعاليات وندرتها ـ فإن منتسبي المجمع سيصرفون عليها من جيوبهم للايفاء بمتطلبات عمل بوستر أو لافتة هنا أو تحضير أثاث وطاولات وأقداح هناك. 

فأي حال مزرٍ وصلت إليه هذه المؤسسة العلمية العراقية التي هي الرقم واحد في تعداد المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية العراقية التي تفوق بعضها عليه بما يغدق عليها من إمكانيات مذهلة تجعلها قادرة لا على إقامة مؤتمرات دولية يُستقدم اليها باحثون من مختلف الجنسيات، بل الايفادات والتفرغات. كل هذا وهي مجرد مراكز تابعة لجامعة معينة، ليس له ما للمجمع من تشريع يضمن لها النفاذ ولا ارتباط قانونيا يهيء لها كل المتطلبات. 

أوليس حرياً بالمجمع العلمي العراقي مثلا أن يملك مطبوعاته الخاصة وتكون له مطبعته التي تسهل مهامه وتكون له مشاريعه الموسوعية وبرامجه الميدانية ودوراته وورشه وخططه المستقبلية ؟. 

إن واقع الحال يشير إلى أن التهالك كان قد غزا هذا الصرح بشكل رهيب، وها هو يتداعى أمام أنظارنا ونحن لا نحرك ساكناً، فهل هذا قبول بواقع حال أصابه التبلد وتداعت فيه قيم العلم وأسسه ؟ أم هو سكوت على غيض مكبوت بأنين وحسرة مكظومة بسبب قوى تحتشد فلا تعطي أي سبيل لإنعاش المجمع ؟

أيا كانت الأسباب فإن استغاثة عجلى أخرى لا بد من إطلاقها لعلها ترد الروح إلى جسد يراد له أن يتوارى من الوجود. وما من سبيل لإنعاش الحياة في هذا الجسد الذاوي، إلا بتحرك مجتمعي يكون فيه للدولة الباع الأول والمجمع مرتبط مباشرة بأعلى كيان فيها قانونياً.

وإلا فإن التلاشي هو المصير الذي ينتظر المجمع العلمي العراقي، الذي معه ستتلاشى عشرات الاسماء وعشرات الابداعات التي انجزت خلال عشرات السنين وتاريخ زاخر لأفذاذ من العلماء.

وإذا تحركنا وأحيينا المجمع، فسيحيا معه علماء وأدباء ولغويون أرادوا للحياة أن تكون علمية. وليس مثل العلم اداة بها نرفع قاماتنا مطاولين الأمم والبلدان في تقدمها وتطورها. 

وما نراه اليوم ونحن نمر متأملين هذا الصرح وقد يصير أثراً بعد عين، هو أقسى مما نراه من مشاهد الحياة الأخرى ، فنقف حائرين متسائلين ما الذي يمكننا أن نفعله وهذا الحال صار أمراً واقعاً نؤشر عليه بامتعاض ونكاشف بعضنا بعضاً بالأسباب غير قادرين على تغييره. ؟! 

وتساؤلنا مع استغاثتنا يجعلان ممثلي المجمع الحاليين مطالبين بتفسير الكيفية التي بها تهاوى دور هذا الصرح وما عاد يؤتي أكله المنتظرة منه. 

ولم لا يقومون بدورهم المطلوب بوصفهم عاملين في مؤسسة مرتبطة بأعلى هيئة تنفيذية في البلاد ( مجلس الوزراء ) ؟ ثم لماذا لا يعاد النظر في صيغة التشريع أهدافاً ووسائل ومقتضيات لكي يصحح المعوج ويصوب الغلط ويؤشر على الشائن؟ 

أعود من جديد لأسأل هل حقاً نفضت الدولة العراقية يديها من هذا المجمع مخلة بقانون إنشائه وما ينبغي أن توفره له من دعم مالي وحكومي ؟ هل استغنت عن خدماته ولم تعد بحاجة إليه؟ 

وإذا كانت قد استغنت عنه فعلاً، فما الكيان الذي ستعتمده بديلاً عنه ؟ ولماذا لا تعاد له الحياة على الاقل افتراضياً من منطلق أن الإمكانيات المطلوبة الكترونياً أقل منها في الحياة الواقعية ؟

إجمالاً، لا نقول إننا نأمل في التعديل الأخير الذي فيه سيعاد النظر في أعضاء هذا المجمع سيحقق شيئاً يثلج الصدر لكننا نقول إن المؤسسة التي مهد لها شاعران كبيران خالدان ورمزيان تاريخيان هما الرصافي والزهاوي وشيدها الأعلام الافذاذ: محمد رضا الشبيبي ومصطفى جواد ومنير القاضي وعبد الرزاق محيي الدين وصالح أحمد العلي ومحمد بهجت الاثري منذ عقود، كانت قد ضاهت ما يناظرها من مجامع في البلدان العربية، قادرة أن تكون مجمعاً علمياً عراقياً بحق لتعود تتصدر المشهد العربي متقدمة المجامع الأخرى، التي لا تملك ما نملكه من الناحية المادية ومن ناحية الطاقات البحثية، لا أن يكون مجمعنا هو نفسه أمثولة على ضعة الإنجاز وقصر الأدوار ثقافة وعلماً.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك