العراق اليوم

فحص جواب وزارة المالية العراقية. أسباب تخفيض قيمة الدينار

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

أصدرت وزارة المالية بياناً تحت عنوان “24 سؤال وجواب حول تغير سعر الصرف بين الدينار العراقي والدولار الأمريكي”. يتوجه هذا البيان إلى المواطنين لشرح أسباب وتداعيات القرار الذي اتخذته هذه الوزارة بتاريخ 19 كانون الأول الماضي المتعلق بتخفيض القيمة التعادلية للدينار مقابل الدولار وبالتالي مقابل العملات الأخرى.
يتناول هذا المقال أسباب انخفاض هذه القيمة انطلاقاً من بيان الوزارة. وسوف نتطرق إلى نقطتين: النقطة الأولى تقدير جواب الوزارة والنقطة الثانية الجواب الذي نقترحه. وسوف نعود في مناسبة لاحقة إلى مناقشة تداعيات هذا التخفيض.
هبط سعر الصرف الرسمي من 1182 دينار إلى 1450 دينار للدولار الواحد. تطرح الوزارة السؤال التالي: ما هي أسباب تغيير سعر الصرف؟
ترى أربعة أسباب. السبب الأول: “كان هنالك شعور بأن الدينار العراقي كان بسعر مرتفع مقارنة بالدولار”. وهذا يقود بتقديرها إلى تشجيع الاستيراد وتراجع الاستثمار الأجنبي والسياحة ويشجع على خروج رؤوس الأموال. السبب الثاني أن السعر المرتفع يقود إلى تراجع تنافسية السلع العراقية فتصبح الأسواق العراقية تحت سيطرة الواردات. والسبب الثالث ارتفاع قيمة الدينار لا يشجع الاستثمار في الصناعة والزراعة والسياحة. والسبب الرابع والأخير أن تعديل قيمة الدينار “يساعد على زيادة قيمة الدينار من عائداتنا النفطية ويقلل عجز الموازنة. لكن توقيت تغيير سعر الصرف الآن مرتبط عضوياً بالتراجع الحاد لإيرادات الدولة النفطية”.
 
جواب الوزارة غير دقيق
في الإجابة على هذا السؤال كما على جميع الأسئلة الأخرى لا تستخدم الوزارة كلمة تخفيض بل تغيير تارة وتعديل تارة أخرى. وكما هو معلوم التغيير يحتمل الانخفاض والارتفاع. في حين يتعلق الأمر موضوع البحث بالتخفيض فقط. أما التعديل فيشير إلى تصحيح خطأ ما. وهذا غير صحيح.
التعبير العلمي المتعارف عليه في لغتنا هو التخفيض. ولا يوجد مصطلح آخر لمثل هذا القرار الذي تتخذه السلطات العامة في الميدان النقدي. في حين لا تتردد الورقة البيضاء وكذلك بيانات البنك المركزي في استخدام اصطلاح التخفيض.
وسوء اختيار الكلمات لا يقتصر على ذلك. الجواب يتطرق إلى الشعور بارتفاع قيمة الدينار. والواقع أن السياسة النقدية لا تنبني على الشعور بل على التحليل والدراسة والبحث.
تتناول الأسباب الثلاثة الأولى تداعيات ارتفاع سعر صرف الدينار. في حين يتعلق السؤال بالأسباب التي أدت إلى اتخاذ قرار التخفيض. السبب الرابع فقط ينسجم مع السؤال المطروح.
في الفقرة الأخيرة من الجواب تعترف الوزارة بأن السبب هو هبوط إيرادات النفط. وبالتالي كان عليها الاقتصار على هذا السبب الرابع. الأسباب الأخرى لا علاقة لها بالعراق بل بالنظرية النقدية وببلدان صناعية.
العراق في مقدمة البلدان الطاردة للاستثمار الأجنبي والوطني لأسباب عديدة أهمها: فقدان الأمن والاستقرار. وتفشي الفساد المالي. وتدهور البنية التحتية في جميع الميادين ومن بينها الطاقة الكهربائية. وفشل السياسات الاقتصادية المختلفة. وعدم الاهتمام بالقطاعين الزراعي والصناعي. وسيطرة المليشيات على القرار السياسي والخيارات الاقتصادية. وبالتالي فأن ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدينار لا يعني الشيء الكثير للمستثمرين خاصة الأجانب. الاستثمار المجدي لهم هو النفط. ولا علاقة لهذا القطاع بالدينار لأن عمليات التنقيب والاستخراج والنقل والبيع تتم مع شركات أجنبية أي بالدولار. كما تسهم هذه العوامل السلبية مساهمة فاعلة في هروب رؤوس الأموال التي لن تعود بعد تخفيض سعر صرف الدينار.
والعراق رغم حضاراته العظيمة القديمة والعباسية لا يهتم بالسياحة التي تكاد تقتصر على الزيارات ذات الطابع المذهبي والتي تحقق مكاسب لشركات أجنبية خاصة إيرانية. لا يلعب تخفيض قيمة الدينار دوراً مهماً في تشجيع السياحة لأن أسعار السلع المستوردة والمحلية ارتفعت بنسبة عالية.
كما لا يسهم التخفيض في تحسين تنافسية المنتجات المحلية لعدم وجود صناعات تحويلية مهمة في البلد (مقالتنا المنشورة في هذا الموقع بعنوان علاقة قيمة الدينار العراقي بالتنافسية).
في جواب الوزارة نقرأ العبارة التالية “تعديل قيمة الدينار يساعد على زيادة قيمة الدينار من عائداتنا النفطية”. ما معنى ذلك؟
يصدر البلد 3.25 مليون ب/ي بسعر 42 دولار للبرميل (السعر المعتمد في مشروع ميزانية عام 2021). أي أن الإيرادات النفطية اليومية 136.5 مليون دولار. وهذا المبلغ يعادل 161.3 مليار دينار إذا كان سعر صرف الدولار 1182 دينار. لكنه يرتفع إلى 197.9 مليار دينار إذا كان سعر الصرف 1450 دينار. الفرق بين المبلغين 36.6 مليار دينار هو حسب تسمية الوزارة “زيادة قيمة الدينار من العوائد النفطية”. والواقع لا وجود لمثل هذه التسمية في العلوم المالية. قيمة العملة هي أسعار صرفها مقابل العملات الأخرى. الوزارة تخلط إذن بين القيمة والكمية. هنالك زيادة اسمية في كمية الدنانير وليس في قيمتها. وهذه الزيادة في الكمية تعادل  دائماً 22,6% أي بالضبط نفس نسبة تخفيض سعر الصرف.
انطلاقاً مما تقدم نستنتج بأن وزارة المالية لا تجيب بصورة مقبولة على السؤال المطروح. لذلك نقترح الإجابة التالية.
الرد المناسب
تسجل ميزانية الدولة عجزاً غير مسبوق لأسباب عديدة أهمها تدهور إيرادات النفط بفعل جائحة كورونا. والفساد المالي الذي يؤثر بشدة على الإيرادات العامة لاسيما الضرائب والرسوم الجمركية وعلى النفقات العامة في جميع الميادين. أضف إلى ذلك المصروفات غير المنتجة كالاعتمادات العسكرية بما فيها مصروفات الحشد الشعبي. والنظام الفيدرالي الفاشل الذي يكلف أموالاً طائلة دون جدوى. والمعاملة المالية التفضيلية  التي يتمتع بها إقليم كردستان والتي أنهكت مالية الدولة. والمخصصات العقيمة المقررة لهيئات الأوقاف.
وعلى خلاف السنوات المنصرمة لم تعد القروض الداخلية والخارجية كافية لتغطية العجز المالي.
أمام هذا الوضع أصبحت الحكومة أمام الخيار التالي: إما التوقف عن دفع الرواتب أو إصدار أوراق نقدية إضافية. أي إما عدم الوفاء بالالتزامات المالية الذي يعادل الإفلاس في القانون التجاري أو تخفيض قيمة الدينار دون تقرير أية زيادة للمرتبات.
أضف إلى ذلك تدهور مالية البلد الخارجية على إثر تراجع أسعار النفط وتقليص حجم صادراته وعدم حصول الدولة على قسط مهم من المبيعات النفطية. وبالمقابل لابد من دفع مستحقات الشركات النفطية الأجنبية وخدمة الديون الخارجية وسداد تعويضات الكويت والوفاء بأثمان المشتريات المدنية والعسكرية. ناهيك عن الأموال المحولة بصورة أو بأخرى إلى إيران التي تعاني من أزمة مالية خانقة ناجمة عن سياستها الداخلية والخارجية وعن العقوبات الأمريكية. قاد هذا الوضع إلى تناقص سريع للنقد الأجنبي وهو الأداة الفاعلة الوحيدة لدى البنك المركزي للدفاع عن سعر صرف الدينار.
نتيجة تفاعل هذين العاملين وبمباركة صندوق النقد الدولي قررت الحكومة تخفيض قيمة الدينار. وعلى هذا الأساس وعلى عكس ما يجري في دول أخرى التي خفضت قيمة عملتها لأغراض تجارية واستثمارية لن يحقق العراق أي مكسب اقتصادي جراء تخفيض سعر صرف الدينار. الأمر الذي يقود إلى هبوط مستوى معيشة جميع المواطنين.
صباح نعوش
باحث اقتصادي

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك