العراق اليوم

الاقتصاد والسياسة

وكالة نون
مصدر الخبر / وكالة نون


بقلم: د. بلال الخليفة

أن الاقتصاد والسياسة هما وجهان لعملة واحدة، ووصفهما اخر بأنهما أكثر تقاطعا من ذلك، فقد يكون الاقتصاد آله وذراع للسياسة وفي أحيان أخرى يكون العكس، أي تكون السياسة آله وذراع في يد الاقتصاد.

منذ نهاية الحرب الباردة، تزايَد اعتماد الولايات المتحدة على الأدوات الاقتصادية لتمرير أهداف سياستها الخارجية.

تنطوي بعض هذه الأدوات، مثل العقوبات، على تطبيق مباشر للضغوط الاقتصادية. تعمل الأدوات الأخرى، مثل الترويج للتجارة الحرة والأسواق المفتوحة، عبر تغيير دوافع الدول الأخرى. لكن جميع هذه الأدوات هي في كُنهها اعتراف بأنّ هذه القوة الاقتصادية الفريدة تمنح الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تحقيق مصالحها دون اللجوء إلى القوة.

في حوار للاقتصادي الأمريكي جون بيركنز صاحب كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم يتحدث عن قصة تجنيد صدام حسين من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية وعن تدريبه ليصبح قاتلا اقتصاديا تحت غطاء شركة استشارات هندسية أمريكية ضخمة أدخل فيها كخبير اقتصادي. اعترف بأنه كان قاتلا من نوع خاص شارك في الاغتيال الاقتصادي لدول بأكملها. وبواسطة الرشوة والابتزاز كان يرغم زعماء الدول النامية على أخذ قروض من الولايات المتحدة الأمريكية ويدخلها في مستنقع الديون والتبعية الاقتصادية للولايات المتحدة. وحسب شهادته فإذا ما حاول احد الزعماء السياسيين رفض شروط التعاون ترسل الاجهزة الخاصة الامريكية عناصر خاصة تسمى ب “الجاكلز” لتصفيته، مثلما حدث في بنما والأكوادور. وفي حال فشل ال”جاكلز” تدفع الولايات المتحدة بجيشها، كما حدث في العراق.

وأن الاغتيال الاقتصادي للأمم أضحى عملا روتينيا بالنسبة للولايات المتحدة. كما يذكر الكاتب أسماء القادة الذين كانوا من ضحاياه والبلدان التي أثار فيها عواصف اقتصادية عاتية. فمنها أمريكية لاتينية ومنها شرق أوسطية.

المثال الأول: في تأثير الاقتصاد على السياسة (العراق)

أولا: اتفاقية مناصفة الأرباح في عام 1952

بالرغم من غزارة آبار النفط العراقي الا ان صادرات العراق من النفط لم تتجاوز حتى عام 1950 اكثر من (46,099,000) برميل نفط بيمنا بلغت الصادرات النفطية في المملكة العربية السعودية (157,491,000) برميل وفي الكويت (116,696,000) برميل وفي ايران (49,640,000) برميل علماً بان النفط قد اكتشف في هذه المناطق بعد العراق بعدة سنوات.

ولم يقتصر الخلاف بين الحكومة العراقية والشركات على كمية الإنتاج فقط بل كان سعر النفط مثار خلاف أيضا اذ حدد الامتياز لعام (1925) حصة العراق بـ 4 شلنات ذهب عن الطن الواحد من النفط المنتج. بعد الحرب العالمية الثانية بدات أمريكا بتغيير سياساتها الخرجية، واخذت منحى اخر بالتدخل في شؤون الدول سياسيا واقتصاديا واخذت منحى بريطانيا في السيطرة على النفط وبدات في السعودية، لذلك حركت الدول المنتجة للنفط للثورة على الشركات النفطية واهمها الشركات البيرطانية.

واخذت الشركات الامريكية بتعميم مبدأ مناصفة الارباح في امتيازاتها في الشرق الاوسط رغبة منها في كسب ود الدول المنتجة للنفط ولتزاحم بذلك الشركات البريطانية التي ارادت حل ذلك الخلاف برفع حصة العراق الى (6) شلنات ذهب للطن الواحد. وهذا المطلب ليس حبا ببقية الدول وانما للضغط على الشركات البريطانية

ان من شجع الحكومة العراقية آنذاك على هذا القرار هو الاتفاق الذي حصل بين الحكومة السعودية وشركة الارامكو على تطبيق مبدأ مناصفة الارباح . قيام الحكومة الايرانية بتأميم النفط الايراني في آذار 1951 .

وجه نوري السعيد تهديداً الى شركات النفط بتعديل الامتيازات والا فان هذه الشركات سوف تخسر امتيازاتها وتفقدها . لذلك وافقت الشركات على فتح باب المفاوضات مع الحكومة العراقية خشية ان تندلع حركة شعبية جامحة تؤدي الى نفس النتيجة التي انتهت اليها في ايران.

بدأت المفاوضات في 5 نيسان 1951 بين اللجنة الوزارية العراقية وبين وفد الشركة​الذي اصر على تطبيق شروط الارامكو 50 بالمائة من الارباح الصافية ، وكان الاختلاف بين الجانبان حول طريقة دفع حصة الحكومة.

وبعد مفاوضات طويلة اعلنت الحكومة العراقية في 13/اب/1951 بان ممثلي الحكومة وممثلي شركات نفط العراق ونفط الموصل ونفط البصرة قد توصلوا الى عقد اتفاقية جديدة. وفي اليوم التالي وافق مجلس الوزراء على هذه الاتفاقيات وقبل التوقيع عليها نشرت الحكومة بياناً وضحت فيه اهم اسس هذه الاتفاقية الجديدة. وتم التوقيع عليها في 3/شباط/1952. وصادق عليها مجلس النواب في 14/شباط/1952 وكذلك وافق عليها مجلس الامة في 17/شباط/1952.

اما موقف السلطات الاستعمارية من هذه الدعوة فقد حذرت انكلترا وامريكا الحكومة العراقية من اتخاذ اية خطوة لتأميم النفط. واتخذت إجراءات اقتصادية وسياسية في سبيل تسويف الاتفاقية والالتفاف عليها، ومن الأمور الاقتصادية التي تندرج تحت الضغوط الاقتصادية وهي تخفيض الإنتاج لزيادة الضغط على الحكومة (قامت بتخفيض نسبة الزيادة في الإنتاج من13,3 % عام 1960 إلى 3,5 % عام 1961 لتصل إلى 1,3 % عام 1962) ومن الأمور السياسية ان بريطانيا لم تقدم الدعم للملم والحكومة اثناء القيام بانقلاب عسكري .

ثانيا: اتفاقية استرداد الأراضي غير المستصلحة عام 1961

لقد حشدت الولايات المتحدة والعفلقية في العراق لإسقاط حكومة 14 تموز (حكومة قاسم) لان الحكومة لأنها اصدرت بعض القرارات التي لا تخدم الولايات المتحدة ولا بريطانيا منها هو ألغاء ارتباط الدينار العراقي بالكتلة الاسترلينية وشرعت القانون الشهير رقم 80 الذي انتزعت بموجبه 99.55% من الاراضي غير المستثمرة من براثن شركات النفط الاحتكارية، لذلك قررت امريكا اسقاط حكومة قاسم (طبعا هذا سبب واحد من أسباب كثيرها منها ارتباط قاسم بالكتلة الشرقية) مهما كان الثمن​ وهكذا جاء القطار الامريكي يوم 8 شباط 1963 حاملا عصابات الحلف الشرير وهذا ما أكده امين حزب البعث علي صالح السعدي في حديثه الشهير في بيروت​ في كانون اول 1963 عندما قال عن انقلاب شباط​ (لقد جئنا للسلطة بقطار امريكي) وهذا ايضا ما أكده العميل السابق​ للمخابرات الامريكية الاقتصادي (جون بيركنز) خلال محاضرته امام جماعات السلام الامريكية المعارضة في مدينة سياتل وفي حديث مسجل على اليوتيوب​ بالصوت والصورة عام 2014​ يقول فيه: (ربما تتذكرون عبد الكريم قاسم رئيس العراق، فقد طرح قاسم مشروعا متميزا قال فيه ان النفط العراقي يجب ان يكون لفائدة الشعب العراقي .. كم كان نبيلا ولكننا لم نكن نرغب بذلك حيث بدأ قاسم بفرض الضرائب على الشركات النفطية وخاصة البريطانية والامريكية وهدد الشركات العالمية الآخرى لذلك قررنا الاطاحة به).

ذكر الدتور احمد ساجر جاسم الدليمي في كتابة (سياسات النفط في العراق خلال الحكم العرافي – صفحة 6) وفي مقدمتة ان (إشارة بعض المصادر الى تصديقة من رئيس جمهورية العراق عبدالكريم قاسم يوم 8 شباط عام 1963 الا انه لم يشرع ولم يوضع موضع التنفيذ حتى عام 1964) وهذا دليل على الغضب الاغربي من تلك الاتفاقية وازاحة الحكومة التي تتخذ قرارات ليست بصالح الشركات الأجنبية.

المثال الثاني (سوريا)

ذكرت في مقال سابق (فسخ العقد قد يؤدي للانقلاب..!) وذكرت فيه الخلاف الحاصل بين الحكومة السورية وشركة النفط البريطانية (بي بي). في 12-7-1966 , حيث اعلن رئيس الوزراء السوري آنذاك الدكتور يوسف زعين للصحفيين ان مجموعة الشركات البريطانية قد ابلغت بقرار فسخ العقد المبرم معها, للعلم ان قيمة العقد كانت 20 مليون جنية استرليني لمد انبوب نفطي بين حقول قرتشو في الجزيرة ومرفأ طرطوس على البحر الابيض المتوسط. بالمقابل تم التوصل الى اتفاق مع شركة سنام بروجيتل الايطالية لتنفيذ المشروع بمبلغ اقل بكثير عن البريطانية وهو 2.5 مليون جنية استرليني. البريطانيون لم يسكتوا عن فسخ العقد لشركتهم, فوجهوا تهديد الى الحكومة السورية بأسقاطها, وبالفعل دبر محاولة انقلاب في سوريا, والتي قام فيها سليم حاطوم وزمرتة اليمينية للاطاحة بالحكم السوري وبالتالي بحكومة زعين والهدف هو الغاء قرار استبعاد الشركة البريطانية.

الخلاصة

1 – ان الاقتصاد هو احد المحركات المؤثرة في رسم السياسات الدولية والمحلية.

2 – الاقتصاد احد الأدوات التي تستخدم من قبل الغرب في رسم السياسات واسقاط الحكومات التي لا تتلائم مع الخطة المرسومة لهم.

3 – المؤثر الأول في رسم السياسات للدول الغربية هي الشركات الكبرى مثل شركات النفط والسلاح وغيرها.

4 – الشعوب واقعه تحت تأثير بروباجندا غربية وهي لا تعلم ذلك بل تنشد الأناشيد ​ الوطنية والحماسية والثورية بحراكها وقد يتغنون بزعماء لهم وهؤلاء هم أدوات للغرب.

5 – أي انقلاب يحدث او تغيير سياسي، يجب البحث عن السبب الاقتصادي أولا، ثم الأسباب الأخرى .

6 – ان احد أدوات الاغتيال الاقتصادي هو زيادة حجم الدين العام للدول التي يراد ان يسيطر عليها وهذا السبب جعلنا نحذر في مقالات سابقة من التوجه لحل العجز في الموازنات العامة من الاتجاه للاقتراض، بل يجب إيجاد حلول ناجعة ومنطقية ومستدامة.

7 – ان طريقة اضعاف الاقتصاد وزيادة الدين العام وتقنين الانفاق وفق شروط يضعها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي هو الأسلوب المعتمد حاليا في السيطرة على اقتصاد الدول النامية وبالتالي السيطرة عليها سياسيا.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

وكالة نون

وكالة نون

أضف تعليقـك