العراق اليوم

نيران الاحتجاجات العراقية.. رسائل إقليمية أم مطالب إصلاحية؟

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

شيدت امريكا بعد ان احتلت العراق في 2003 نظاما سياسيا يقوم على المحاصصة،  وادّعت أن ممثلين عن جميع مكونات الشعب العراقي يجب ان يشاركوا في ادارة شؤون البلاد، وصدّقها العراقيون في ظل اجواء عدم الثقة التي سادت بينهم.
لكن المحاصصة أصبحت مدمرة لأنها صارت سُنّة سياسية، واستثمرتها أمريكا ودول أخرى للتوغل في المجتمع العراقي وترجيح كفة طائفة أو جهة سياسية على حساب غيرها، فتحول العراق تدريجيا الى دولة مهلهلة فاقدة للهيبة.
 وتسببت المحاصصة بتشتيت القرار السياسي والإداري العراقيين، وتعطيل أي جهد نزيه يهدف الى بناء الدولة، ويبدو أن هذا كان هدفا رسمه الامريكان للعراق قبل اجتياحه لمنع نهوضه وتعطيل دوره الاقليمي والدولي لصالح إسرائيل.
فاستشرى الفساد واحتمى الفاسدون بالمحاصصة تارة وبأمريكا أخرى، حتى أن الأخيرة هربّت فاسدين من سجون عراقية ومنحتهم الأمان لأنهم يحملون جنسيتها، وحين تظاهر العراقيون مطالبين بتحسين أوضاعهم استثمرت امريكا ومحورها الاحتجاجات الشعبية المحقّة وأدخلت تيارات صنعتها، بين المحتجين.
تماما كما استثمرت غرفة عملياتها الخاصة بالشرق الاوسط والمغرب العربي الاحتجاجات في تونس عقب انتحار البو عزيزي احتجاجا على بلدية سيدي بو زيد، لتحريك الشعوب العربية في ليبيا ومصر وسورية واليمن تحت ما سمي بالربيع العربي، فاستنزفت تلك الدول ودمرتها ويكفي اعتراف مسؤولين امريكيين بدعم الاحتجاجات في هذه البلدان دليلا لمن يطالب بدليل لاثبات هذا الكلام. 
صحيح أن الشعوب العربية عانت من الظلم والاستبداد وضياع الحقوق بسبب حكّامها، لكن الصحيح أيضا أن أغلب أولئك الحكام جاءوا من رحم مؤامرات امريكية وغربية ايضا وصنعتهم الادارات الامريكية المتعاقبة والغرب وسلطوهم على شعوبهم قبل ان تستثمر امريكا سياسيا بشكل مختلف في مرحتلنا الحالية.
والصحيح كذلك أن البديل الذي قدمته الإدارة الأمريكية عن الحكام ممن استهدفهم الربيع العربي هي الفوضى والتناحر والانقسام الطائفي والعرقي، فالليبيون مثلا يترحمون اليوم على زمن معمر القذافي وهم يشاهدون ما حلّ ببلدهم الذي كان آمنا مستقرا مزدهرا اقتصاديا.
في العراق يعاني العراقيون من الفساد وانعدام العدالة في توزيع الثروة ومن المحاصصة، وإذا من طرف يلام على هذا الواقع المرير الى جانب الطبقة السياسية العراقية، فهي الادارة الامريكية وحلفاؤها ممن اسهموا بتدمير العراق بالتدخلات السياسية والامنية وصناعة مجاميع مسلحة لارباك المشهد العراقي .
لكن الاحتجاجات الشعبية العراقية التي اندلعت نهاية 2019 وتجددت قبل ايام في عدة محافظات، استهدفت اطرافا كالمرجعيات الدينية في النجف والحشد الشعبي، مثلما استهدفت احزابا عراقية محددة، فأضرم محتجون النار في مقرات احزاب سياسية شيعية حصرا وزعمت قنوات عربية خليجية وامريكية في تغطيتها للاحداث: ان هذه المقرات احرقت لانها  عائدة لاحزاب موالية لايران.
بينما المنطق يقتضي أن يلوم المحتجون العراقيون بالدرجة الاولى أمريكا لأنها هي من أسست هذا النظام وفرضته على العراقيين، وهي بلد مُحتل وعليها أن تتحمل استنادا الى الاتفاقيات والمقررات الدولية مسؤوليتها أمام العراقيين فتحل مشاكلهم.
 ألم يكن المحتجون خرجوا بسبب سوء الاوضاع المعيشية والخدمية وشيوع الفساد والمحاصصة، فلماذا لم تلتهم نيرانهم مقرات كل الاحزاب المشاركة في السلطة ومنها احزاب موالية لامريكا وحلفائها من الدول الخليجية؟.
فاذا كان الواقع السياسي بائسا لهذا الحد فيجب ان ينصب غضب المحتجين على كل الاحزاب السياسية العربية والكوردية والسنية والشيعية طالما ان الجميع يحكمون بموجب المحاصصة ولم يختر أيا منهم (باستثناء دولة القانون في هذه المرحلة) ان يكون في المعارضة الحقيقية.
فلماذا ينصب غضب المحتجين العراقيين على جهات سياسية بعينها بحجة انها موالية لايران؟ وان كانت الاحزاب السياسية الشيعية فاسدة بحسب المحتجين، فما دخل ايران بالموضوع ولماذا يحرق المحتجون العلم الايراني وصور القادة الايرانيين؟.
نحن طبعا نتساءل هنا لنفهم ما يجري ولسنا بصدد ذمِّ جهة او الدفاع عن جهة اخرى. لكن مشكلة العراقيين هي مع نظامهم السياسي، فكان المفروض بالمحتجين تبني تغيير النظام البرلماني واستبداله بنظام  رئاسي طالما ان النظام الاول فشل وافرز محاصصة وفساد.
هذا أفضل المطالب التي يجب ان تُرفع من اجل الاصلاح السياسي، اما حرق القنصليات الايرانية والمطالبة باغلاق الحدود مع ايران ومنع التجارة معها ومنع استيراد الكهرباء منها بحجة دعم المنتج الوطني.
فهذا رأي ومطلب غريب حقا. لاننا بعد ان اغلق العراق حدوده مع ايران ومنع استيراد الكهرباء منها بقينا بلاكهرباء وارتفعت اسعار البضائع التي كنا نستوردها منها لان ناتجنا المحلي لايفي بحاجة السوق، بل أن واقع الحال ان العراق لايصنّع شيئا.
والغريب ايضا ان المحتجين ممن طالبوا بقطع العلاقات التجارية مع ايران دعما للمنتج الوطني، لم يطالبوا بقطع العلاقات مع دول اخرى مثل السعودية والكويت والاردن وتركيا ومصر وهي تصدر للعراق ملايين الاطنان من البضائع سنويا.
فاذا كان  الاستيراد من ايران يؤثر سلبا على المنتج الوطني، فإن الاستيراد من دول اخرى يؤثر ايضا على هذ المنتج، فهل يُعقل أن الحليب والطماطم والبطيخ الايراني تضر بالاقتصاد العراقي ولا تؤثر منتجات حقول المراعي السعودية، أو السلع المستوردة عن طريق الاردن وبعضها اسرائيلي على الاقتصاد العراقي؟.
ثم ان الاحتجاجات لو كانت مطلبية وتهدف الى اصلاح سياسي واقتصادي لماذا يتم احراق مقرات الحشد الشعبي، وما دخله بالسياسة وهو تشكيل مقاتل تصدى لداعش وحرر مناطق غرب العراق ذات الاغلبية السنية وسلم ادارتها للشرطة والجيش، فلماذا تمزق صور قادته وشهدائه، وتحت اية ذريعة وغطاء يتم هذا الفعل المتكرر مع كل احتجاجات؟.
ألا يحمل هذا العمل بعدا سياسيا وفيه اشارات واضحة لتدخل خارجي من قبل المحور الامريكي الذي يصنف الحشد على انه قوة موالية لايران،ويريد تصفية حساباته معها على الاراضي العراقية ومن خلال شباب عراقيين؟.
الحقيقة التي تجلت مع الوقت ان تيارات شعبية قليلة لكنها عنيفة، مرتبطة بامريكا وحلفائها الخليجيين تريد اغاضة ايران وتوتير العلاقات بينها وبين العراق فعمدت الى اختراق الاحتجاجات الشعبية المطلبية العراقية ونظمت مجاميع لها تعمل بـ”الريمونت كونترول” لايصال رسائل لايران وحلفائها.
فقبل ايام احيا العراقيون بشكل واسع الذكرى السنوية لاستشهاد القائدين ابو مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني، وكان الحضور الشعبي في مراسم هذه الذكرى لافتا ورفعت خلاله صور سليماني والمهندس ويبدو ان امريكا وحلفاءها الخليجيين المتورطين بدعم بعض الاحتجاجات اغاضهم هذا العمل وفهموه على انه رسالة ايرانية تقول لهم انها مازالت فاعلة في العراق، فعمدوا الى تحريك انصارهم في الايام الاخيرة ليتظاهروا في عدة محافظات ويحرقوا صور الشهداء دون مبرر .
حيث لا وجود للاصلاح هنا، ولا يحمل هذا العمل اية رسائل للحكومة العراقية او للطبقة السياسية سوى انه ينطوي على رسائل لايران مفادها ان اعداءها موجودون وفاعلون في المشهد العراقي!
ما يجب ان يلتفت اليه العراقيون بجميع طوائفهم أن السبب الرئيس في مشاكلهم هو الحضور الامريكي في العراق، والنظام السياسي القائم على المحاصصة الذي جاءت به امريكا، واستشراء الفساد بسبب المحاصصة والتدخل الامريكي الذي يحمي فاسدين ايضا.
والحل الذي يجب ان ينادي به العراقيون اذا كانوا فعلا يريدون حلا لاوضاعهم السيئة يكمن في : أولا رحيل القوات الامريكية من العراق وتكف الادارة الامريكية يدها عن الشأن العراقي، فقد أثبتت أنها لاتريد للعراق أن يكون قويا مستقلا .
ثانيا ابدال النظام البرلماني بنظام رئاسي يُنتخب فيه الرئيس من قبل الشعب وهو يُكلف رئيسا للوزراء بتشكيل الحكومة، وهذا سيجعل القرار السيادي في البلاد بيد جهة واحدة وليست عدة جهات متناحرة، ويكون الشعب هو مصدر السلطات فعلا.
وعلى العراقيين أن يلتفتوا الى ان المطالب التي فيها حل لمشاكلهم كالتي ذكرناها لا تحظى بقبول امريكا ولا حلفائها في العراق وبالتالي فإن بقاءهم يعانون من تردي المعيشة والخدمات هو مطلب امريكي، أما لماذا، فكما أسلفنا لأن أمريكا لاتريد عراقا قويا يمكن ان يلعب دورا في قضايا المنطقة، ولانها تريد نهب خيرات العراق والاستثمار في مشاكله.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك