العراق اليوم

المدَّعون للمهدوية في العراق بعد عام 2003 بين الحقيقة والأوهام (الحلقة الأولى)

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

يشير  النبي محمد للعالم بأن الله تعالى قدَّر وقضى أن ينتهي الظلم على الأرض، ويقيم دولة العدل الكاملة الشاملة على يد المهد المنقذ الموعود. فأدعوا أشخاص المهدوية منذُ عدّة قرون، وتقمصوا شخصية المنقذ الموعود. فكان لهم مؤيدون وأنصار استطاعوا من خلالهم أن يقيموا دعوتهم وحركاتهم وما تشتهي أنفسهم، وقد كتبت لبعضهم النجاح، إلاّ أنها تركت ثقلة هائلة على كاهل البلاد التي حدثت فيها مثل هذه الحركات، وقد استطاعت هذه الحركات أن تجري تغييراً جذرياً في المجتمع العراقي، والأخطر من كل هذا منهُم المدعين والسائرون على نهجهم وفكرهم إلى الآن، والسبب ما موّه به المدعي على أنه هو المهدي المنتظر لما تظهر له من (كرامات) و(علم بالغيب)، فضلاً عن تغيير وتحريف بعض الروايات الواردة في المهدي وتطبيقها على مهديهم، وكذلك تطبيقها على من المنتمين إليهم هم أصحاب المهدي المنتظر. وهو هم سذج القوم لا يفهمون ولا يفقهون شيئاً.
    المدعون للمهدوية ينتحلون العصمة لأنفسهم، ويلتمسون أفانين الحيل ومن خلال الزهد والتنسك والغيرة على الدين، فإذا تم لهم ما أرادوا، وأنسوا من أتباعهم الانقياد التام، والخضوع المطلق، سخروهم لمطامعهم الدنيئة، وأغراضهم الخسيسة، وارتكبوا المخالفات والبطلان، ويبدو أن ادعاء المهدوية كان أشبه بالموجة في القرن الحادي والعشرين، فانتشرت بينهم أحاديث النبي محمد بالبشارة بمهديهم.
    لقد ظهرت في العراق العديد من الحركات المهدوية، ومن منها الحركات السلوكية: حركة اليماني، حركة الرباني، حركة المختار، حركة المولوية. أما الحركات السلوكية فكانت حركة (قاضي السماء). وفيما يلي ندرج بشكل مختصر تاريخ كل حركة وعقائدها وأهدافها:-
1- حركة اليماني:
وكانت حركة اليماني تعد من أخطر الحركات المهدوية الناشطة في الساحة العراقية، وأوسعها انتشاراً، قام بتأسيسها عام 1998م (أحمد إسماعيل كاطع السلمي البصري)، الذي يلقب باليماني، وهو من أهالي الناصرية ومن سكنة البصرة تولد عام 1968م، وقد ادعى بأنه ابن وصي رسول الله المهدي المنتظر، الذي ارسله إلى البشرية عامة، وإلى أهل العراق خاصة ليمهد لهُ الأمور، تخرج في كلية الهندسة عام 1992م، ثم توجه للدراسة الدينية في حوزة السيد محمد محمد صادق الصدر في النجف الأشرف، وقد عرف عنه ممارسة السحر والتنويم المغناطيسي، كان كثير الانتقاد والتهجم على المرجعية، وكان يروج من المقربين إليه من طلبة الحوزة بأنه متصل بالإمام المهدي عبرَ الرؤيا.
    في عام 2003 وبعد سقوط النظام السابق ادعى كل من (أحمد إسماعيل كاطع وحيدر مشتت) بأنهما الممهدون لظهور الإمام المهدي، وقد انفصلا عن الحوزة، وسكنا في (صريفة) في منطقة السهلة في الكوفة، وأخذا يمارسان نشاطهما في الدعوة، وذلك بجمع الأنصار وشراء الأسلحة، حتى تحركت عليهما القوات المتعددة الجنسيات، وأزالت مقرهما، واعتقلتهما مدة من الزمن، ثم اطلقت سراحهما، فتوجه (حيدر مشتت) إلى مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، وبدأ هنالك الدعوة بصورة علنية إلى الإمام المهدي مدعياً بأنه قد ظهر، وأن وصيه اليماني قد ظهر أيضاً، وطالب الناس بنصرته، حيث كان يطوف الشوارع بالسيارات معلناً عبرَ مكبرات الصوت عن ظهور (وصي الإمام)، وكذلك فعل انصاره في النجف الأشرف، ثم انتقل إلى كربلاء، ولم يستطع العمل فيها لوجود جماعة الصرخي، فانتقل إلى بغداد لمواصلة عمله في الترويج للحركة المهدوية، حيث أسس (مؤسسة القائم)، واصدر جريدة القائم وكان يناصر ويدعو لـ(أحمد الحسن اليماني)، عن طريق اصدارات هذه المؤسسة، كما أصدر العديد من الكتب والنشرات التي تروج لأفكاره.
    أما (أحمد إسماعيل كاطع) فقد ذهب إلى البصرة، ودعا اصدقاءه وابناء عشيرته ومعارفه إلى تبني هذه الأفكار، واصدر جريدة صوت الحق الاسبوعية التي تروج للفكر المهدوي. وقد استقطب الكثير من المؤيدين، وفعلاً اصبحت لهذا الرجل قاعدة شعبية لا بأس بها، وعلى أثر ذبك بدأ بفتح مقرات على شكل حسينيات، ثم أخذ يضرب على وتر الجهاد ومقاتلة المحتل في كتبه ومنشورات حركته، محاولاً الاقتراب من التيار الصدري، وبدأ يعلن نفسه بأنه الاعلم وأن لديه أسرار (الإمام المهدي).
    وقد توسعت القاعدة الشعبية للقحطاني واليماني حتى وصلت إلى المدن المقدسة في النجف وكربلاء، ومناطق الفرات الأوسط، إذ كانا ينشران أفكارهما عبر المحاضرات وإقامة الصلاة والكتب والمنشورات، أما بغداد فقد عمل حيدر مشتت مع ضياء الكرعاوي، واشتركا في تأسيس جريدة القائم ومكتبة القائم، واضبح لها فروع عديدة في بغداد والمحافظات، وكان (الثلاثة) يخططون للقيام، وإعلان الظهور.
    إلا أن شهر العسل لم يدم طويلاً بين الرجلين، حيث دبَّ الخلاف بينهما على مناطق النفوذ، وعلى الموقع الأول في الحركة، مما أدى إلى انشقاق حيدر مشتت بمن معه، بعد أن كان يخطط للظهور، وإعلان بيان التأسيس من مسجد الكوفة مدعياً بأنه (القحطاني)، وأصدر عدداً من النشرات والمقالات في جريدة القائم هاجم فيها أحمد الحسن وجماعته وانتقد أقواله وكذّب ادعاءاته. وفجأة باغتته إطلاقات أردته قتيلاً في شارع حيفا ببغداد، لتوأد الحركة القحطانية قبل أن تولد، “وقد أصدر اليماني بياناً وصف فيه حيدر مشتت – بعد مقتله – بأنه انحرف، وأنه أول الدجالين، وأنه قد استغل الحركة لصالحه).
    وبعد ذلك استمر (أحمد إسماعيل كاطع) بتوسيع نفوذه في محافظات الوسط والجنوب، وأسس فرعاً في لبنان ومصر وسوريا، وأخرى في بعض الدول الأوروبية وأمريكا واستراليا، حيث انتمى إلى حركته المئات من المناصرين. وكذلك أسس حوزة لتدريس العلوم الدينية اسماها (حوزة اليماني) لتقوم برفد الحركة برجال الدين المتخصصين، كما انشأ عدة مقرات رئيسة للحركة في محافظات الوسط والجنوب (بغداد وكربلاء والنجف وواسط وميسان وذي قار).
    ومن عقائد وأفكار وادعاءات الحركة اليمانية القول بوحدة الوجود ونظرية الفيض، والقول بعقيدة الحلول والتجسيد، وأن دعوته عالمية وعلومه تلقائية وليست مكتسبة، ومصادر علومه هو منهج الكشف والاحلام، وأنه ينهل علوم وأحكام الشريعة من الإمام المهدي بصورة مباشرة، ولا حاجة لوجود المراجع، ويدعي بأنه معصوم، وزيارة مراقد الأئمة أمر غير صحيح، ويدعي بأن لديه محكم ومتشابه القرآن والعلم والحكمة، كما دعا علماء الأديان إلى المناظرة، والمباهلة مع مراجع الشيعة، يصف أهل العراق بأنهم قتلة الانبياء والأوصياء، واتخذ نجمة داود شعاراً لنفسه وجماعته.
 ومن هيكلية هذه الحركة التنظيمي: اللجنة الدينية، اللجنة الامنية، اللجنة العلمية، اللجنة الإعلامية، اللجنة المالية، اللجنة العسكرية،
    هناك الكثير من الأدلة كما ذكر الكاتب ذو الفقار علي ذو الفقار في كتابه (الحركات المهدوية): “أن هناك الكثير من الأدلة حول ارتباط هذه الحركة المشبوهة مع الاجهزة الأمنية للنظام السابق، ومما ثبت في التحقيق أن لهذه الحركة ارتباطاً مخابراتياً من خلال المدعو (فاضل هلال) وهو ضابط برتبة عقيد في جهاز المخابرات زمن النظام السابق، وكان يلتقي بقيادات هذه الحركة ويزودهم بالتوصيات والأموال”.
    والدليل على علاقته بجهاز مخابرات نظام صدام، أنه نشر في كتابه (كرامات وغيبيات) في صفحة 27 : “أن اليماني أخبر قبل شهور بمقتل السيد محمد صادق الصدر، ثم أكد لخواصه في ذلك اليوم الجمعة”، وهذا دليل لا يقبل الشك حول ارتباطه بأجهزة النظام السابق الأمنية. كما تذكر الوثائق التي تمكنت قوى الأمن من الحصول عليها، والتي تثبت ارتباط هذه الحركة بتنظيم القاعدة الارهابي، عن طريق احدى تنظيماته الفاعلة في العراق حينذاك وهي (كتائب جند اليمن). وهي عبارة عن كتاب صدر بتاريخ 13/5/2007 بتوقيع الشيخ أبي الليث الليبي قائد كتائب جند اليمن، أي قبل أحداث البصرة والناصرية بستة أشهر تقريباً، يتضمن توجيهات صادرة من الجناح العسكري الأعلى لتنظيم القاعدة، بأسناد الحركة اليمانية في العراق ودعمها عسكرياً. كم لهذه الحركة ارتباطات خارجية من خلال بعض الشخصيات والتجار في الامارات واستراليا واوروبا وتركيا تعم على جمع الأموال لدعمها، وتتلقى توجيها من الفقيه حسن الحمامي. كما قامت الحركة اليمانية بإنشاء قناة فضائية (المنقذ) تتولى مهمة الترويج لأفكار الحركة.
    استغلت الحركة حلول مناسبة عاشوراء عام 2008 للتعرض للقوى الامنية العراقية في محافظتي الناصرية والبصرة، فاضطرت القوى الامنية لمعالجة المر بسرعة وحسمه، والقت القبض على عدد كبير من قيادات وكوادر وعناصر هذا التنظيم المسلح واحيلوا للقضاء، فيما عثر في مقراتهم ومعسكراتهم على الكثير من الاسلحة والمعدات والوثائق التي تثبت ارتباطاتهم الخارجية المشبوهة، وعلاقاتهم بباقي الحركات المهدوية المنحرفة، وهو ما اكدته اعترافات قادتهم، بعد التحقيقات التي اجريت معهم اثر انتهاء الاحداث في المحافظتين.
 
المصادر:-
1- ذو الفقار علي ذو الفقار. الحركات المهدوية (تاريخها.. عقائدها.. خطرها) مركز بانقيا للأبحاث والدراسات.. ط2. 2014.
2- حركة انصار المهدي. بنك المعلومات الوطنية. بغداد. 2009.
3- دراسات تحليلية حول الحركات المهدوية.
4- احمد حسن اليماني. المتشابهات. اصدارات انصار الإمام المهدي. ط1. 1426هـ. البصرة.
5- عبد الرزاق الانصاري. موجز عن دعوة السيد أحمد الحسن. اصدارات انصار الامام المهدي. ط1. البصرة. 1426هـ.

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك