العراق اليوم

رجال … الفاتحة الخسرانة؟!

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

   بعد حصول الحراك الاجتماعي خريف 2019 على تعاطف شعبي واسع النطاق، وإسناد صريح من مرجعية النجف العليا، اضطرت القوى السياسية القابضة على “جَمرة أو كُرة” السلطة، إلى القبول باستقالة حكومة عبد المهدي وإجراء انتخابات مُبكرة، ولكنها ماطلت في تحقيق ذلك، حتى استقر رأيها على تشكيل حكومة برئاسة الكاظمي، الذي منحها “عطوة” لمدة سنة كاملة، أرفقها بأربعة أشهر مُضافة، ولم يأخذ على نفسه الالتزام بالموعد الجديد لها. أفضت صفقة الانتخابات المُبكرة للقابضين على كُرة السلطة إلى نتائج سياسية كثيرة، كان أبرزها الهاء ملعب السياسة بكُرة إصلاح اقتصادي مأزومة فكريا، وبكُرة موازنة مالية مُلتبسة الدوافع والغايات، وتحول العراق إلى جادر عزاء كبير!
أولا. خمسة رجال يلعبون باقتصاد الوطن … على خشبة مسرح مبادئ الهندسة:
1) مصطفى الكاظمي: “لقد استلمت خزينة خاوية وتخفيض لصادراتنا النفطية بمقدار النصف للسنتين القادمتين من سلفي المستقيل. ما الحل، وكم نحتاج لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين”؟
2) علي علاوي (وزير المالية): “الحل في مبادئ الهندسة المالية”، بتشريع قانون الاقتراض. نحن نحتاج إلى (41) تريليون دينار. في حال عدم تمرير القانون، نحن نمتلك حلولا حكومية أخرى”.
3) شيروان مرزا (عضو اللجنة المالية البرلمانية): “بعد اجتماعاتي المتكررة مع الكوادر المتقدمة في وزارة المالية والبنك المركزي، اتضح أننا بحاجة إلى (10) تريليون وليس (41) تريليون دينار”.
4) أحمد الصفار (مقرر اللجنة المالية البرلمانية): “بعد تداولي الرأي مع اللجنة الاقتصادية البرلمانية، نحن بحاجة إلى (15) تريليون وليس (10) أو (41) تريليون دينار”.
5) هيثم الجبوري (رئيس اللجنة المالية البرلمانية): “إذا كانت لديكم حلولا أخرى لدفع الرواتب فما حاجتكم للاقتراض”، كان كلامه موجها لعلاوي وهو يضع قناع مُشَرّع ورقيب إنفاذ القوانين على وجهه. حدثت حركة على خشبة المسرح، حين نهض علاوي متوجها نحو الجبوري وهامسا في أذنه بشيء لم يسمعه أحد، على أثرها نزع الجبوري قناع المُشَرّع والرقيب ولبس قناع المُختص بمبادئ “الهندسة الميكانيكية”، وخاطب الكاظمي بالقول: “سيادة الرئيس أرجو بيان رأيكم بصدد الاستغناء عن تشريع قانون تمويل العجز المالي ليتسنى التركيز على الإصلاحات المنشودة”. 
… غادر القوم خشبة المسرح، وكعادة ملازمة للمفكرين، فقد نسى “رابع مفكر في العالم!” ورقته المكتوب فيها مبادئه للهندسة المالية: طبع النقود الورقية من دون غطاء رأسمالي، خفض سعر صرف الدينار، خفض المعاشات، خصخصة مؤسسات القطاع العام والقطاع النفطي عن طريق بيعها بالدينار الرخيص.
   ملاحظة: نص الحوار مُقتبس من “الأخبار” 28/10/2020، و”صوت العراق” 29/10/2020. جرت أحداث هذه المسرحية على خشبة مسرح “غرفة عمليات الدولة”، حيث جلس الرجال الخمسة يراقبون أحداث خشبة مسرح شباب ساحة التحرير … بالكاميرات الحديثة!
ثانيا. “عام الانجاز العراقي” … منْ سيكون صاحبه … يا تُرى؟ 
   في جلسة حوارية مع وزراء وأساتذة جامعات، قال الكاظمي: “نبدأ عامنا بالأمل، المحنة قد عَدّت، ونفتتح عهدا جديدا… عام الانجاز العراقي” (“صوت العراق”، 3/1/2021).
   لا أحد يمتلك الحق بمنع الكاظمي من أن يكون حالما وآملا، ولكن ليس من حقه القول أن “المحنة قد عَدّت” لأن هذا القول مُخالف تماما لواقع حال اقتصادنا ومعيشة شعبنا. ومع ذلك، ليس هذا الأمر مهما، المهم هو الآتي: الرئيس يريد فتح باب إلى عهد جديد، وهذا معناه أن هذا الباب موصد أمامه، وحتى يستطيع الرئيس فتحه، فمن المنطقي تماما، أن يعرف متى ومن قبل منْ وكيف تم إيصاده. إذن، الرئيس وشعبه أيضا يقفان أمام بابين: الأول موصد، والثاني يُراد فتحه.
1) الباب الموصد بوجه العهد الجديد:
وزارة نفط الحكومة المستقيلة: خفضت إنتاج النفط بأكثر من 50%.
وزارة نفط حكومة الكاظمي: لم تبذل جهدا بإعفاء العراق من خفض إنتاجه.
وزارة المالية: فشلت بتعظيم الموارد المالية (المنافذ، الضرائب، الكمارك، المال المنهوب).
2) الباب المُراد فتحه بوجه العهد الجديد:
وزارة النفط: لا تقدم شيئا لفتح الباب الموصد.
وزارة المالية: خفض المعاشات، خفض العملة، خصخصة القطاع العام والنفط، الاقتراض.
البنك المركزي: طباعة العملة الورقية.
3) صاحب “عام الانجاز العراقي” و/أو منْ سيدفع ثمن فتح باب العهد الجديد:
النفط (100%): مالكه الشعب العراقي.
خفض المعاشات (30%): من جيب المواطن.
خفض قيمة العملة (25%): سيدفعه المواطن ارتفاعا في أسعار غذاءه ودواءه.
خصخصة مؤسسات القطاع العام والنفط (100%): سرقة أصول رأسمالية كوّنها المواطن.
الاقتراض (… %): دين في رقبة المواطن.
… عندما يحلم الحاكم بذبح شعبه، على الشعب إما الهرب … وإما ربط الحاكم إلى سريره!
ثالثا. “غصبا على شواربكم … أريد أسوي إصلاح … ولو كلفني حياتي”:
   “جئت للإصلاح، ولن توقفني المزايدات والاستعراضات حتى لو كلفني ذلك حياتي… لست طامعا بحكم أو منصب، وأضع مصلحتي ومستقبلي السياسي ثمنا للإصلاح”. حفظ الله حياتك وحفظك من كل سوء، يا رئيس حكومتنا، وأقول لك صادقا ومتعاطفا بأني لا أمتلك سببا واحدا يجعلني أشكك بصدق نواياك وشجاعتك الشخصية، ولكني في الوقت نفسه، ومن خلال أطروحاتك في جلستك الحوارية ليوم 2/1/2021، اكتشفت بأن هذه النوايا والشجاعة قد بُنيت على “أوهام” زيّنها لك وزيرا ماليتك وتخطيطك، وليس على حقائق أرض تحت أقدامك أو أقدامهما:
1) أوهام الوزيرين (الاقتباس بين مزدوجتين):
“استعادت الدولة عافيتها وثقتها بإمكاناتها في (6) الأشهر الماضية”.
“المحنة قد عَدّت، وفككنا الأزمات وقللنا من آثارها على شعبنا ومستقبل أجيالنا”.
“تحمي موازنة 2021 الفقراء، وسيوفر استثمارنا في المشاريع الكبرى فرص عمل للشباب”.
“موازنة 2021 ستنعش السوق وسيصبح العراق مصدرا للصناعة والزراعة وليس للنفط فقط”.
“إصلاحاتنا تؤيدها كل المؤسسات الاقتصادية الدولية وكل الخبراء المعتبرين”.
2) حقائق الأرض (الاقتباس بين مزدوجتين): 
“الشعب فقد ثقته بالدولة ومؤسساتها وبالقوى السياسية”.
لم يأخذ حجم الموازنة الكبير بنظر الاعتبار وجود أزمة مالية في البلاد.
مصادر تمويل الموازنة  تُفقر الشعب (خفض الرواتب والعملة والخصخصة والاقتراض).
لا يقود هيكل الموازنة إلى إحداث تغيير هيكلي عميق في بنية الاقتصاد الوطني.
… يُقال أن ثعلبا قد أغوى ذئبا لمهاجمة دجاج قرية، وأن كلاب القرية، حسب ادعاء الثعلب، لن تعترض سبيلهم لامتلاك الثعلب “ورقة بيضاء”. بعد الهجوم، أحاطت الكلاب بالذئب وهو يصيح: أين الورقة البيضاء؟ وفر الثعلب مولولا بأن الوقت والأرض غير ملائمين … للقراءة!
رابعا. لو كُنت مستشارا … لقُلت لك التزم بالتوازن … العراقيون سادة علم الحساب:
   في جلسته الحوارية ليوم 2/1/2021، قدم الكاظمي لشعبه “كشف حساب” أرباحه وخسائره:
   أ) أرباح الكاظمي (الاقتباس بين مزدوجتين):
1. “العراق يتمتع بأقوى منظومة للعلاقات والثقة الإقليمية والدولية به وبحكومته”!
2. “اليوم كل جيراننا وكل العالم يسعون إلى دعم العراق والتعاون لنهضته من كبوته”.
3. “أدرك الجميع أن التوازنات الإقليمية والدولية بحاجة إلى عراق قوي متماسك موحد”.
4. “الموازنة والورقة البيضاء جهد تؤيده كل المؤسسات الاقتصادية الدولية”.
   ب) خسائر الكاظمي (الاقتباس بين مزدوجتين): 
1. “الشعب فقد ثقته بالدولة”.
2. “الشعب فقد ثقته بمؤسسات الدولة”.
3. “الشعب فقد ثقته بالقوى السياسية”.
4. “الأزمة والحراك الاجتماعي يمثلان ناقوس خطر للجميع، وبأن الوطن في خطر”.
5. “أثرت الأزمة على المواطنين”.
6. “العراق لم يشهد أي تنمية، وتم تدمير صناعته وزراعته وتعليمه ونظامه الصحي”.
7. “أصبح الاقتصاد العراقي رهنا لأسعار النفط”.
8. “الفساد قد أكل الأخضر واليابس”.
   ج) استشارة لتوازن الحساب:
1. عدد أرباحك (4) بينما عدد خسائرك (8)، وهو أمر يَشّي بضعفك في علم الحساب!
2. لا قيمة لجميع أرباحك الــ (4) مجتمعة، مقابل خسارتك 1، 2، 3، 4 منفردة!
3. ستذهب جميع أرباحك الــ (4) مجتمعة هباء، مقابل خسائرك الــ (8) الموجعة!
4. يمكنك تقليص عدد خسائرك الــ (8) إلى (4) لتتوازن مع عدد أرباحك (الــ 4) لحفظ ماء وجهك!
5. جميع أرباحك الــ (4) “أوهام” عندك، بينما جميع خسائرك الــ (8) “حقائق” في وعي الشعب!
… ماذا ينفع الحاكم لو ربح العالم كله … وخسر شعبه؟!    
خامسا. دكَات “بن عبد الأمير” … ليست دكَات مُقتدر … كقيصر أو أمير:   
1) الدكَة الأولى: خفض قيمة الدينار مقابل العملات الأجنبية:
موظف ومتقاعد الداخل: ستنقص رواتبهم بأكثر من (30%) بفعل ارتفاع الأسعار!
مواطن أو مستورد الداخل: سينقص استهلاكه وشرائه الدولار بفضل ارتفاع الأسعار بالنسبة نفسها لخفض قيمة الدينار (30%) مقارنة ما قبل دكَة خفضه!
متقاعد الخارج: نقص راتبه بنسبة (30%) نتيجة دكَة خفض قيمة الدينار!
2) الدكَة الثانية مع الأولى: خفض المعاشات بنسبة (30%) في موازنة 2021:
موظف ومتقاعد الداخل: (30% + 30%) = (60%) = (40%) ما يتبقى من راتبه!
مواطن ومستورد الداخل: ستقل القدرة الشرائية والاستيرادية (30% + 30%) = (60%)!
السوق: سينكمش (30% + 30%) = (60%)!
متقاعد الخارج: (30% + 30%) = (60%) = (40%) ما يتبقى من راتبه!
3) الدكّة الثالثة: يخطط علاوي في موازنته لخصخصة مؤسسات القطاع العام والقطاع النفطي!
… دكَاتك يا “بن علاوي” ما سواها لا “بن بوتين” ولا “بن سلمان”: استضافا كبار الفاسدين في سجن الفنادق، وخيروهم بين سلب الحرية أو “زواع زقنبوت” مال الناس المنهوب … ظلما وعدوانا! 
سادسا. النحس والبخت … لا يجتمعان في قارب سياسي واحد:
   كان “النحس” (الإفلاس) ملازما على الدوام لرجل الأعمال السابق والوزير الحالي علي علاوي في إدارته لدفة قارب أعماله التجارية الخاصة خارج البلاد، واكتسب الرئيس الكاظمي “البخت” في قيادته لدفة قارب العراق بادعاء من قبل بعض طاقم حكومته ينقصه البرهان. اجتمع الاثنان وبمعيتهم طاقم الحكومة لقيادة قارب حفل زفاف موازنة 2021:  
1) حمولة قارب الموازنة (تريليون دينار): النفقات (164,2)، الإيرادات (93,2)، العجز (71,1).
2) أثقال حمولة قارب الموازنة (تريليون دينار): النفقات التشغيلية (120,5)، النفقات الرأسمالية (27,8)، نفقات الدين الداخلي والخارجي (14,8)، نفقات البرامج الخاصة (1,1).
3) سطول (من سطل) إبقاء قارب الموازنة طافيا: قروض داخلية، قروض خارجية، إصدار سندات خارجية، خصخصة شركات القطاع العام، خصخصة صناعة النفط، خفض قيمة العملة الوطنية، ضرائب على معاشات الموظفين والمتقاعدين.
4) احتمالات غرق قارب الموازنة: إما الغرق بسبب عدم رشد المنحوس والمبخوت، وإما الغرق بسبب الرغبة الطاغية لهما بشرّعنة الفساد، وإما الاثنين معا.
5) وسائل مُقترحة لتأمين طفو قارب الموازنة: التحقق من الرُشد الاقتصادي والسياسي للمنحوس والمبخوت، التحقق من رغبتيهما الشخصية بشرّعنة الفساد، خفض النفقات بما يعادل قيمة سطول الاقتراض الداخلي والخارجي، إلغاء خفض ودعم ثبات سعر صرف الدينار، الحيلولة دون خصخصة مصادر ثروة وعمل الناس.
… في نهاية الخمسينات عندما كنت صغيرا، شهدت عرسا على ظهر قارب خشبي صغير ذو مُحرك وسقف خشبي. صعد العريس والعروسة (لا أتذكر من كان منهم منحوسا أو مبخوتا) على السقف ولحقهم طاقم الأقارب، وفي نقطة التقاء نهر الكحلاء بفرعيه “أم الطوس” و”الزبير” في لواء العمارة (ميسان)، لم يتحمل سقف القارب ثقل الحمولة، فانهارت دعائمه وسقط جميع من كان فوقه في الماء. الحمد لله لم يغرق القارب، وخرج الجميع من الماء سالمين لأن جميع أهل العمارة (العراق) يجيدون العوم في لجة مياه “دهلي” السياسة … ولكن فسدت بهجة العرس!
سابعا. الفاتحة خسرانه … والحكومة المُعزية تريد تحلّي حلكّها:
   قُتل المئات من أبناء العراق بنيران الحكومة المستقيلة نهاية 2019، ومات والد العراق (النفط) بداية 2020، وكانت أسباب وفاته قرارا لتلك الحكومة بتخفيض إنتاجه إلى النصف، وانهيار أسعاره وكميات تصديره. تزامنت وفاة الوالد مع تشكيل حكومة مُعزية تخلف المستقيلة القاتلة والمُفرطة بمصالح العراق لإجراء انتخابات مُبكرة، ولكنها بدلا من الاكتفاء بطبق فاتحة “المُبكرة” المتواضع، انفتحت شهيتها بشكل جنوني وطلبت أطباق طعام فريدة وفاخرة وغالية الثمن، لا يقوى أهل الفاتحة على تحضيرها لا في الزمن القصير ولا في الطويل، ولا يستطيع المُعزّون أنفسهم هضمها: 
1) أطباق طعام الحكومة: طبق التغيير الهيكلي الشامل لجسد اقتصاد مشلول ومربوط الوثاق بعنق الوالد منذ أكثر من ستين عاما، وطبق موازنة لحفل زفاف ملوكي أسطوري في زمن الفساد وكورونا، وطبق تحميل الفقراء دفع ثمن حفلة العرس والبالغ (164) تريليون دينار. 
2) عسر هضم المُعزّين: لم يطلب المُعزّون الآخرون (البرلمان والكتل السياسية) من الحكومة المُعزّية التواضع والاكتفاء بطبق “المُبكرة”، ولكنهم تعاطفوا مع أهل الفاتحة بطلبهم من الحكومة تخفيض نفقات العرس إلى (120) تريليون (النائب سهاد العقيلي) أو (90) تريليون (كتلة الفضيلة البرلمانية)، حسب الخبر المنشور في (“صوت العراق”، 21/1/2021).
… شهد واحد من أهل الفاتحة: التفت الأخ الكبير (الرئيس) صوب أخوه الصغير (وزير ماليته) قائلا “أحسنت علاوي، ما يزيل مرارة خسارة الفاتحة غير … حلاوة صينية باقلاوه موازنتك”! 
ثامنا. “اللي بعبه طلي … يمعمع”: 
   يبدو أن بعض النواب، أدركوا أن حظوظهم في الانتخابات المقبلة معدومة، وعلى هذا الأساس، كما أرى، قرروا لأنفسهم مواقف من الموازنة تضمن لهم عدم الخروج من مولدها بدون حمص:
1) “جدر” حمص الموازنة. (110) تريلون دينار (المصدر: بيانات الموازنة)، منها: 
قروض داخلية وخارجية: 14 تريلون دينار (المصدر: بيانات الموازنة).
ربح الحكومة من تخفيض سعر صرف الدينار: 12 تريلون دينار (المصدر: عضو  اللجنة المالية النيابية شيروان ميرزا، “صوت العراق”، 21/1/2021). 
2) بعض مواقف النواب. تخاف هذه المواقف سياسيا من الحكومة، وهي حكومة غير مُنتخبة دستوريا، إذ جرى تشكيلها بتوافق سياسي لمعالجة أزمة سياسية وإجراء انتخابات مبكرة، وهو خوف غير مُبرر دستوريا ويشّي برغبة أكل الحمص: 
“سنأخذ رأي الحكومة بالتعديلات قبل التصويت عليها، ولا يمكن للبرلمان إطلاقا تعديل سعر صرف الدولار” (النائب شيروان ميرزا، “صوت العراق”، 27/1/2021).
“تريد اللجنة إجراء تعديلات بنحو لا يتم رفضها من الحكومة أو الطعن بها لاحقا” (مقرر اللجنة المالية النيابية النائب أحمد الصفار، “صوت العراق”، 228/1/2021).
3) مُقترح حل وسطي. أنا رجل واقعي، وأعرف أن الناس تحب أكل الحمص ولا أستطيع منعهم من ذلك، وبذلك أقترح حلا وسطيا يُتيح للجميع أكل الحمص (الأرقام تريليون دينار):
أ) حصة علي علاوي وصحبه في الحكومة والبنك المركزي والبرلمان (86)، منها:
(84) = 110 – (14 + 12).
بما أن النفقات الاستثمارية هي حمص مأكول لا محالة، سأبقي لهم منها (2) من أصل (28) في الموازنة = 28 – (14 + 12).
ب)  حصة بقية الناس في العراق (26)، منها:
حصة ناس الغد (14)، سيأكلون حمصها قروضا في المستقبل.
حصة ناس اليوم (12)، سيأكلون حمصها إفقارا اليوم.
… إذا لم يقم النواب بحذف حصة حمص (ب) من جدر حمص الموازنة، فمن حق ناس (ب) الظن أن بعض النواب يعملون عند وزير المالية ومحافظ البنك المركزي … سماسرة بحمص! 
تاسعا. إبراء ذمه … من زلمه مجنون … لرفع الغمه … عن كاهل الأمه:
   ردا على ما يصفها بــ “المناكفات السياسية والأصوات النشاز” الرافضة على نطاق واسع للموازنة المجنونة لسنة 2021، قال زلمة اللجنة المالية لمجلس الأمة جمال كوجر: “إن الموازنة الحالية قد تكون موازنة لسنتين وذلك بسبب قرب الانتخابات وتبعاتها… وضرورة تمريرها بعيدا عن المناكفات السياسية والأصوات النشاز التي لا تريد أن تقر” (“صوت العراق”، 7/2/2021). يبدو أن للزلمه دوافع وغايات وأهداف مُبيتة ومُستترة من وراء محاولته إبراء ذمته وذمة الحكومة ومجلس الأمة، عن فقدانهم الرشد والمسؤولية الوطنية والأخلاقية عن هذا العبث السياسي المجنون:
1) استغفالهم الناس بقبول حسابهم لأيام سنة موازنتهم بأنها (730) وليس (365) يوما!
2) تبريرهم للنهب المُحتمل ومن دون مُساءلة قانونية لموازنتهم، بحجة الانتخابات وتبعاتها!
3) فرارهم المُتوقع بحصة الأسد من موازنتهم، لقناعتهم بخسارتهم السياسية في الانتخابات!
… يخطئ من يظن أن هذا الزلمة هو وحده المجنون في الأمة العراقية، إذ أن جميع زلم حكومة الأمة وغالبية زلم مجلس الأمة يُشاركونه … شبق التمتع بنعيم هذا الجنون!
عاشرا. في خطوتين … سأَدُّلُ “سائرون” على الشارع الموّصل … لتحقيق طموحها السياسي:
   أعلن قادة التيار الصدري مؤخرا عن طموحهم بالظفر برئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، وفي خبر (“صوت العراق”، 12/2/2021)، يقول النائب عن “تحالف سائرون” رياض المسعودي “أن العراق أستورد عام 2020 بمبلغ (50) مليار دولار أوراق ودفاتر وعجلات وحليب وبسكويت وخضروات وعصائر ومعلبات ومواد تجميل ومياه الشرب… ولا يعاني العراق من نقص الأموال، ولكن ما نحتاجه هو إدارة رشيدة للمال وتشجيع الاستثمار ومناهضة فوضى الموازنات”. ليسمح لي النائب بالافتراضات الثلاثة الآتية: تصديقه بوجود الأموال، والحاجة إلى إدارة رشيدة لها، ودعوته لمناهضة فوضى الموازنات. ولنبدأ السير معا على شارع المُبادرة السياسية بخطوتين:
1) خطوة مُبادرة الرشد والمنفعة: خصصت موازنة 2021، حوالي (20) مليار دولار كنفقات استثمارية، يجري تمويل (12) مليار دولار منها عن طريق خفض قيمة الدينار. وكقاعدة في فوضى الموازنات، سيجري هدر النفقات الاستثمارية دون جدوى، وبالتالي ستنتفي الحاجة إلى خفض العملة لتمويلها. هذا يعني: أولا، خفض نفقات الإهدار إلى (8) مليار دولار (وهي إدارة رشيدة للمال العام)؛ ثانيا، الحيلولة دون خفض مستوى معيشة الفقراء بنسبة أكثر من (30%) نتيجة لارتفاع أسعار الغذاء والدواء المستوردين بسبب خفض قيمة الدينار (وهي منفعة لناس سائرون وسواهم).
2) خطوة مُبادرة البرنامج التنموي: نستبعد من قائمة المستوردات مفردات الورق والعجلات ومواد التجميل (لعدم توفر شروط إنتاجها محليا)، ونُبقي على المفردات السبعة الأخرى كموضوع للاستثمار بجهد وطني، يجري تمويله بمشاركة الدولة والقطاع الخاص على وفق برنامج تنموي مستقل تتبناه سياسيا “سائرون”، وتضعه الحكومة كجزء لا يتجزأ من موازنتها السنوية الحالية. 
… لا تحتاج “سائرون” لشجاعة إثبات حقيقة قوة انتمائها وانحيازها لمصالح شارع الفقراء … هي بحاجة لشجاعة إثبات قوتها السياسية تحت قبة البرلمان … لتحقيق مطالب شارعها السياسي!
إحدى عشر. بديناميت جهل وطمع، نَسَفَ أصحاب الموازنة … أساسات هرم الحاجات الإنسانية:
أ) جاء عالم النفس الأمريكي Maslow A.  بنظرية “هرم الحاجات” عام 1943، لتفسير دوافع سلوك الفرد انطلاقا من أولويات التدرج المتصاعد في إشباع حاجاته، وتستخدم على نطاق واسع في علوم النفس والاجتماع والإدارة، وحُددت هذه الحاجات بخمسة أنواع تأخذ شكل الهرم:
1) يبدأ الفرد أولا بإشباع “الحاجات الفسيولوجية” القاعدية (المأكل والمشرب والمأوى والملبس).
2) ينتقل ثانيا صعودا لإشباع “حاجات الآمان” (الجسدي والنفسي والأسري والوظيفي).
3) ينتقل ثالثا صعودا لإشباع “الحاجات الاجتماعية” (العلاقات الأسرية والصداقات).
4) ينتقل رابعا صعودا لإشباع “الحاجة للتقدير” (الهيبة والمكانة والثقة بالنفس والشعور بالانجاز).
5)  ينتقل خامسا صعودا إلى القمة لإشباع “الحاجة لتحقيق الذات” (تحقيق الانجاز والإبداع).
ب) وجاء أصحاب نظرية “موازنة 2021″، لتشييد هرمهم الخاص لإشباع حاجات ما أسموه “الإصلاح الاقتصادي”، بسياسات تدمير مصادر وسبل ووسائل عيش الناس والاقتصاد، وهذه الحاجات حددوها بخمسة أنواع أيضا، وجميعها ناسفة لأساسات نظرية هرم الحاجات:   
1) يبدأ الإصلاح أولا بخفض قيمة العملة الوطنية للاستحواذ على الحاجة (5) بالدينار الرخيص!
2) ينتقل ثانيا صعودا لخفض رواتب الموظفين والمتقاعدين لإثارة القلق النفسي والوظيفي عندهم!
3) ينتقل ثالثا صعودا لفرض الضرائب على الناس وأنشطة الاقتصاد لتمزيق العلاقات بينهم!
4) ينتقل رابعا لطلب قروض داخلية وخارجية لرهن مستقبل الناس بالديون والإحباط!
5) ينتقل خامسا صعودا إلى القمة لخصخصة مؤسسات النفط والقطاع العام وتسريح العاملين فيها!
… اللافت، أن النظرية العراقية التقت مع ضرتها الأمريكية عند إشباع حاجة “القلق” فقط من حاجات الآمان، ولكن عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، المُدافع والمُشارك بحماس في صياغتها، قد أفقد زملائه فرصة الاعتراف الجزئي على الأقل بنظريتهم من قبل المستفيدين من إصلاحهم الاقتصادي، عندما قال أن إشباع هذا القلق لا يتعلق بآمان المواطن صاحب ملكوت العراق، وإنما … بآمان زملائه المُشاركين في صياغتها: الكاظمي صاحب حكومة العراق، وعلاوي صاحب مالية العراق، ومخيف صاحب البنك المركزي لطباعة دينار العراق!  
اثنا عشر. مشروع بناء “دولة الرئاسات”… فرسان يَعّدَون بخيولهم غير الأصيلة… نحو الهاوية:
   في “يوم الشهيد”، اعترفت الرئاسات الثلاث علانا جهارا بأن جميع حكومات ما بعد 2003 كانت “تخوط بصف الاستكان” في بناء الدولة (“الأخبار”، 13/2/2021)، حتى مقدم فرسان بنائها الثلاثة صالح والحلبوسي والكاظمي، وهم يمتطون خيول “الورقة البيضاء” لصاحبيها علاوي ومخيف:
أ) فرسان بناء دولة الإملاق وتقويض أساسات الاقتصاد:
1) برهم صالح: “يجب عدم التهاون في انجاز الخطوات الإصلاحية، ونحن أمام مفترق طرق إما العودة إلى الوراء، وإما التقدم نحو بناء الدولة”!
2) محمد الحلبوسي: “إن التراجع الاقتصادي سيقوض جهود بناء الدولة… إننا اتخذنا خطوات مهمة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وسنمرر قانون الموازنة”!
3) مصطفى الكاظمي: “عملنا على بناء الدولة منذ اليوم الأول لتولي رئاسة الحكومة، وسنطبق الورقة الإصلاحية البيضاء لإنقاذ العراق”!
ب) خيول سحق قوت الناس والاستحواذ على ثرواتهم الطبيعية: خفض قيمة الدينار، خفض المعاشات، الضرائب، القروض الداخلية والخارجية، خصخصة النفط ومؤسسات القطاع العام!
… لا أدري منْ وكيف سيعيش في مضارب دولة الرئاسات الثلاث الموعودة؟
د. جواد الكعبي، 20 شباط/فبراير 2021 

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك