العراق اليوم

"واحة الديمقراطية" في مهب الريح

شبكة بوك ميديا PukMedia

أعاد الحكم القضائي الصادر بحق صحفيين وناشطين مدنيين في إقليم كوردستان التحديات التي تعترض مسار الديمقراطية وحرية التعبير والنشاط السياسي والمدني في الإقليم أو على الأقل في جزء منه، إلى الواجهة.

وأصبحت “أسطورة” واحة الديمقراطية وحرية التعبير و”النموذج المثالي” الذي نودي بتعميمه على العراق أمام علامات استفهام كبيرة تنتظر ردود سريعة لا تحتمل المماطلة والتسويف، وإلا ستتبخر حلم الاحتذاء به ليس في العراق فحسب Kبل في عقر دار الكورد أيضاً وسيجد نفسه في مهب الريح عاجلاً أم آجلاً.

فكوردستان التي كانت تمثل لسنوات عدة منارة لحكم ديمقراطي نموذجي ومنبعاً لقضاء مدني متطور مقارنة بالمناطق التي كانت خاضعة لسيطرة النظام العراقي السابق، تمكنت من الوقوف على قدميها رغم الصعاب والمخاطر ومهدت لأسس ديمقراطية وحرية التعبير وتعددية سياسية لم يشهد لها العراق مثيلاً طوال عقود.

ووقف العالم مبهوراً بما تحقق من إنجازات بارزة على الأرض بدءاً بانتخابات ديمقراطية تعددية وحرية واسعة للنشاطات السياسية والمدنية وانفتاح كبير بوجه الحرية الإعلامية وحرية التعبير خلال فترة زمنية استمرت 12 عاماً استحق خلالها الإقليم تسمية النموذج المثالي وواحة الديمقراطية الواعدة، فلم يكن من المستغرب تهافت الجميع على دعمه من أدنى الشرق إلى أقصى الغرب دولاً وحكومات وهيئات ومنظمات دولية، كما لم يكن من باب المبالغة أن ترتفع أصوات كوردية وغير كوردية مطالبة بتعميم التجربة على جميع أنحاء العراق بعد زوال الحكم الدكتاتوري.

وجاءت الساعة الموعودة بسقوط النظام وكان للكورد وتجربتهم الفتية الدور البارز والأساسي في بناء العراق الجديد الخارج لتوه من تحت براثن الشمولية والقمع البعثي الذي أدار البلاد لما ينيف عن ثلاثة عقود، ويشهد التاريخ بأنه كان للإقليم وأحزابه وقادته وتجربته اليد الطولى في إعادة تأسيس النظام السياسي والقضائي والمدني في العراق، ويكفي أن الرموز السياسية للكورد شاركوا بفاعلية بل كانوا من القلة التي أدارت العملية السياسية والقضائية بعد عام 2003، فأول رئيس منتخب ديمقراطياً في أول تجربة شهدها العراق الجديد كان المرحوم الرئيس مام جلال الذي يشهد الجميع بكفاءته وحكمته ودفاعه المستميت عن مبادئ الديمقراطية والحرية، كما أسهم القادة الآخرون كلٌ حسب موقعه في تثبيت دعائم الحكم الجديد.

أما النظام القضائي فكان من أبرز المراكز التي وجد ضالته في التجربة الكوردية فإسهام القضاة الكورد في بث دماء جديدة في السلطة القضائية العراقية لا منكِر له، كما لعب الكورد دوراَ ريادياً عام 2006 في تشكيل المحكمة الجنائية العليا لمحاكمة رموز النظام السابق المتهمين في جرائم ضد الشعب وإدارة جلساته وإصدار أحكامه، ومنهم القاضي رزكار محمد أمين والقاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن وآخرين.

هذا المشهد التاريخي الناصع والإنجازات الباهرة يكاد يناله التشويه والاضمحلال، فمبادئ الديمقراطية وحرية التعبير والإعلام الراسخة في جذور التجربة الكوردية منذ ظهورها قبل ثلاثة عقود أصبحت ضحية لأخطاء وهفوات شخصية أو حزبية عرَضتها لخطر فقدان التأثير والتراجع ثم النفور منها بعد أن كانت تستقطب القاصي والداني وتسطر أروع لوحات النجاح والتقدم.

هذه الأخطاء والهفوات ليست وليدة اليوم أو نتيجة لمحاكمة الناشطين والصحفيين في بهدينان فحسب، بل ترجع أسبابها إلى سنوات خلت، فالملاحظ ليس داخلياً فقط وإنما في الأوساط العراقية والإقليمية والدولية أيضاً، أن التجربة الكوردية الصاعدة أصابها الجمود ثم التقهقر، بمجرد أن بات التفرد واحتكار السلطة هدفاً وغاية لبعض الأحزاب السياسية فاختل الميزان الديمقراطي في كيان الإقليم وصار هناك مناطق حافظت أحزابها على ثقة الشعب والتعددية والمشاركة الجماعية في الإدارة والحكم، وهناك بجانب ذلك مناطق أصبحت سمتها سلطة الحزب الواحد وتهميش الآخرين فتدار بعقلية تفردية لا تسمح لأحد بتحمل المسؤولية معها وتنظر بعين العداء لكل من حاول ذلك أو تجرأ الحديث عنه.

الاختلاف مسَ أيضاً قطاعاً حساساً وحيوياً هو الإعلام وحرية الصحافة والتعبير الذي هو من صميم الديمقراطية والحياة المدنية، إذ برزت مناطق معينة في الإقليم تمتاز بحرية شبه مطلقة للعمل الصحفي وتنظيم الفعاليات والنشاطات السياسية لكافة الأحزاب، فيما بقيت أجزاء أخرى من الإقليم تسجل تراجعاً مستمراً لمستوى حرية التعبير والإعلام والنشاط السياسي بل وحتى المدني أحياناً. فكثرت الاعتقالات على خلفية قضايا حرية التعبير والرأي والعمل المدني ومُنعت النشاطات والتجمعات السياسية، وأصبح كل من ينتقد السلطة هو في عداد المتهمين والخونة والجواسيس والمتآمرين والإرهابيين.

ليس هذا فحسب، بل طالت العراقيل عمل مؤسسات تابعة لأحزاب معروفة ونواب منتخبين في البرلمان الكوردي الذي يمثل رمز تجربة الإقليم الديمقراطية.

ودون الخوض في ملابسات الأحكام الفضائية الأخيرة، فإن تركيز المعنيين ينصب على الأسباب المؤدية إلى أن تتمخض عن هذه الأحكام ما رأيناه من انتقاد ورفض وامتعاض داخلي وخارجي، وهو ليس موجهاً إلى السلطة القضائية والمحاكم وقضاتها فقط، بل يطال بالدرجة الأولى الأحزاب التي اتخذت من السلطة القضائية أداةً لتحقيق مآربها السياسية الضيقة فسيّست المحاكم والقضاة عن عمد ودون الاكتراث بأنها ضعّفت موقف العدالة والقضاء، وناسية أنها بغلوَها في التفرد بالسلطة وتهميش الآخرين واحتكار مفاصل الإدارة وحظر الرأي الآخر وحرية التعبير والصحافة والعمل المدني، ستعرض جلَ ما تم بناؤه خلال ثلاثين عاماً الماضية لخطر الطمس وتجعله في مهب الريح.

 

سوران علي/ عن ايلاف 

 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

شبكة بوك ميديا PukMedia

شبكة بوك ميديا PukMedia

أضف تعليقـك