العراق اليوم

(دروبُ الموت (15-A) محاولة إختطافي عام 1989

مصدر الخبر / الاخبار

هنا رأيت من الضرورة المُلحة أن أسمّي الأشياء بأسمائها كي أسجل على صفحات تاريخي في المغتَرَب قصتي مع الموت وحقيقة كنتُ قد كتبتها عام 2006 بإيجاز في حلقات (عالم المخابرات) على مواقع عراقية عديدة. هذه الحادثة تدعوني أن أفضح المستور وقد حفظتها بصبري وحكمتي تحسبا مني العمل في بغداد ومن ثم أجري متابعتها مع ملفات أخرى كثيرة أحتفظ بها، لكنني فشلت بفشل مَن يهمهم الأمر في بغداد.
في الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني من عام 1989 وهو الأرجح، زارني في مدينة إسلام آباد فجأة صديق سبق لي معرفته في أوردوكاه كرج في ايران بداية عام 1987 كما أتذكر وقد سبقني أشهرا بالهجرة الى الباكستان. كان قادما من مدينة كراجي محل سكناه، إسمه جلال مصطفى صالح أبو زيد من القومية الكردية أصلا، (الآن في النرويج ) لكنه تربى في بغداد ولا يجيد الحديث بلغته الأم كما يجب. رحبتُ به كثيرا كون جلال طيبا في تعامله وظريفا في كلامه وصاحب نكته وابتسامه عريضة. مكث عندي ليلتين أو ثلاثة ليالٍ، في هذه المدة القصيرة حصل كالتالي:عرض جلال عليَّ مشروعا سياسيا معارضا لنظام صدام حسين هو أن نقيم مأدبة غداء في أحد كبار الفنادق في كراجي، ندعو إليه بإسم المعارضة العراقية كبارعلماء الدين في المدينة. بحسب زعمه فإني المعارض الحقيقي وما لديَّ من كفائات ثقافية يمكنني إقامة مثل هذه الفعالية التي فيها نعرض للرأي العام الباكستاني حقيقة معاناة الشعب العراقي ومأساة مدينة حلبجة وأهلها التي ضربتها قوات صدام حسين بالكيمياوي. تحدثنا كثيرا وقلت له أخي أبو زيد، أنا اعرف تفاصيل مدينة كراجي وأعرف مدى خطورتها عليّ (أهم شي عندي هو لسه بعدك حباب..؟)، ضحكنا وقال نعم حباب. كان جالسا معنا عقيل سلمان عيدان وآخر هو ماجد إسماعيل محمد(عضو برلمان بعد عام 2003) ذكرتهما في حلقة سابقة. ذات ليلة ذهبنا الى سوق جناح ماركت في إسلام آباد أنا وابو زيد وماجد الحفيد فقررنا لصق صور لاصقة لشهداء مدينة حلجة على أي سيارة تابعة الى السفارة العراقية تتواجد عادة مساء كل يوم في هذا السوق الذي هو محطة كل الأجانب. فعلا تبرع ماجد بتنفيذ المهمة وحققها فعلا على سيارة كانت متواجدة هناك. الصور جلبها أبو زيد معه من كراجي.
حديثنا لم ينقطع عن هذا المشروع وقد زاد في نفسي شعورا بالرغبة عندما تحدثنا عن دعوة أكثر من مئة شخصية دينية لندوتنا نقيمها من أجل فضح النظام الصدامي وجرائمة بحق الشعب العراقي. بقى التمويل المادي فكرت مليا ومعي ماجد فاتفقنا على تدبيره، وفي صبيحة اليوم التالي هيئنا مبلغا زهيدا كحطوة أولى على أمل أن نتقدم خطوة في المشروع بعدها يمكن له التمويل بحسب ما هو ضروري. إستلم المبلغ أبو زيد واتفقنا أن ألحقَ به الى كراجي بعد ثلاثة أسابيع تقريبا، ولما حان الموعد غادرت مدينة راولبندي بالقطار فوصلت مدينة كراجي بعد ثلاثة أيام منهكا لا أستطيع القيام بأي عمل سوى النوم. التقيت أبو زيد ومكثت عنده. في اليوم الثاني تحركنا على الأحزاب الباكستانية، أتذكر راجعنا مكتب حزب (تحريك عوام) ولما اتصل أبو زيد من هاتف المكتب بعالم الدين (كيلاني هو باكستاني عاش في العراق كل عمره وغادرها لما أحس بظلم النظام). رفض الفكرة ولم يباركها بسبب أن القنصلية العراقية ستفشله أو تقتل المقيمين على المشروع. تحركنا أكثر وذهبنا الى بيت موظف في هوتيل -هوليدا إن- إسمه خادم حسين نسأله عن سعر الوجبة من الطعام والحلوى لكل شخص وقد نحتاج الى أكثر من مئة وجبة (سيناريو أبو زيد). في هذه الخطوة وما تلاها من خطوات دبّ في نفسي وذاكرتي (مزيدا) من الشك القديم بعدم الجدية في كل خطوة قمنا بها وبقيت أستشعر تصرفاته ( فاشوشي بلا معنى).
وضعني أبو زيد في فوهة مدفع أو في فم الذئب حين اصطحبته الى منطقة كناري ضواحي كراجي على ساحل بحر العرب ودخلنا بيت صديقه كمال وخرجنا منه بعد ساعة تقريبا. صعدنا سيارة تشتغل على الخط ما بين كناري وكراجي إلا أنه انزلني على شارع عام خال من المارة ما عدى السيارات التي تسير بسرعة وبقى يترقب وأنا أراقب وضعه، ثم صعدنا مرة أخرى بريب وعدم ارتياح. الخطر الآخر حين أخذني الى بيت في محلة أعتقد إسمها سلطان آباد أو هي قريبة منها. هذا البيت موقعه مخيف يقع في زقاق ضيق بمنطقة قديمة وساكنوها من الفقراء. وجدت نفسي محاطا بشلة من العناصر المريبة سبق وإن تعرفت عليهم ما عدى رشيد الباكستاني. جلسنا ذات ليلة وجلبوا معهم دون علمي فديو وأشرطة (موديل ذاك الزمان) فيها أغاني عربية منها أغنية خليجية (يا النومي يا النومي حامض حلو)، وأخرى جنسية فاضحة. الذي دفعني للشك بالمطلق أمر غامض تماما لا يمكن لتلك العقول في مؤسسة مخابرات القنصلية العراقية معرفته، ولا حتى هؤلاء العملاء الحثالى، السفهاء. الخطأ الذي وقعوا فيه أن جهاز الفديو كان جديدا مثل الفضة وأشرطة الكاسيت جديدة، صافية نقية الصورة. في الباكستان وفي أحوال اللاجئين العراقيين السيئة لا يمكن تأجير مثل هذه الأجهزة وهي غير موجودة إطلاقا وإنما سيئة وتتعثر حين تشغيلها، كذلك الأفلام رديئة جدا. سهرنا تلك الليلة على أمرين مُخطط لهما: الأول هو الفديو والأشرطة التي حسبت مصدرها القنصلية العراقية، والثاني هو مناقشة مقال كان قد كتبه رئيس المخابرات العراقي الدكتور فاضل البراق ونشرته جريدة الشرق الأوسط طبعة لندن حول الحركة الكردية وقائدها الملا مصطفى البرزاني رحمه الله. المقال كان قد نشر قبل أيام وليس بجديد. لقد طال التحاور بيننا وكنت فيه مؤيدا للحركة الكردية كمشروع معارض للنظام القائم في العراق. فحشرت جملة في الحوار بأني على موعد غدا مع القنصلية الإيرانية فهم يعرفون تفاصيل زيارتي اليكم لدعمنا في مشروع إقامة الندوة، فطلبت منه أن يصطحبني غدا صباحا لأمر ذات أهمية يجب أن يشاركني به. هذه الجملة (ليس لها واقعا ولا أثرا في برنامج زيارتي أو فعلا لي أية علاقة بالسفارة من هذا النوع) أطلقتها مضطرا لأن الموت قرُب مني وانا قربت منه وليس بإمكاني حتى مغادرة الدار. الجرأة التي تمتعت بها وتجربتي سمحا لي أن انام تلك الليلة مرتاحا، قلقا، ممتعضا، غير مكترث بالنتائج(جمعتُ الأضداد في حينها). بعد إطلاق تلك الجملة خرج أبو زيد من الدار وعاد ليقول، نعم سنذهب معا، فحمدتُ الله تعالى بتحقيق هذه النتيجة الناعمة. كان الحضور في تلك الليلة هو رشيد، الباكستاني يتحدث العربية جيدا،عبد الأمير حمد سلمان الخطيب (أعتقد تضخيم الميم واعتذر عن السهو- حاليا في فنلندا) ، من النجف شقيق الشاعر كاظم الخطيب والكاتب علاء الخطيب في لندن حاليا الذي كان فتىً حين قدم من العراق والتقيته في سجن خوي)، (أبو جمال هادي من السماوة سبق وإن اشتغل في عُمان تفاصيل هويته أجهلها لكن الخطيب يعرف الكثير عنه لأنهما عاشا معا في قصبة كولوني وفي مناطق أخرى من كراجي، سافر الى العراق ما بعد محاولة الإختطاف)، جلال مصطفى صالح أبو زيد كردي الأصل من بغداد. الذي ناقش معي مقال فاضل البراق هو عبد الأمير الذي يدَّعي الثقافة، أما ما تبقى فهم ليست سوى مستمعين متخلفين لا يهشون ولا ينشون في عالم الثقافة ولا القدرة على الدخول فيها . في صباح اليوم التالي أفطرنا سويا وأنا مرتاح البال. رأيت عبد الأمير الخطيب يرتدي قميصه ويلبس الجواريب فلما سألته عن وجهته قال أريد اليوم مراجعة مكتب الأمم المتحدة حول سفري(كذاب). أما أبو جمال فهو يشكو من صداع في رأسه منذ الليلة الماضية وحتى الصباح (كذاب). خرجت من الدار وكأنني ولدت من جديد، وكأن الله بعث علي الحياة بفضله سبحانه. مجرد أن وصلنا الشارع العام أنا وأبو زيد. قلت له انا حرٌّ الآن ولكن تعال نذهب الى (صدر) مركز المدينة أريد أن أشتري قميص لونه أسود هدية الى صديقي عقيل عيدان وبحسب رغبته. إستأذن مني أبو زيد وغادرني مقهورا بحجج واهية بعد إن قال… سأعود لك سريعا، ودّعته مبتسما لا يعرف حذري منه ولا خوفي. بعده غادرت المقهى وانشغلت بالبحث عن القميص واشتريته. صار القميص في الكيس وفي يدي (ذكر القميص له معنى سأبينه في الحلقة القادمة)، وبعد قضاء بعض الوقت ذهبتُ للراحة الى مقهى (سعدي) صاحبها إسمه جلال أبو رضا، أفغاني الأصل أو من جماعة هزارة في كويته الباكستانية بإقليم بلوشستان أعتقد أنه عاش في العراق وواحد من المُسفَرين. 
كنتُ أراقب وأخطط بصمت ولا تظهر عليّ غير بلادتي، أنتظر متى تحين حركة القطار المتوجِّه الى إسلام آباد لمغادرة كراجي نهائيا. شربت الشاي لمرات وتغديت في تلك المقهى التي عادة يشغلها العراقيون فهي ملجأ لهم على اختلافهم، وعرفت فيما بعد أنها محطة العملاء. في هذه الأثناء دخل (الشيخ علي كورنكي الباكستاني الأصل، تربى في العراق وسُفر منه). كورنكي حسب معرفتي أنه كان يعمل موظفا في القنصلية الإيرانية وطُرد منها ويعتبر من أخطرعملاء قنصلية نظام صدام ومسؤولهم، سمعتُ فيما بعد أن ضباط القنلصلية قاموا بتصفيته. الى حلقة خمسة عشر B قادمة.
قاسم محمد الكفائي
Twitter…………Qasim.ALkefaee.canada

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

اخر اخبار العراق من موقع الاخبار العراقي على موقع اخبار العراق اليوم على الفيس بوك تويتر مباشر الان ساعة بساعة

أضف تعليقـك