العراق اليوم

العراق بين الترك والأعراب .. سرقة الأرض والتاريخ والدم

مصدر الخبر / الاخبار

ان باحثاً سعودياً لم يكتف بسرقة شيء من تاريخ محافظة ذي قار , بل سرقها كلها بارضها وتاريخها وشعبها القديم , ونقلها مسافة 800 كيلومترا , على الحدود السعودية الاردنية الفلسطينية في منطقة صحراوية , ليقول شيئاً واحداً ان اهل السعودية هم من قاتلوا في معركة ذي قار التاريخية . فيما تنشر مؤسسات شبه رسمية دينية وإعلامية خليجية ان قتلة الحسين بن علي كانوا من شيعة العراق . ويكتب الاتراك ان النبي إبراهيم ولد في شانلي اورفة وليس في اور , وان لهم حق في الموصل العراقية .
لقد اجتمع في العقير كل من السير بيرسي كوكس والميجور مور المعتمد السياسي البريطاني في الكويت ووزير المواصلات والأشغال العراقي صبيح بك ممثلا عن العراق والتقوا مع عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، انصب النقاش حول ترسيم حدود نجد مع العراق. وبدأ الطرفان بالتشدد في مواقفهم، حيث طلب العراق أن تكون حدوده على بعد 12 ميلا من الرياض، بالمقابل طلب ابن سعود كل مناطق البدو الشمالية من حلب حتى نهر العاصي، وعلى جانب الشط الأيمن للفرات وحتى البصرة وطالب أيضا بحدود قبلية بدلا من حدود ثابتة. بضغط من كوكس تخلى ابن سعود عن مطلبه في قبائل الظفير والتي تسكن بالقرب من الفرات، ولكنه واصل بالمطالبة على القبائل الأخرى .
استمرت النقاشات طوال خمسة أيام أراد الجانب العراقي حدوداً لا تقل عن 200 ميل جنوب الفرات بينما أراد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أن يتم تحديد الحدود عن طريق الحدود بالنسبة لمنازل القبائل الموالية لكل طرف بدلاً من الترسيم عن طريق الخرائط.
في اليوم السادس من اللقاءات رسم بيرسي كوكس بالخط الأحمر الحدود على خريطة التي اعتمدت من قبل الأطراف الثلاث وتقرر بناء عليها إنشاء منطقتين محايدتين الأولى بين الكويت والسعودية والثانية بين العراق والسعودية.
ان العراق كان منذ القدم على ثلاث مناطق , شمالية تمتد من الموصل وتشمل الأناضول وأرمينيا واذربيجان وسوريا ومثلتها غالباً الدولة الآشورية ثم النميرية والحمدانية والعقيلية . ووسطى هي باختصار تمثل الدولة البابلية واراضيها حتى عيلام داخل إيران اليوم ثم الدولة المزيدية .  وجنوبية تمتد من البصرة إلى اليمن مثلتها دولة القطر الجنوبي أو سبأ وهي منشأ الحضارة العربية ثم امارة المنتفق الكبيرة وامارة بني لام الطائية . وربما اجتمعت عدة مناطق في دولة واحدة مثل دولة المناذرة . بالإضافة الى امارات عديدة تصغر وتكبر بحسب العصر . وكانت هذه الدول تستشعر الانتماء إلى بعض , ثم تقلصت أراضي تلك الدول بالتدريج . لكن بقيت البصرة تمتد إلى حدود عمان حتى سقوط الدولة العثمانية .
لقد توزعت الشعوب في الشرق الأوسط القريب الى مركز الرسالة على شكل تجمعات ، كل تجمع كان يقترب من فهم علي بن ابي طالب بقدر اقترابه وفهمه السابق للإسلام . فكانت هناك ( ربيعة ) في العراق ، وهي من العرب العدنانية التي دخلت في الإسلام طوعاً مبكرا ، وصارت هي الأقرب لعلي بن ابي طالب .
وكانت هناك ( مضر الحمراء = خندف ) في جنوب العراق ووسطه الى قطر وعمق إقليم نجد  , وهذا كله داخل العراق التاريخي لا الحالي ، وكانت متذبذبة في اقترابها من الإسلام في بدء الدعوة ، وكذلك كانت علاقتها بعلي بن ابي طالب , نتيجة تأثرها بالمد والجزر بين ربيعة العراق وبين قيس عيلان نجد .
وكانت هناك ( ازد العراق ) التي دخلت في الإسلام باكراً نتيجة علاقتها المباشرة بأزد المدينة من ( الأنصار ) ، وكذلك كانت علاقتها مباشرة ومبكرة بعلي بن ابي طالب , على خلاف ازد ساحل الخليج الذين شابهوا قبائل خندف في ترددهم .
وهناك ايضاً ( مضر السوداء = قيس عيلان ) ، وهي قبائل أعرابية تقيم في إقليم نجد ، لم تدخل في الإسلام حتى بعد الفتح ، وقد كانت تروم القضاء على الدولة الإسلامية بالتعاون مع قريش ، لولا انتصار الرسول عليهم ، وقد صار جزء كبير منهم في جيش معاوية او خصوماً لعلي ، ومع هذا حاول علي واصحابه اختراقهم فكرياً لإكمال دعوة الإسلام فيهم .
كما وجدت ايضاً ( ازد عمان واليمن ) ، وهم قبلوا الإسلام طوعاً وتخلوا عن ممالكهم دون قتال لكنّ بعدهم عن مركز الحضارة العراقية خلق فجوة معرفية بينهم وبين علي . ومثلهم ( ازد غسان ) في الشام ، اذ قبلوا الإسلام ، الا انهم تربّوا في حضن بني أمية بن عبد شمس الذي كان اول خلاف له مع هاشم جد الرسول خلافاً أخلاقياً ، حيث حسد أمية هاشماً ونبله ولم يستطع ان يأتي فعال الخير التي كان يأتيها هاشم ، رغم انه كان متمولاً ، الا انه كان من أهل الرياء الدنيوي  . واختلطوا بمهاجرة اليمن ، وكانوا جميعاً يعرفون الإسلام القرشي المعروض من بني أمية ومن حالفهم على الدنيا من قريش او شذاذ الصحابة ، لذلك كانوا اعداءً لعلي ، وكانت المهمة الأصعب هي اختراقهم ، الا انها كانت مهمة مرسومة في ذهن العراقيين من اتباع ال البيت .
هذا كله بالإضافة الى الكتل البشرية من الموالي والأنباط والأقباط في العراق والشام وفارس ومصر ، وهي كتل تختلف في رتبها المعرفية ، فكانت تقترب من الإسلام ومن ثم علي بمقدار ميراثها الحضاري الفردي والجماعي ، وكانت تتأثر بمن يجاورها من العرب المسلمين ، الا انها قبلت الإسلام في الجملة .
لقد كانت من ربيعة قبيلة العراق الأشهر ( بكر بن وائل ) تستميت في الدفاع عن حق علي بن ابي طالب ومنهجه . وموطنها في جنوب ذي قار حيث مدينة الناصرية الحالية ، ويمتد أعرابها الى الصحراء الممتدة بين العراق ونجد ، تجاورها من الغرب في السماوة قبيلة كلب ، حيث كان علي يجعل عليهما من يجبي صدقاتهما معاً احيانا  ، ومن الجنوب قبائل قيس عيلان وعمرو بن تميم ، ومن الشرق أنباط العراق الموالي ، ومن الشمال ربيعة . لذلك كان لهم دور مهم في قتال الخوارج في المثلث الواقع بين الديوانية والناصرية والسماوة  . وقد هاجر قسم كبير منها الى الموصل وشمال العراق وجنوب تركيا . بل كان قسم كبير من ربيعة في الجزء الشمالي الشرقي لجزيرة شمال العراق قبل الإسلام  . وقد كانت بكر بن وائل وعشائرها ( عجل ) و ( شيبان ) سبب انتصاف العرب من العجم في يوم ذي قار العظيم ، الذي حفظت فيه الأرض والعرض ، لا سيما ( عجل )  .
وفِي الجنوب العراقي التاريخي من ربيعة ايضاً كانت قبيلة ( عبد القيس ) – التي هي اصل البحرين والأحساء والقطيف وجزء كبير من البصرة الْيَوْمَ  – في اخلاص منقطع النظير لعلي . وكانت تحيط بهم قبائل تميم وضبة وأزد عُمان وقيس عيلان .
وقد كانوا يردون مدينة رسول الله في اول الدعوة الإسلامية ، فقد وردوها بعد معركة احد بيوم وفِي غزوة حمراء الأسد  ، ولا يعقل – وهم بهذه الرجاحة والارتكاز العقلي التوحيدي التاريخي والإخلاص اللاحق – الا انهم اسلموا من اول الامر على مراحل .وحين قيل: يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس قال مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس اللهم اغفر لعبد القيس اتوني لا يسألوني مالا هم خير أهل المشرق ورئيسهم عبد الله بن عوف الأشبح وكان دميما فقال رسول الله ص انما يحتاج من الرجل إلى أصغريه قلبه ولسانه وقال له فيك خصلتان يحبهما الله الحلم والأناة  . وقد قرأ ملك البحرين ( المنذر بن ساوى العبدي ) كتاب رسول الله بنفسه على قومه ودعاهم الى الإسلام  .
اما قبيلة ( تميم ) فقد كانت مواطنها تمتد في البصرة التاريخية ، تشاركها فيها الازد ، وهذا ما وجده عتبة بن غزوان حين جاءها  ، في المركز الحالي حيث عشيرة زعيم تميم الأحنف بن قيس بني سعد وعندهم قبر طلحة بن عبيد الله الْيَوْمَ ، وبدو تميم بقيادة ابي الفرزدق غالب بن صعصعة في كاظمة اَي الكويت الحالية ، وأعرابها من بني عمرو وبني حنظلة عند شمال نجد ، وكانت بعض عشائرها في الكوفة .
قال محمد بن إسحاق: ولما قدمت على رسول الله ﷺ وفود العرب، قدم عليه عطارد بن حاجب بن زرارة بن عدس التميمي في أشراف بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر التميمي – أحد بني سعد – وعمرو بن الأهتم، والحتحات بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم أخو بني سعد في وفد عظيم من بني تميم.
وقال ابن إسحاق: ومعهم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد كان الأقرع بن حابس، وعيينة شهدا مع رسول الله ﷺ فتح مكة وحنين والطائف، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم، ولما دخلوا المسجد نادوا رسول الله ﷺ من وراء حجراته أن اخرج إلينا يا محمد، فآذى ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، فخرج إليهم. فقالوا: يا محمد جئناك نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: «قد أذنت لخطيبكم، فليقل». فقام عطارد بن حاجب فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل والمن وهو أهله، الذي جعلنا ملوكا، ووهب لنا أموالا عظاما نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزة أهل المشرق، وأكثره عددا، وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس، ألسنا برؤس الناس، وأولي فضلهم، فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو نشاء لأكثرنا الكلام، ولكن نخشى من الإكثار فيما أعطانا، وإنا نعرف بذلك، أقول هذا لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمر أفضل من أمرنا. ثم جلس. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن الخزرج: «قم فأجب الرجل في خطبته». فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي السموات والأرض خلقه، قضى فيهن أمره، ووسع كرسيه علمه، ولم يك شيء قط إلا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خيرته رسولا، أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا، وأفضله حسبا، فأنزل عليه كتابه، وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه، وذوي رحمه، أكرم الناس أحسابا، وأحسن الناس وجوها، وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق إجابة، واستجاب لله حين دعاه رسول الله ﷺ نحن، فنحن أنصار الله وزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا، فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا وكان قتله علينا يسيرا، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا * منا الملوك وفينا تنصب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم * عند النهاب وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا * من الشواء إذا لم يؤنس القزع
بما ترى الناس تأتينا سراتهم * من كل أرض هويا ثم نصطنع
فننحر الكوم غبطا في أرومتنا * للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فما ترانا إلى حي نفاخرهم * إلا استفادوا وكانوا الرأس تقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه * فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد * إنا كذلك عند الفخر نرتفع
قال ابن إسحاق: وكان حسان بن ثابت غائبا فبعث إليه رسول الله ﷺ. قال: فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ وقام شاعر القوم فقال: ما قال أعرضت في قوله، وقلت على نحو ما قال، فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله ﷺ لحسان بن ثابت: «قم يا حسان فأجب الرجل فيما قال». فقال حسان:
إن الذوائب من فهر وأخوتهم * قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته * تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم * أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة * إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم * فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم * عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم * أو وازنوا أهل مجد بالندى منعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم * لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم * ولا يمسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم * كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسموا إذا الحرب نالتنا مخالبها * إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم * وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوغى والموت مكتنع * أسد بحلية في أرساعها فدع
خذ منهم ما أتوا عفوا إذا غضبوا * ولا يكن همك الأمر الذي منعوا
فإن في حربهم فاترك عداوتهم * شرا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم * إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يؤازره * فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم * إن جد في الناس جد القول أو شمعوا
وقال ابن هشام: أخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان لما قدم على رسول الله ﷺ في وفد بني تميم قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا * إذا اختلفوا عند احتضار المواسم
بأنا فروع الناس في كل موطن * وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا نذود المعلمين إذا انتخوا * ونضرب رأس الأصيد المتفاقم
وإن لنا المرباع في كل غارة * تغير بنجد أو بأرض الأعاجم
قال: فقام حسان فأجابه فقال:
هل المجد إلا السؤدد العود والندى * وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدا * على أنف راض من معد وراغم
بحي حريد أصله وثراؤه * بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حل بين بيوتنا * بأسيافنا من كل باغ وظالم
جعلنا بنينا دونه وبناتنا * وطبنا له نفسا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا * على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها * ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم * يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم * لنا خول من بين ظئر وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم * أموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا * ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
قال ابن إسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله، قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلا من أصواتنا. قال: فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم، وكان عمرو بن الأهتم قد خلفه القوم في رحالهم، وكان أصغرهم سنا. فقال قيس بن عاصم – وكان يبغض عمرو بن الأهتم -: يا رسول الله إنه كان رجل منا في رحالنا وهو غلام حدث، وأزرى به، فأعطاه رسول الله ﷺ مثل ما أعطى القوم.
قال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيسا قال ذلك يهجوه:
ظللت مفترش الهلباء تشتمني * عند الرسول فلم تصدق ولم تصب
سدناكم سؤددا رهوا وسؤددكم * باد نواجذه مقع على الذنب
وقد روى الحافظ البيهقي: من طريق يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن الزبير الحنظلي قال: قدم على رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعمرو بن الأهتم، فقال لعمرو بن الاهتم: «أخبرني عن الزبرقان، فأما هذا فلست أسألك عنه» وأراه كان قد عرف قيسا. قال: فقال: مطاع في أذنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: قد قال ما قال وهو يعلم أني أفضل مما قال. قال: فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زبر المروءة، ضيق العطن، أحمق الأب، لئيم الخال. ثم قال: يا رسول الله قد صدقت فيها جميعا أرضاني، فقلت بأحسن ما أعلم فيه، وأسخطني فقلت بأسوء ما أعلم. قال: فقال رسول الله ﷺ: «إن من البيان سحرا».وهذا مرسل من هذا الوجه. قال البيهقي: وقد روي من وجه آخر موصولا.
ونقل أنبأنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، ثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي، ثنا محمد بن عبد الله بن الحسن العلاف ببغداد، حدثنا علي بن حرب الطائي، أنبأنا أبو سعد ابن الهيثم بن محفوظ عن أبي المقوم يحيى بن يزيد الأنصاري، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: جلس إلى رسول الله ﷺ قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الأهتم التميميون، ففخر الزبرقان، فقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب أمنعهم من الظلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك – يعني: عمرو بن الأهتم -. قال عمرو بن الأهتم: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلا الحسد. فقال عمرو بن الأهتم: أنا أحسدك، فوالله إنك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا، وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى، والأخرى جميعا. فقال رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا». وهذا إسناد غريب جدا.
وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم وهو أنه كانوا قد جهزوا السلاح على خزاعة، فبعث إليهم رسول الله ﷺ عيينة بن بدر في خمسين ليس فيهم أنصاري ولا مهاجري، فأسر منهم أحد عشر رجلا، وإحدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا، فقدم رؤساءهم بسبب أسراهم.
ويقال: قدم منهم تسعين – أو ثمانين – رجلا في ذلك منهم: عطارد والزبرقان، وقيس بن عاصم، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، والأقرع بن حابس، ورباح بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد أذن بلال الظهر والناس ينتظرون رسول الله ﷺ ليخرج إليهم فجعل هؤلاء فنادوه من وراء الحجرات فنزل فيهم ما نزل.
ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم وأنه عليه الصلاة والسلام أجازهم على كل رجل اثني عشر أوقية ونشا، إلا عمرو بن الأهتم، فإنما أعطي خمس أواق لحداثة سنه والله أعلم.
قال ابن إسحاق: ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم }. [الحجرات: 4 – 5] .
قال ابن جرير: حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء، في قوله: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات }. قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن حمدي زين وذمي شين. فقال: «ذاك الله عز وجل». وهذا إسناد جيد متصل.
وقد روى عن الحسن البصري وقتادة مرسلا عنهما، وقد وقع تسمية هذا الرجل. فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، ثنا وهيب، ثنا موسى بن عقبة عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد يا محمد. وفي رواية: يا رسول الله فلم يجبه. فقال: يا رسول الله إن حمدي لزين وإن ذمي لشين. فقال: «ذاك الله عز وجل» 
فهل من الغريب ان يشتري عمرُ بن الخطاب الزبرقانَ بن بدر وقومه بخراج البحرين ليصير مقرباً من عمر بعدئذ  . كما اشترى الاشعث بن قيس زعيم قبيلة كندة, الذي زوجه أبو بكر اخته ام فروة بنت ابي قحافة ، رغم انهم يروون انه كان مرتداً وقتل أبو بكر رجال قبيلته كندة صبراً وسبى الف امرأة منها  ، ثم ولاه الانقلابيون أذربيجان .
كذلك من الملفت ان هؤلاء المشايخ التميميين الذين يصرح القران الكريم بأن اكثرهم لا يعقلون حازوا ما حازه المؤلفة قلوبهم يوم الجعرانة من نفوذ ومال في زمن الخلفاء الثلاث الأول , بما لم يحزه اجلاء الصحابة الذين دفعوا الأذى عن رسول الله من الأنصار والمهاجرين الأوائل . فأبو سفيان وولده يزيد ومعاوية أقطعتهم خلافة الثلاثة الشام ، ثم صاروا الخلفاء بالملك العضوض على رقاب المسلمين . وحكيم بن حزام جعلوا ولادته في جوف الكعبة ، وقد شارك في دفن عثمان بن عفان ليلا ، ومات وهو من أغنى المسلمين  . والعلاء بن جارية الثقفي صار ولده الأسود وحفيده محمد بن ابي سفيان بن العلاء من رواة الامة الموثقين عند العامة . والحارث بن هشام المخزومي – اخو ابي جهل – تزوج عمر ابنته ام حكيم ، وذهب في قريش الشام   ، وتزوج معاوية بن ابي سفيان ابنة ابنه عبد الرحمن ، الذي زوجه عثمان بن عفان ابنته ، وزوجه كذلك الزبير بن العوام بنت أسماء بنت ابي بكر ، وقد خرج في الجمل مع عائشة ضد علي  . وصفوان بن امية – الذي كانت اليه الأزلام في الجاهلية ايضاً – فقد جعله عمر بن الخطاب احد أمراء جيش المسلمين في اليرموك ، وأقطعه معاوية قطيعة حين قدم عليه  ، وقد قتل ابوه امية بن خلف يوم بدر كافرا ، وقتل عمه ابي بن خلف يوم احد كافرا ، ومات اخوه ربيعة بن امية في بلاد الروم مرتدا ، وقتل ابن ابنه عبد الله مع ابن الزبير  . وسهيل بن عمرو ايضاً من أمراء جيش عمر الى اليرموك ، وكان ابنه عبد الله من أمراء جيش ابي بكر . وحويطب بن عبد العزى بن ابي قيس جعله عمر على إعادة أنصاب الحرم في خلافته ، وكان ممن شهد دفن عثمان بن عفان  . والأقرع بن حابس التميمي أقطعه أبو بكر مع عيينة قطيعة ، وكان من أمراء جيشه وفِي مقدمة خالد بن الوليد الى العراق ، وعلى جيش خراسان في زمن عثمان ، اذ مضى الأقرع فشهد مع شرحبيل بن حسنة دومة الجندَل، وشهد مع خالد حرب أهل العراق وفيه الأنبار . ومالك بن عوف النصري جعله عمر مع سعد بن ابي وقاص على جيش القادسية  ، وما سدّا مسدّاً حسناً لولا بني اسد والنخع ، بل لم يشترك في القتال حينها الا هاتين القبيلتان فعليا . ومخرمة بن نوفل بن اهيب هو احد الطلقاء ، وكان رسول الله يقول عنه اذا رَآه ( بئس اخو العشيرة )  ، تزوج أخت الشخصية العامة عبد الرحمن بن عوف ، فولدت ولده المسور بن مخرمة ، الذي تزوج ابنة شرحبيل بن حسنة احد قادة الانقلابيين ، وتزوج ايضاً ابنة الزبرقان بن بدر التميمي احد رجال عمر بن الخطاب ، وكان المسور احد اهم أذرع  عبد الله بن الزبير  .
ثم كانت قبائل تميم على ثلاثة فئات ، فئة تعرف مقام علي بن ابي طالب وحقه ، بقيادة ( مالك بن نويرة ) الشهيد ، وقد تمت إبادة قادة هذه الفئة على يد خالد بن الوليد . وفئة تعرف حق علي في الوصية ولم تعرف مقامه في الإمامة الا بعد حين ، مثل ( بني سعد ) الذين اعتزلوا الناس في وقعة الجمل ولم يشاركوا اَي من الطرفين ، شكاً في ان يكون لطلحة والزبير مقام من الدين كما يكون لعلي فيكونون قد نصروا على مسلم ، حتى ان ( طلحة ) قد دفن بارضهم ، الا انهم كانوا اول من أجاب في صفين حتى قبل درع علي ربيعة ، بعد ان خاطبهم امير تميم ( الأحنف بن قيس ) الا يخذلوا حق الوصي ، واحتج عليهم شاعرهم ( معاوية بن صعصعة ) ابن اخ الأحنف بما لعلي بن ابي طالب من مرتبة ومناقب في الإسلام  . وفئة أعرابية تقطن شمال نجد وغرب الكويت الحالي من بني ( عمرو بن تميم ) كانوا يشبهون ( بني ضبة ) ويحالفونهم ، لم يفقهوا مقام علي لبداوتهم ، وكان من السهل خداعهم بشعارات طلحة والزبير ومقام أزواج النبي . وقد كان قسم كبير من بني تميم انصاراً اشداء لعلي بعد واقعة الحكمين وخروج الخوارج وبدأ غارات أهل الشام .
ومنها كان الكثير من أصحاب علي بن ابي طالب من سكنة العراق المعاصر كالاحنف بن قيس سيد تميم والاصبغ بن نباتة وغالب ابي الشاعر الفرزدق .
لا غرابة ان نجد ( ازد البصرة ) – وهي حتى عمان واليمن – يجهلون مرتبة علي بن ابي طالب الحقيقية ، ثم يقيسون القرب من رسول الله على البيت والزوجة ، فيُقتلون يوم الجمل حول عائشة بجهلهم . انهم كانوا أصحاب دين لا دنيا ، لكنه الدين الساذج البعيد عن المعرفة . ثم ان هذا الجهل الذي جعلهم اعداءً لعلي ولَّد مشكلة أخرى جعلتهم ابعد عن معرفة الحق ، اذ اضطر علي بن ابي طالب الى قتل العديد منهم في معركة الجمل ، حين خروجهم عليه ، مما جعلهم ناقمين . فهذا ( لمازة – أبو لبيد – ابن زياد الأزدي البصري الجهضمي ) المحدّث من الطبقة الثانية من أهل البصرة والتابعي كان يشتم أمير المؤمنين (عليه السلام). قيل له: أ تحب عليا؟ فقال: ( كيف أحب عليا، و قد قتل من قومي في غداة واحدة، ستة آلاف )  . وقد شابههم وطابقهم في هذا الامر كل قبائل قيس عيلان في نجد تقريبا ، من فزارة وغطفان وسليم ، وكذلك قبائل مضر النجدية الصحراوية ، مثل ضبة وعمرو بن تميم . فحين خطب علي في الكوفة يستنهض الناس الى صفين لم يقم معترضاً الا رجل من ( فزارة ) ، بأسلوب أعرابي خشن ، حتى قام اليه الأشتر ، فهرب  . وعلة هذا الجهل بقيم علي بن ابي طالب هي البداوة ، وكون هذه القبائل أعرابية .
وهذه القبائل الاعرابية التي تقع أراضيها اليوم في بلدان الخليج بين الكويت والسعودية وقطر والامارات هي المقصودة بذم علي بن ابي طالب في اهل البصرة حينها , بدليل قوله في تفسير البرهان ( علي بن إبراهيم: قوله تعالى: وَ اَلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ، قال: المؤتفكة: البصرة، و الدليل على ذلك‏ قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : « يا أهل البصرة، يا أهل المؤتفكة، يا جند المرأة، و أتباع البهيمة، رغا فأجبتم، و عقر فانهزمتم، ماؤكم زعاق‏ ، و أديانكم‏  رقاق‏  ، و فيكم ختم النفاق، و لعنتم على لسان سبعين نبيا، إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أخبرني أن جبرئيل (عليه السلام) أخبره أنه طوى له الأرض، فرأى البصرة أقرب الأرضين من الماء، و أبعدها من السماء، و فيها تسعة أعشار الشر و الداء العضال، المقيم فيها بذنب‏ ، و الخارج منها[متدارك‏]برحمة [من ربه‏]، و قد ائتفكت بأهلها مرتين، و على الله‏ [تمام‏] الثالثة، و تمام الثالثة في الرجعة » )  . فلم يقاتل مع المرأة – عائشة – الا هؤلاء , اذ كان اهل البصرة اليوم – وهم اهل شمال المدينة حينذاك – اغلبهم من بني تميم من بني سعد الذين لم يقاتلوا في الجمل وكانوا الى جانب علي بن ابي طالب في صفين , وكذلك خليط من الانباط وبعض القبائل التي لم تشارك في نصرة جيش عائشة . وكانت اعراب تميم تمتد الى الأرض التي تشمل الكويت اليوم حيث دفن فيها زعيمهم ابو الشاعر الفرزدق , وباقي القبائل من مضر التي شاركت في نصرة جيش عائشة وطلحة والزبير  كانت الى الجنوب من تلك الارض . وكانت كل تلك الارضين تسمى البصرة وتتبع لها حتى نهاية الحكم العثماني وبداية تكوين دويلات وامارات الخليج على يد البريطانيين .
لذلك كان من التلفيق ما نسبوه من قصة ارتداد ربيعة كلها ، من بكر بن وائل وعبد القيس والنمر وجميع من كان في ارض جنوب العراق حتى قطر ، وخلقوا لهذه النسبة قصصاً غريبة شبيهة بقصص البدو عن ابي زيد الهلالي ، ولم يبقوا على الإسلام الا الرباب ومن جاورها من الاعراب . وقد صادف ان من نسبوا اليه الردة من القبائل هي من تشيعت لعلي ، وهي التي قاتلت الفرس تحت راية المثنى بن حارثة الشيباني  ، وان من اثبتوها في قصصهم على الإسلام هي جيوش عائشة لاحقاً . ولو كانت ربيعة – التي كسرت قبائل العرب يوم صفين – قد ارتدت لما تجرأت سرايا ابي بكر على التحرش بها . حتى انهم من غرابتهم في هذه القصص جعلوا العلاء بن الحضرمي يستعين بالمثنى بن حارثة الشيباني على المرتدين ، رغم انهم يروون رسالة ابي بكر الى ابن الحضرمي في ذم شيبان – التي كان منها امراء الادب العربي حسب وصف الثعالبي بنو حمدان وبنو ورقاء في العصور اللاحقة  – وتهديدها ، والمثنى هو احد أبناء ربيعة وزعماء بكر بن وائل  . لكنّ هذه القصة تكشف عن معنى واحد او حقيقة خفية خلف النص الملفق في ان العراق كله كان رافضاً لبيعة ابي بكر وثائراً على خلافته . والغريب ان هذه القبائل كانت نصرانية وقد جاءت الى رسول ودخلت في الإسلام طائعة ، والأشد من ذلك انها كانت قد انتصرت على جيش امبراطورية الفرس من قريب ، بمعنى ان ابن الحضرمي كان أشبه بالمستضعف فيهم .
عن محمد وطلحة ، قالا : ( كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة الآف نصفهم من أصحاب علي ونصفهم من أصحاب عائشة ، من الأزد الفان ، ومن سائر اليمن خمسمائة ، ومن مضر الفان ، وخمسمائة من قيس ، وخمسمائة من تميم ، وألف من بني ضبة ، وخمسمائة من بكر بن وائل ، وقيل قتل من أهل البصرة في المعركة الأولى خمسة الآف ، وقتل من أهل البصرة في المعركة الثانية خمسة الآف فذلك عشرة الآف قتيل من أهل البصرة ، ومن أهل الكوفة خمسة الآف ، قالا : وقتل من بني عدي يومئذ سبعون شيخا كلهم قد قرأ القرآن سوى الشباب ومن لم يقرأ القرآن )  . وقد اختصر احد العقائديين من بني ( عبد القيس ) الامر كله بكلمة وجهها لجموع القرشيين بقيادة طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة عند قدومهم للبصرة يطلبون من اَهلها خلع علي او قتاله ، حيث قال : ( يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول الله ص فكان لكم بذلك فضل ثم دخل الناس في الاسلام كما دخلتم فلما توفي رسول الله ص بايعتم رجلا منكم فرضينا وسلمنا ولم تستأمرونا في شئ ثم مات واستخلف عليكم رجلا فلم تشاورونا فرضينا وسلمنا فلما توفي جل أمركم إلى ستة فاخترتم عثمان عن غير مشورتنا ثم أنكرتم منه شيئا فقتلتموه عن غير مشورة منا ثم بايعتم عليا عن مشورة منا فما الذي نقمتم عليه فنقاتله هل استأثر بفئ أو عمل بغير الحق أو اتى شيئا تنكرونه فنكون معكم عليه ) . فهموا بقتل الرجل ، فمنعته عشيرته ، فلما كان الغد وثبوا عليه وعلى من معه وقتلوا منهم سبعين  .
ان العلة الأساس في حرب مثل الجمل ليس النفاق والإيمان كما كان في حرب صفين بين علي ومعاوية ، بل بين الإيمان الواعي وبين الإيمان الساذج ، فقد كان أنصار عائشة مؤمنين ، لكنهم لا يعرفون حق علي بن ابي طالب وأهل بيته ، وهم يظنون ان ام المؤمنين عائشة لا تنطق الا بالحق لانها زوج الرسول ، لذلك قدمها أمامهما الخارجان طلحة والزبير ، وهما من دعماها إعلاميا ايضاً ووثقا جبهتها وخلقا مقامها . رغم ان ام المؤمنين عائشة كانت حقاً لا تحب عثمان وفعله وتبغضه وكانت تريد الخلافة لطلحة  ، ومع هذا صدقوها في امر طلبها لدمه . وهي التي كانت ترى استحباب التزويج في شوال ، لا لشيء شرعي ، بل لدافع عاطفي هو ان رسول الله بنى فيها في شوال . وهي الرواية التي جمعت بين بيان عاطفتها وبين جرأة القوم على الإساءة لمقام رسول الله في زواجه من طفلة ذات ست او سبع سنين ، اذ تدعي الرواية الزبيرية ، وراويتها عروة بن الزبير ، ان رسول الله بنى فيها في السنة الأولى للهجرة . فمن بشاعة ال الزبير انهم حين احتاجوا الى مصدر قديم للرواية جعلوا عائشة زوجة رسول الله من السنة الأولى للهجرة . رغم ان ال ابي بكر قد قدموا المدينة بعد ذلك حسب رواية رجوع عبد الله بن أريقط . وكالعادة اختلف القوم في تاريخ زواجها بعد هذا التلفيق ، فمنهم من جعله في ذي القعدة ومنهم من جعله في شوال . ومنهم من قال انه تزوجها قبل الهجرة بثلاث سنين وهي ذات ست ، وبنى بها بعد الهجرة وهي ذات تسع ، ليدفع بعض الشيء من صعوبة تصديق هذه الروايات . وهذه الروايات الى الْيَوْمَ باب طعن في مقام النبي من قبل أعداء الشرق والغرب . بل ان عائشة لم تكن ترى رسول الله سوى رجل دنيوي ، كباقي الرجال ، لا سمو له خاص ، كما في جوابها له في حديث وجعه ، اذ اتهمته ضمنياً انه لا وفاء له وسيعرس ببعض زوجاته بمجرد رحيلها . فكيف هي إذاً مع امام زمانها علي بن ابي طالب ، وهو غير النبي ولا يمت له بصلة قرابة ويخاصم أباها ويرتبط بقربى مع خديجة التي احبها النبي وصرح بذلك أمامها وزوج بنت النبي الوحيدة فاطمة التي فضحت الانقلاب الذي جاء بابي عائشة الى السلطة ، لهذا كله نجد ان عائشة قد وصل بها الحال الى إخفاء اسم علي بن ابي طالب من مقام الرجلين الذين اتكأ عليهما في مرضه الذي توفاه الله فيه ، ولم تذكر سوى العباس بن عبد المطلب ، الا ان عبد الله بن عباس فضح ما أخفت من الحقيقة وأشار الى ان الرجل الاخر كان علياً ، الا انها – بحسب ابن عباس – لم تشأ ان تذكره بخير ما دامت تستطيع    .
ومن هنا نجد ( مسعر بن فدكي التميمي ) الذي جعله علي على قراء الكوفة ، ذكره الطبري في تاريخه وقال: جعله الإمام علي (عليه السلام) على قراء أهل البصرة. وذكره الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل: بأنه روى عن عطية العوفي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): مكتوب على باب الجنة… لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي.
وروى هذا الحديث ابن عساكر . والصحيح هو ما ذكره المؤرخون كنصر بن مزاحم في وقعة صفين:  في حديث عمر بن سعد قال: لما رفع أهل الشام المصاحف على الرماح يدعون إلى حكم القرآن قال علي (عليه السلام): عباد الله إني أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص… إني اعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها باطل… فجاءه زهاء عشرين ألفا مقنعين في الحديد شاكي السلاح، سيوفهم على عواتقهم وقد اسودت جباههم من السجود، يتقدمهم مسعر بن فدكي وزيد بن حصين وعصابة من القرّاء الذين صاروا خوارج من بعد  . وعن ( ابي كثير الزبيدي الكوفي الأنصاري ) قال: ( كنت مع سيدي، عليّ بن أبي طالب، حين قتل أهل النهروان، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم. فقال عليّ: يا أيّها الناس إنّ رسول اللّه – صلّى اللّه عليه و آله و سلّم – قد حدّثني : ان ناساً يخرجون من الدّين كما يخرج السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه أبدا ، و إنّ آية ذلك أنّ فيهم رجلا أسود، مخدج اليد، إحدى يديه كثدي المرأة لها حلمة كحلمة المرأة، حولها سبع هلبات، فالتمسوه فإنّي لا أراه الا فيهم.  فوجدوه على شفير النهر تحت القتلى، فقال: صدق اللّه و رسوله، وفرح الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدون )  . وقد ابتلي علي بن ابي طالب هنا بلاءين ، بجهل خوارج النهروان ، وسوء ظن واعتقاد من معه وقياسها على ظاهر من مات من قراء الخوارج . ومنه نعلم ان علياً كان خصمه الجهل في الواقع ، لذلك كانت وظيفة أبنائه القضاء على الجهل قبل الجاهلين .
لقد كان الخوارج خليطاً من الأعراب  والموالي وأهل العبادة لا المعرفة ، وكانت قيادتهم في الغالب من تميم ، وهي القبيلة التي كانت منقسمة في ولائها بين الكوفة والبصرة ، بين المدنية والبداوة . بالإضافة الى مجاميع ممن يُؤْمِن إيماناً عاماً بالدِّين ولا يفهم تفاصيله . ورغم انهم كسروا جيش علي بجهلهم ، الا ان خروجهم كان نافعا في عدة قضايا ، منها فتح حوار عقائدي داخلي في جبهة علي بين من يعرف مقامه كإمام مفترض الطاعة وبين من يحترمه كخليفة مفترض الطاعة ، وكذلك لنبذ تلك المجاميع غير الواعية . والاهم ان هذه المجاميع كانت تساوي بين علي وبين ابي بكر وعمر ، وترى انهم على مرتبة واحدة ، فكان من الضروري فك الارتباط بين رؤيتهم ورؤى غيرهم . وقد كان بيان الواقع لسلوكهم وتطبيقات فكرهم أمراً لا يتسنى لعلي كشفه لو كانوا داخل جيشه ، ولا يمكن له منع نشر فكرهم اذا ما انتصر على معاوية ورجعوا جميعاً الى الكوفة ، ومن ثم ستكون الامة منقسمة الى قسمين كلاهما يدعي انه الطريق الى الآخرة ، وليس كما كان بنو أمية يتعاملون على انهم الطريق الى الدنيا . فكان انعزال الخوارج وقتلهم للابرياء من المسلمين بدعوى شرك من لم يكن معهم كافياً في إيضاح جهلهم للناس  .
والامر كان كما نقله العلامة الأمين في كتابه اعيان الشيعة ( من ذلك يعلم أن أصحاب أمير المؤمنين ع كانوا أربعة أصناف الأول أهل البصيرة المخلصون له في الظاهر والباطن العارفون يحقه العالمون بأنها خدعة وهم القليل أمثال الأشتر وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق وكردوس بن هانئ والحضين بن المنذر الثاني المخلصون له بقلوبهم لكنهم خدعوا أو أحبوا البقاء أمثال شقيق بن ثور وحريث بن جابر ووفاعة بن شداد الثالث الذين ليس لعلي ع في قلوبهم مكانته التي يجب أن تكون له مضافا إلى أنهم قد خدعوا وهم القراء أهل الجباه السود وهؤلاء كانوا وما زالوا في كل عصر أضر من الفساق المتجاهرين بالفسق الرابع المنافقون الذين يظهرون النصيحة ويبطنون الغش أمثال الأشعث وخالد بن المعمر فكيف يتم مع هؤلاء أمر. وكتب معاوية إلى علي ع ان هذا الامر قد طال بيننا وبينك وكل واحد منا يرى أنه على الحق وقد قتل فيما بيننا كثير وأنا أتخوف ان يكون ما بقي أشد مما مضى وإنا نسأل عن ذلك الموطن ولا يحاسب به غيري وغيرك فهل لك في أمر لنا ولك فيه حياة وعذر وصلاح للأمة وحقن للدماء وألفة للدين وذهاب للضغائن والفتن ان يحكم بيننا وبينكم حكمان رضيان أحدهما من أصحابي والآخر من أصحابك فيحكمان بما في كتاب الله بيننا فاتق الله فيما دعيت له وارض بحكم القرآن ان كنت من أهله والسلام فكتب إليه علي ع كتابا قال في آخره ثم انك قد دعوتني إلى حكم القرآن ولقد علمت أنك لست من أهل القران ولست حكمه تريد والله المستعان وقد أجبنا القرآن إلى حكمه ولسنا إياك أجبنا ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا.
ولا غرابة ان نعلم بعدئذ ان ( أبا الأعور السلمي ) قائد جيش معاوية بن ابي سفيان في صفين ضد علي بن ابي طالب هو ابن ( سفيان بن عبد شمس ) زعيم ( بني سليم ) حلفاء مشركي بني أمية في غزوة الخندق ضد رسول الله  ، وهم ذاتهم – بنو سليم – الاعراب الذين كبسهم علي بن ابي طالب ليقي المسلمين شرهم ونزلت بحق خَيل علي بن ابي طالب في وقعتهم آيات ( والعاديات ضبحا )  .
وبنو سليم احد فروع ( قيس عيلان ) العدنانية التي انتشرت باتجاه نجد . وهي القبيلة التي أجابت عامر بن الطفيل الكلابي ذلك الاعرابي النجدي الى الغدر بسبعين من الأنصار ارسلهم رسول الله اليهم في بئر معونة ، يدعونهم الى الإسلام ، فقتل رسولهم بعد ان آمنه ، غلظة وبداوة ، وَلَمَّا لم تجبه بنو عامر الى قتل باقي السبعين من الأنصار إجابته بنو سليم ، فقتلوهم غدرا . رغم ان هؤلاء السبعين كانوا في جوار عامر بن مالك ملاعب الآسنة زعيم بني عامر بن صعصعة جميعا ، الذي لم يدخل في الإسلام رغم عرض النبي له محاسن هذا الدين . ولم يلتزم هؤلاء الاعراب عقد سيدهم ، وقد حذّر النبيُ عامراً من غدر نجد بأصحابه ، وقال : أني اخشى عليهم أهل نجد   .
وقيس عيلان كانت مشكلة في ما قبل الإسلام ، اذ كانت على الوثنية رغم نصرانية اغلب القبائل العربية المحيطة بها ، وكانت تعادي النبي محمداً بعد الإسلام ، رغم ايمان اغلب القبائل العربية قبل فتح مكة ، الا انهم قاتلوه حتى بعد فتح مكة ، وكانوا بعد دخولهم الإسلام الباً على القبائل العراقية الموالية لعلي بن ابي طالب ، وكان قائد جيش معاوية من العدنانيين منهم ، ثم في بلادهم انتشرت بدع الوهابية في العصور اللاحقة . وقد تألّفهم رسول الله بأن رد اليهم سبيهم بعد اسلامهم ، اذ جاءه وفد هَوازن  ، تحنناً منه ، وهو الامر الذي جعل الكثيرين منهم يحترمون هذا البيت النبوي . مع بقاء الأكثرية على محدوديتها الاعرابية .
وإسلام هذه القبائل القيسية مع قريش بعد الفتح خلق حالاً جديداً في الدولة الاسلامية ، اذ كانت قبل هذا تقوم على القبائل السبئية ذات الأصل الديني النصراني ، وذات المدنية النسبية ، فيما هي بعد الفتح تضمنت قريش ونفاقها ، وقيس عيلان وتراثها الوثني وبداوتها . لذلك كان من الضروري – وللمرة الأولى – استخلاف علي بن ابي طالب على راس هذه الدولة في المدينة  ، عند خروج الرسول الى تبوك ، حفظاً لكيان الامة من الانقلاب القرشي القيسي المتوقع ، والذي حدث بصورة تدريجية فعلاً بعد وفاة الرسول . وهو الحال الذي وصف به الرسول علياً بأنه منه بمنزلة هارون من موسى  . وقد هاجر قسم من أعراب قيس عيلان جنوباً باتجاه اليمامة في خلافة العباسيين بعد غلبة القبائل العراقية عند قيام الدعوة العباسية .  
كانت القبائل القيسية مشكلة بعد الإسلام ، كما كانت قبله ، اذ يمنع حالها الأعرابي ان تفهم مطالب العقائد الإسلامية العالية ، فضلاً عن عقيدة الإمامة الدقيقة المعنى . لذلك حين سَرِّح معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري في غارة على تيماء انضم اليه الكثير من قومه ، ثم حين حصره المسيب بن نجبة الفزاري من طرف علي وهزمه نهب ذات الأعراب الفزاريون النجديون الإبل التي كانت معه ، لأنهم كانوا يقيسون الأشياء بمحضر الدنيا لا العقيدة . حتى ان المسيب بن نجبة ذاته مالئهم اثناء القتال وجعل لهم سبيلاً للهرب ، رغم انه من المخلصين لعلي ، لانه لم يكن بعمق فهم زعماء ربيعة او همدان مثلا . لكن وجود أمثال المسيب بن نجبة ذاته كان أمراً حسناً وبداية لاختراق عقائدي وحضاري لبعض هذه القبائل النجدية الأعرابية . فهذا احد أفراد القبائل النجدية القيسية ( شبيب بن بجرة الأشجعي ) رغم ان بداوته جعلته يترك علياً وينضم الى الخوارج معتقداً بهم ، الا انه حين كلّمه عبد الرحمن بن ملجم في قتل علي أرتعد وأبدى انزعاجه ، رغم قناعته بدين الخوارج ، وردّ على ابن ملجم بأن لعلي بن ابي طالب السابقة والفضل في الإسلام ، الا انه كتم نية ابن ملجم عن الناس ، لمحدودية فهمه .
ثم ان هذه القبائل على بداوتها أخذت الحديث عن أمثال عائشة ، التي كانت على استعداد لتوهين مقام رسول الله انطلاقاً من غيرتها وعاطفتها ، كما فعلت في نقلها قصة زواجه من جويرية بنت الحارث ، اذ أوهمت السامع ان النبي فتن بجمالها وحسب   . وقد كرهتها عائشة ، حتى اشتكت جويرية هذا الامر الى رسول الله ، فهدأ روعها  . فكيف هي مع خصم ابيها علي بن ابي طالب ، وكيف هي في عاطفتها تجاه ذرية خديجة ام المؤمنين التي احبها النبي . حتى انها كانت لا ترى لعلي بن ابي طالب استحقاق لقب امير المؤمنين ، وترى هذا اللقب انسب لعمر بن الخطاب ، وكانت تبغض الأرض التي عليها مجمل بني هاشم وتحب مفارقتها  . وتوهين النبي صار بضاعة دولة بني امية كذلك ، التي انتظمت اليها الكثير من تلك القبائل القيسية . فقد نقلوا ان رسول كذّب زيد بن أرقم في سماعه عبد الله بن ابي بن سلول ، ثم كذّب القران النبي وصدّق زيدا  .
فيما كان الذين قاتلوا الحسين بين خارجي واموي وعثماني , من أعراب منطقة نجد وساحل الخليج , او من الفئة الاولية الخام للاسلام التي تتبع الدولة  .
ففي مقالة شمر بن ذي الجوشن لعبيد الله بن زياد في الكوفة بعد ورود كتاب عمر بن سعد الذي ينزع الى السلم ما كشف بوضوح ان هؤلاء القوم كانوا نواصب صرحاء , فرغم ان ابن زياد كان دموياً الا انه على ما يظهر أراد الاستجابة لكتاب ابن سعد لولا نصيحة ابن ذي الجوشن الداعية الى قتل الحسين او القبض عليه  , وشمر هو ذاته من أراد قتل امام اخر هو زين العابدين علي بن الحسين في كربلاء ولا يفعلها الا ناصبي شديد النصب والجهل بقتله امامين في زمان ومكان واحد  .
وقد اختار عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد بن ابي وقاص اميراً للجيوش لانه لم يكن مكشوف النصب والعداء لال محمد كما في حال شمر بن ذي الجوشن , ولو اختار شمراً من بداية الامر لانسحب البعض من القادة الذين لم يكن لهم مذهب واضح لشكهم في عقيدة شمر , فكان مثل عمر بن سعد هو الأنسب لهذه المهمة بالاستناد الى حسده الباطني لال الرسول ودنيويته , اذ علم ابن زياد ان قدمي ابن سعد ستجر الى الدماء رويدا . حتى ان ابن سعد بشّر أصحابه في كربلاء وهم يهجمون على الحسين بن علي سيد شباب اهل الجنة بالجنة , وهو تناقض  .
رغم ان بعض هؤلاء القادة كانوا يعرفون مقام ال محمد لا امامتهم العقائدية كأثر مباشر لتواجدهم في المجتمع السبئي مثل عمرو بن الحجاج الزبيدي  . وقد كانت القبائل حينئذ منقسمة على نفسها بين تابع للدولة وبين من يملك عقيدة , فكان الذين قادتهم الدولة الى الهاوية العقائدية , وكان الذين قادتهم العقيدة هم أصحاب التشيع لاحقا . كما كانت القبائل تعيش على الأرض على أساس حمى رعي طويل وعريض , فتكون في القبيلة عشائر مدنية وعشائر أعرابية , وكانت الكثير من القبائل لها رأس مدني في العراق وذيل أعرابي في نجد . فنجد مثلاً من قبيلة بني اسد حرملة بن كاهل ضد الحسين وهو الذي قتل رضيع الحسين بالسهم  , فيما شيخها حبيب بن مظاهر ووجهها السياسي مسلم بن عوسجة مع الحسين  .
ولما كانت جيوش ابن زياد ترتكز الى المادة الخام اسلامياً رأينا بعض جند ابن سعد يثوبون الى الحسين لما رأوا حاله واصحابه ليلة الطف . وهذه القبائل التي مع ابن سعد بانقسامها فكرياً وكونها على عقيدة الدولة كانت معركتها مع الحسين ضرورية لتعي من هم اهل البيت ومن هم خصومهم  . لا سيما ان الحسين لم يترك منزلاً من المدينة حتى نينوى في كربلاء الا خطب الناس ووعظهم احياءً لامر الله والتشيع وهي رسالته الحقيقية حينها  . وكانت مجمل هذه المنازل التي نزلها الحسين بين مكة وكربلاء داخل إقليم نجد ومواطن قبائل قيس عيلان التي تتوزع بين جبال الحجاز وصحراء العراق .
وقد شهد مسلم بن عوسجة الرجل الإسلامي المعروف بأن شمر بن ذي الجوشن فاسق من عظماء الجبارين وان الله امكن منه , الا ان الحسين منعه من رمي شمر بالسهم لانه كره ان يبدأهم بقتال  , مما يكشف وضوح ان هؤلاء القوم لم يكونوا شيعة . وهذا ما كشفته مقالات قادة وجند جيش عمر بن سعد تجاه الحسين , والتي تجلت عن حقد وجهل كبير بمقامه العقائدي , ابتداءً من مقالة شمر التي تبشر سيد شباب اهل الجنة بالنار مروراً بمقالات جاهلة من مجموعة من الجنود ثم انتهاءً بقتلهم الحسين والتمثيل بجسده  , ولو كانت فيهم بقايا ذرة من تشيع او انهم جاءوا خوفاً او طمعاً فحسب لقتلوه صمتاً خجلين . بل ان شمر بن ذي الجوشن لم يكن يفهم المعنى الديني والعقائدي لكلمات الحسين يوم كربلاء قبل المعركة وكان يعيش الاستفهام عما يقول الحسين حينها , وكان الحسين ينتقل الى بيان البعد النسبي له ولاهل بيته افهاماً لمثله  . ومن هنا يتجلى معنى قول الحصين بن نمير السكوني الكندي  عن صلاة الحسين بن علي واصحابه انها ( لا تقبل ) انه لم يكن يفهم من مقام الحسين الديني شيئا  .
فيما نجد ان من يشتم الحسين ويضربه بالسيف على رأسه ويسلب البرنس هو مالك بن النسر الكندي , بينما رفضت زوجه ادخال سلب ابن رسول الله الى بيتها  , وهكذا ظلت مثل هذه القبائل – ككندة – التي خضعت لزعامات مترددة بسبب الدنيا او ناصبية وتأثرت بالمحيط المعرفي العراقي – النجدي بين المد والجزر في قربها من ال الرسول .
وهذا ما جعل الموالي من الانباط  – غير العرب – وغيرهم منقسمين في كربلاء وفقاً لانقسامات القبائل التي حالفوها , فالمعرفة كانت تخضع للاثر الجغرافي والقبلي كثيرا , البعض مع الحسين والكثير في جيش بني امية , وكثير جداً لا خلاق لهم  .
وقد صرّح الحسين بوضوح ان من يقاتلونه هم ( شيعة ال ابي سفيان ) لا شيعة ابيه علي بن ابي طالب  . ودليل ذلك ان قبيلة موالية لعلي صراحة مثل النخع خرج منها مثل زحر بن بدر الذي قتل أبا بكر بن علي  وسنان بن انس الذي ضرب الحسين  , الامر الذي يعني ان معركة الطف الكربلائي كانت فاصلة بين حزبين وعقيدتين لا بين نسقين اجتماعيين فقط . وقد كانت القبائل مختلطة متداخلة لا عقيدة متميزة لها حتى ذلك الحين . فنجد في بيت واحد خولي بن يزيد الاصبحي الذي جاء برأس الحسين ليسلمه لأبن زياد , وكذلك زوجته الأولى النوار التي غضبت لان زوجها لم يجيء بالذهب والفضة بل جاء بهذا الذنب , فيما زوجته الثانية العيوف بنت مالك ظلت تعاديه منذ جاء برأس الحسين حتى دلت عليه جند المختار فقتلوه  .
ويكفي مقالة هذا الجيش الاموي للحسين بأنه يرد ( الحامية = النار ) بعد مقتله دليلاً على جهلهم بمقام اهل البيت  . وسلب الحسين عند شهادته  فعلة فوق رضا ابن زياد , وبالتالي هو دليل اخر على الجهل بمقام الحسين ولا يكون الا من الاعراب . فيما كان الموالون لاهل البيت لا يمنعهم المقام من اظهار ولائهم , فهذه امرأة من بكر بن وائل – وهي في مجملها من قبائل العراق المدنية – كانت زوجة لاحد افراد جيش عمر بن سعد حملت السيف نصرة لنساء ال بيت الرسول عندما داست الخيل صدر الحسين لتعبر اليهن , فردها زوجها  . ومن توزيع رؤوس أصحاب الحسين على القبائل التي جاءت مع عمر بن سعد  نعلم حجمها في ذلك الجيش . فالمنافسة كانت بين هوازن وتميم  , على اختلاف الرواية ان احداهما ذهبت بعشرين رأساً والأخرى بسبعة عشر , وهما قبيلتان اعرابيتان , يشغلان معظم مساحة السعودية الحالية وساحل الخليج . فيما ذهبت كندة بقيادة ال الاشعث بثلاثة عشر رأسا , والتي كانت مواطنها تمتد من صحراء العراق الى داخل منطقة الجوف السعودية . وذهبت اسد ومذحج – مشتركتين – بنحو ثلاثة عشر رأسا , وتميزت هاتان القبيلتان برأس مدني في العراق وذيل أعرابي داخل إقليم نجد , كما قبيلة بكر بن وائل . وباقي الناس بأقل من ثلاثة عشر رأسا . فيما كان العنوان العام للجيش الذي قاتل الحسين بن علي وحاصره وافجع المسلمين به أوضح في شعر الفضل بن العباس بن عتبة بن ابي لهب حيث عدد القبائل الرئيسة المشاركة في احد ابياته فذكر تميم وبكر والسكون وحمير  , وهي قبائل تشترك في جزء كبير من البداوة او انها غير عراقية أصلا .
والملفت انه بعد تعاقب القرون على تلك الحوادث وتغير المجتمعات والعقائد لم يكن القرامطة في زمن العباسيين سوى مجاميع من الموالي غير العرب والاعراب الصحراويين الفوضويين في الفكر ، قاتلهم الشيعة العراقيون من طيء وتغلب وشيبان وبني حمدان ، حتى ان القرامطة اسروا أبا الهيجاء بن حمدان والد سيف الدولة في طريقه الى الحج وقتلوا الحاج . وكان ال الجراح من طيء أمراء قبائل الشام . وقد اصطف شيعة العراق خلف احمد بن محمد الطائي الذي كان على الكوفة لقتال القرامطة بعد ان طلبوا مناظرتهم ، فتم قتل هؤلاء القرامطة وابادتهم . فهرب قرمط ولم يجبه على دعوته الا الاعراب الجنابيون من قبيلة كلب , التي امتدت من صحراء السماوة الى داخل إقليم نجد . وكان بنو ثعلب وبنو عقيل من عرب البحرين في مد وجزر مع القرامطة حتى أبادوهم لاحقاً وغلبوا على البلاد . بل ان العرب الذين كانوا الى جانب القرامطة انهزموا لصالح المعز الفاطمي كسروا جيش القرامطة حين حاصر مصر ، مما يكشف ان هذا الجيش تأسس على قاعدة من الموالي ومجموعة من الاعراب . وقد كانت قوة القرامطة ناشئة عن الاعراب الذين معهم ، وبعض من لا ركيزة حضارية ، حتى ان بني ضبة الاعراب بين البصرة وهجر الذين كانوا في جيش العباسيين الذي خرج لقتال القرامطة انهزموا لصالح هؤلاء القرامطة وكسروا جيش العباسيين ، وبنو ضبة هم من كانوا حول عائشة يقاتلون علي بن ابي طالب في معركة الجمل ، الامر الذي يثبت انهم ظلوا بلا عقل هاد .
ان تحالف الأتراك والقرامطة ضد الفاطميين يثبت ان القضية برمتها كانت نزاعاً على الملك ، لا سيما ان هؤلاء الترك كانوا في الأصل من موالي بني بويه الشيعة الإمامية الذين حاربوا القرامطة  . وقد حصر القرامطة في حدود الأحساء الضيقة كدولة ، لما رفضته الناس من عقيدتهم رغم سيفهم ، كما حُصر جيرانهم الخوارج في عُمان ، وقد كانوا قريبين الى بعض ، يقاتلهم الشيعة من بني بويه جميعا  . فيما تم ارجاع الحجر الأسود من يد القرامطة عام 323 ه على يد الشريف العلوي عمر بن يحيى احد ذرية زيد الشهيد  .
لقد كانت قبائل نجد وما جاورها من البادية معضلة دائمة في صدر الإسلام وفي زمن الامويين امتداداً الى اليوم حيث منها ظهر مكفّر المسلمين وحليف البريطانيين محمد بن عبد الوهاب الذي انشأ دولة ال سعود التي حاربت كل الطوائف الإسلامية . عن رسول الله قال : ( اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا . قال : قالوا : وفي نجدنا . قال : قال : هناك الزلازل والفتن , وبها يطلع قرن الشيطان )  .
ومن كل ما ذكر أعلاه نعلم ان الذين قاتلوا الى جانب علي بن ابي طالب هم وجوه الصحابة وصلحاؤهم وزعماء القبائل الكبرى من وجوه العرب ونبلاء الناس وذراريهم ، وان الذين نصروا الخلافة الانقلابية وبني امية هم مسلمة الفتح وزعماء الاعراب وذراريهم وورثة الكفار وأهل الضيعة من الناس .
ورغم كل هذه الحروب والمنازعات ، كان هناك امر إيجابي حاسم في التاريخ الإيماني ، حيث خرج الكثير من النواصب وضعيفو الإيمان وأهل الدنيا عن العراق . اذ ان من بالكوفة والبصرة من العثمانية قد هربوا فنزلوا الجزيرة في سلطان معاوية  . كما انتقل جزء كبير ممن كان قد شارك في الجمل ضد الإمام الشرعي علي بن ابي طالب الى صفه عند معركة صفين ، لا سيما من ازد البصرة تحت قيادة صبرة بن شيمان الازدي ، ومن تميم والرباب  . الامر الذي سمح لهم بلقاء وجوه الصحابة والتابعين ، والاحتكاك بالفكر الكوفي ، كما سمح لهم بمعرفة علي بصورة مباشرة ، الامر الذي سيكون كفيلاً بتغيير القناعات والأفكار تجاه مفهوم الإمامة .
وهذا كله وفارس لم تعرف بعد علي بن ابي طالب  ، فيما ينسب أهل الباطل من كتّاب السلاطين التشيع اليها . حتى انهم خرجوا على عامله سهل بن حنيف قبل عام ٤٠ هجرية ، وأخرجوه ، فوّلى عليهم احد الموالي الذي يعرف تدابيرهم وطريقة عيشهم ، وهو زياد بن ابيه ، الذي استلحقه معاوية بعد ذلك وقرّبه ، فأجاد إدارة إقليمهم الشائك .
وقد كان واضحاً العمد في خلط أوراق التاريخ , الذي انتج لاحقاً الجهل به , لتكون صوره مشوهة عن عمد او عن جهل . فنجد مثلاً ان الرواة الذين رووا معركة القادسية ادخلوا اليمانية ، وهم من أهل العراق ، في أهل اليمن . وفِي الحقيقة ان عمر بن الخطاب خيّر الجيوش التي شاركت في معركة اليرموك بين العراق والشام بعد ان رفضوا امتثال أمره في النفرة جميعاً الى العراق ، فاختار يمانية أهل العراق من النخع ومذحج القادسية , فيما اختار أهل اليمن مثل حمير الشام ، وهذا كان واضحاً من سياق الاحداث . فذهب عمر حينئذ الى النخع ومجدهم بقوله ( ان الشرف فيكم يا معشر النخع لمتربع ) ، فجعلهم قسمين ، قسم أبقاه في الشام وقسم سيّره الى العراق ، وهو امر صعب لا تقوم به الا قبيلة ذات باس وعقيدة صلبة ، كذلك هو يكشف عن حاجة عمر بن الخطاب الشديدة اليهم ، فهو يعلم حقيقة تشيعهم – فرئيسهم مالك بن الحارث الاشتر – ولم يكن من السهل عليه ان يمدح من يتشيع لعلي بن ابي طالب . وكانت النخع تفزع بذراريها ونسائها ، وهو امر ظل فيهم حتى العصور المتأخرة قبل ان توطنهم الدولة العثمانية ليسهل عليها كسر همتهم .
وقد كان يمانية أهل العراق ثلاثة ارباع الجيش الذي سيره عمر من المدينة الى القادسية ، وسائر الناس بربع . ليجتمع عددهم مع عدد ربيعة وأسد اللتين كانت قبائلهما تمتد بين العراق ونجد وإليهما فزعت القبائل ، فكانوا جميعاً عدة الجيش الإسلامي في القادسية ، فامتدت هذه الجيوش بين ارض بكر بن وائل من ربيعة حيث معسكر المثنى بن حارثة الشيباني وعدي بن حاتم الطائي على طيء معه وبين ارض بني اسد حيث معسكر سعد بن ابي وقاص . كذلك تذكر الروايات بعض من برز انهم كانوا من عقيل . وهي كما هو واضح قبائل الشيعة صريحة . حتى ان الديلم – وهم اجداد البويهيين – قد اشتركوا في هذه المعركة ضد الفرس ، الامر الذي يثبت انتماءهم السومري , لذلك اشترك الفرس في القضاء دولة الديلم لاحقاً مع جيش الترك الذي ارسله بنو العباس  . وكانت هذه القبائل عمود جيش القادسية ضد الفرس ، انضمت اليهم سرايا من قبيلة كندة لاحقا .
في الوقت الذي كان خالد بن الوليد امير ابي بكر يوزع المناصب والثروات في العراق على رجال وأسماء قبلية جاءت معه لم يسمع عنها احد في زمن الرسول ، كان المثنى بن حارثة على ثغر يلي المدائن في مواجهة الفرس وحده  . وكذلك ضاع علينا تاريخ رجال مثل ابي عبيد بن مسعود الثقفي صار لأولادهم ( المختار ) دور مهم في نصرة التشيع ، اذ استشهد أبو عبيد الثقفي وهو يقود جيش المسلمين في معركة الجسر ضد الفرس في معارك تحرير العراق في عهد عمر  . وقد كانت جهود هؤلاء القادة فردية مخلصة في الغالب ، فالخليفة عمر كان يثير زعماء القبائل بعضهم ضد بعض ليشتت الولاءات ، كما فعل في اثارة النعرة القبلية بين جرير بن عبد الله البجلي وعرفجة بن هرثمة يوم سيرهم الى العراق مدداً للمثنى بن حارثة ، لولا حكمة عرفجة ورفضه طلب عمر ان يعاند بجيلة  . ولم تنتهِ غرائب عمر بن الخطاب في عزله المثنى بن حارثة الشيباني ، اذ احتج فيه انه لا يوليه على أصحاب رسول الله ، فيما هو احتج في مقام سابق على من اعترض عليه بتولية غير الصحابة عليهم بأن فضل الصحابة كان بإقدامهم على الجهاد وسبقهم اليه ، رغم المعية وسبق وبطولة وإخلاص المثنى في الجهاد في اخطر ثغر ، وعدم بعد ان يكون للمثنى صحبة وافية ، وهو تناقض غريب ، يحله شمة التشيع في شيبان التي يقودها المثنى ، ووعي قادة جيوش أهل العراق الذي جعلهم يثورون ضد بيعة ابي بكر وخلافته  . والعراق يومئذ يمتد من أرمينيا حتى جنوب الخليج ومن الأهواز وكرمان حتى صفين في شام الْيَوْمَ ، تسكنه قبائل ربيعة وأسد والنمر وتغلب والآراميون وغيرهم من أهله  . وكانت هذه القبائل هي التي وافت المثنى قبل القادسية لمواجهة الفرس ، حيث انتصفت من كان جنوب العراق قريباً الى المدينة أتى الى حيث عسكر عمر بن الخطاب نادباً الناس ، ومن كان جنوب العراق قريباً الى المثنى وافاه الى حيث عسكر  .
كذلك كانت هناك قبيلة تميم التي انضمت اليها بعض قبائل الاعراب في نجد مثل الرباب وقيس عيلان ، لكن بعدد محدود جدا . وقد كانت هذه القبائل المضرية تريد حماية العراق وترفض امر عمر بالنزوع الى الشام ، رغم محاولة عمر استمالتها عن طريق الاستفزاز القبلي ، في محاولة منه للتغيير الديموغرافي الذي عجز عن تنفيذه في العراق ونجح فيه العثمانيون لاحقا ، فهو امر غريب ان تظل هذه الرغبة في تغيير وجه وخارطة العراق لقرون بين السلطات . الا ان الجهد كله انصب على قبيلة ربيعة التي اطلق عليها العرب يومئذ لقب ( الأسد ) في قبال لقب امبراطورية فارس الأسد أيضا . لهذا لم يوّلِ عمر من زعماء هذه القبائل احد على سرايا ورايات وعرافات جيش القادسية ، رغم ان فيهم أبناء الشرف والمنعة والإسلام أمثال عدي بن حاتم الطائي ، لانه اتهمهم بالتآمر على قوى الانقلاب التي جاءت بأبي بكر وبه ، ورغم ان محور جيش القادسية قائم على هذه القبائل . الا انه اضطر ان يولي سلمان الفارسي على دين الناس فقط ، لعلم عمر بجدلية العقل العراقي الديني ، وانه لن يستقيم له معهم الا رجل كسلمان عالي الرتبة في المعرفة الدينية ، فوّلاه لحاجته لأهل العراق . فجند عمر الذين بعثهم مع سعد بن ابي وقاص من خارج العراق كانوا اعراباً تقوم حياتهم على السلب والنهب ، حتى ان سعداً سرّحهم الى جنوب الفرات الى ميسان فسلبوا أبقار الناس وثيرانهم بلا وجه حق وارعبوهم ، وهذا احد اهم أسباب خوف أهل السواد من قوى الانقلاب .
ان الامر في ( العراق ) لم يكن كما في البلدان الاخرى ، ففيه كانت حوزة العلم النصرانية في الحيرة ، واهله قد استشيعوا لحقّ عليّ في الخلافة ، بعد أنْ عرفوا مكانته من رسول الله ، حين التقى النبي قادة ( شيبان ) و ( عجل ) قبل يوم ( ذي قار ) ، والذي قال بعده انهم به نصروا ، مما يثبت انهم كانوا يعتقدون بدينه ، وأنهم رفعوه شعاراً في معركتهم ، بعدما أوعدهم الخير . كذلك كان أهل العراق خليطاً من الانباط والعرب ، تجمعهم النصرانية والقربى ، وهو ما كان ينفر منه ( عمر بن الخطاب ) جرياً على عادة الجاهلية ، ففرّق بينهم في الموّدة ، كما فرّق بينهم في العطاء ، بعدما اصطلحوا على تسميتهم ب ( العجم ) ، لكونهم انباطاً وآراميين . لذلك كفر أهل العراق جملة بخلافة ابي بكر ، ومن خلفه عمر ، فكان الامر يزداد تعقيداً ، وعند الرواة كذباً وتشويها . وَمِمَّا زاد في سوء الامر انّ أبا بكر أرسل اليهم ( خالد بن الوليد ) ، ذلك الوثني سيّء الخلق . لذلك كان عمر بن الخطاب يطالب ( المثنى بن حارثة الشيباني ) بقوله ( اما بعد فاخرجوا من ظهري الأعاجم … ) ، ودفع الى ( احملوا العرب على الجد اذا جد العجم ) .
لقد كان جيش نصارى العراق الذي اسلم وهو من شيبان وربيعة وعجل وبكر والأنباط والازد عامل الحسم في تحرير العراق ، حتى انّ المثنى وصل الى ( بغداد ) ، وجعل له معسكراً ثابتاً في ( الأنبار ) ، يقوده ( فرات بن حيّان ) ، بعد أنْ اجبر أهل الأنبار من النصارى حامية الفرس على الانزواء .
وفي معركة ( البويب ) في السنة الثالثة عشر للهجرة جاء جيش الفرس بقيادة ( مهران ) ، فالتئمت القبائل العربية النصرانية – مع مواليها من الانباط – بقيادة ( المثنى بن حارثة الشيباني ) ، يؤازره نصارى ( نمر ) بقيادة ( أنس بن هلال النمري ) ، و نصارى ( تغلب ) بقيادة ( ابن مردي الفهري التغلبي ) . وفي معركة ( الجسر ) قاتل نصارى ( ابو زبيد الطائي ) الشاعر ، وكان نصرانيا . وفي فتح ( تكريت ) حضرت ( تغلب ) و ( أياد ) و ( نمر ) . وهي القبائل ذاتها التي يدعي المدعون ان خالد بن الوليد قاتلها عند دخوله للعراق  ، ولا تستقيم الروايتان . وكانت هذه القبائل هي التي انتحلت عقيدة التشيع لعلي بن ابي طالب ، وهي ذاتها من فتح العراق بعيداً عن مرويات سيف بن عمر الكاذبة الذي لم ينسَ ان يجعل لقومه من بني تميم حصة كبيرة من فتح العراق حتى انه جعل عفو جيوش المسلمين عن قبيلة كلب في حروب فتح العراق بسبب حلفها الجاهلي مع بني تميم   ، اذ كانت أراضي تميم من البصرة الى قطر ، واراضي كلب من السماوة باتجاه نجد ، فهمًا قبيلتان متجاورتان تقريبا ، واراضي اسد من النجف وكربلاء باتجاه الصحراء الى نجد تواجه القادم من الجزيرة العربية  . وعلى رأس جيوش الفتح المثنى بن حارثة الشيباني وعدي بن حاتم الطائي ، في قبائل جنوب العراق  . وكانت فارس اكره الوجوه الى العرب وأثقلها اليهم عند الفتوحات ولا يلبي الناس اليها نداء الانتداب من قبل الخلافة لشدة سلطان الفرس وعزهم وقهرهم الأمم , وايران اليوم عموما انتشر فيها العرب والتركمان والكرد عمليا في الفترة العباسية سوى القبائل العراقية التي كانت أجزاء كبيرة من ايران خاضعة لها من قبل  ، فوجّه عمر بن الخطاب اليها وجوه الشيعة من أهل العراق الذين كانوا على مسالحهم مقيمين او الذين اقتطعهم عن جيش الشام وردهم الى ارضهم مع هاشم المرقال كالاشتر  . اذ في معركة الجسر هرب من اوفدهم عمر من المدينة وانحازوا الى عمر ، ولم يبقَ الا أهل العراق الشيعة اذ كان قوام الجيش من ربيعة ، وثقيف بقيادة الشهيد ابي عبيد بن مسعود والد المختار الثقفي  ، الذي يبدو انه كان على مستوى عال من التضحية والإخلاص ، واحد خاصة ثقيف لا عامتهم ، اذ انتدب وحده لقتال فارس في العراق بعد ان أحجم أمراء وانصار عمر لأربعة ايّام عمر يناديهم فيها خشية قوة الفرس وقرر اللحاق بالمثنى بن حارثة الشيباني ، وقد كان على خلق عال من الانضباط الحربي والديني ، اذ لما أشار عليه البعض بقتل جابان الفارسي بدعوى انه الملك رفض وقال أني أخاف الله ان اقتله وقد آمنه رجل مسلم ، فقالوا انه الملك ، فقال وان كان لا أغدر وتركه ، وقد حمى لأهل الأراضي التي مر بها من أنباط العراق زرعهم وملكهم ، ورفض كل هدية له وحده منهم مالك تشمل الجند جميعا . ثم ان عمر بن الخطاب بعد كل هذا وبعد ان كان أهل العراق هم من فتح الشام وردّ فارس يرسل الى عبيد الثقفي رسالة يذم فيها ارض ويصفها بشرّ وصف ، وما ذاك منه الا انه يتذكر ثورتهم على بيعة ابي بكر وتشيعهم لحق علي بن ابي طالب بالخلافة . رغم صمود المثنى بن حارثة الشيباني في وقعة الجسر ضد جموع الفرس ، خلاف هروب خالد بن الوليد احد اهم أمراء الانقلابيين المذكور في التاريخ   .
ولا اعلم حقيقة ان يصير مَن صفاته مشهورة اكبر مشرعي الاسلام ، وصاحب أطول فترة خلافة للنبي ! . كما يثيرني هذا الحضور اللافت لعمر في كلّ فتنة ! . ويوم هَوازن كشفت تبعاته ظاهرة غريبة ، اذ صار المسلمون لأول مرة يتهمون رسول الله على المال ، فيهاجمونه بغلظة وبداوة  ، الامر الذي يكشف – اذا جمعناه مع ما قبله من الحوادث القريبة وعدم وجود هذه الظاهرة قبل فتح مكة – ان مسلمة الفتح – مثل ابي سفيان واضرابه وحلفائه من أعراب نجد – هم من بدأ بإثارة هذه الظواهر الدنيوية .
لقد كان واضحاً من مجمل روايات التاريخ ان قائد الثورة الشعبية ضد ما نتج عن انقلاب السقيفة من ولاية بني أمية ايّام عثمان بن عفان هو الصحابي ( عمار بن ياسر ) . الذي اليه نسبت السبأية من أنصار علي وشيعته . وهذا يتضح من قول معاوية بن ابي سفيان لبعض وفود الصلح في صفين ( والله لو أمكنني صاحبكم من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكني كنت أقتله بنائل مولى عثمان! )  . فهو من دنيوتيه المحضة لا يعترف لعمار بن ياسر بمقام الصحبة للرسول ولم يعدله بعثمان حتى الذي خرجت عليه الامة بعد ان ولى الأمور لأمثال بني أمية من أهل الدنيا .
كذلك كان مجمل المترددين في جيش علي من جهة بادية البصرة ، مثل ( خالد بن المعمر السدوسي ) الذي شاء كسر جيش علي يوم صفين بتثبيط عزم ربيعة ، ولم يتم له ذلك لاخلاص هذه القبيلة دونه ، اما الذين نصروا خصومه غير الأمويين فكانوا من نجد وبوادي البصرة التاريخية ايضاً ، من ازد عمان وقيس عيلان . وقد كانت رسالة أهل الكوفة الدينية تقتضي إعادة تأهيل هذه المنطقة عقائديا .
يقول عمرو بن العاص لمعاوية يوم صفين ( إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قرابة قريبة، و رحم ماسة، و قدم في الإسلام لا يعتد أحد بمثله، و نجدة في الحرب لم تكن لأحد من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إنّه قد ساد إليك بأصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) المعدودين، و فرسانهم و قرائهم و أشرافهم و قدمائهم في‌ الإسلام، و لهم في النفوس مهابة، فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر، و مضايق الغيض، و احملهم على الجاهد، و اتهم من باب الطمع قبل أن ترفههم فيحدث عندهم طول المقام مللا، فتظهر فيهم كآبة الخذلان، و مهما نسيت فلا تنس أنّك على باطل .. )  .
ولقد كان العنوان العام للفتن هو ( قريش ) وخندف وقيس عيلان، لانه انطلق من حيث العداء القرشي للنبي ، وانتهى الى حكم قريش غير العلوية ، وقد استمد لاحقاً كينونته المعرفية من مدخلات قريش الرسمية السلطوية . وقد اعتمد كثيراً على القبائل الأعرابية في ( نجد ) ، وكذلك قبائل الشام ، مهاجرها ومقيمها . ففي معركة الخندق أقبلت قريش ومن تبعها فنزلت بمجتمع الأسيال، ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد  ، وكان هذان هما قسمي الحرب على الإسلام ورسول الله . وقد ظلت هذه المنطقة – بسبب بداوتها – على عداء الحق من حيث تشعر او لا تشعر ، سوى من كان له قلب او ألقى السمع وهو شهيد . وهي في القرنين الأخيرين كانت منطلق جل البلاء على الامة .
حتى ان سعد بن ابي وقاص كان احد الهاربين من السبعة سرية عبد الله بن جحش الذين بعثهم رسول الله الى بطن نخلة بين مكة والطائف يستخبروا امر قريش ومددها النجدي ، لا كما أشار المؤرخون ، لان هذه المنطقة كانت رافد قريش العسكري ، حتى ان ابليس لما تمثّل لقريش في دار الندوة في اجتماعهم لقتل النبي ونسبوه قال لهم انه رجل من نجد ، فاطمأنوا له مباشرة ، لذا كانت خطرة جداً وبعيدة عن المدينة ، لذا استرجع قائد السرية حين قرأ كتاب رسول الله بالسير اليها قبل واقعة بدر ، وقد أمره النبي الا يقرأه الا في منطقة محددة ، وقد كان اختبارا واضحاً لأمثال سعد ومن معه ، اذ لم يخرج في السرية بأمر النبي الا المهاجرون ، فيهم عمار بن ياسر الذي صمد وصبر وقاتل ، فيما فرّ سعد بن ابي وقاص وعتبة بن غزوان . وقد أوجد لهما القوم عذراً كالعادة بأنهما تخلُّفا يبحثان عن ناقة لهم ضلت  ! .
أراد النبي محمد ان يكتب كتاباً للمسلمين ، وهو في فراش المرض، لن يضلّوا بعده أبدا ، لكنّ ( عمر بن الخطاب ) – في خطوة أولى للانقلاب  – قال ( انّ الرجل ليهجر ) ، بمعنى انه ( يتحدث بغير وعيه من شدّة المرض ) ، فكثر اللغط حول جدوى الكتاب ، فبادرهم ( عمر ) مرّة اخرى ( حسبنا كتاب الله ) ، وهو يعلم انهم سيختلفون في تأويله ، ولا ندري كيف انه اكتفى بكتاب الله ولم يتم جمعه بعد – حسب رواية القوم – ! . فأمرهم النبي بالخروج من عنده ، حيث لا يجوز عند النبي التنازع . ولم يكتب لهم ذلك الكتاب ، لكنّه أورثه في عقيدة اجلّاء الصحابة . وكان ابن عباس يقول عن ذلك الْيَوْمَ بعدها : ان الرزيّة كل الرزيّة ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم  .
وقد يتساءل احد ما : لماذا امتنع النبي عن الكتابة لقول ( عمر ) ، ولماذا لم يكتب كتابه رغم اعتراضه ؟ ، وجواب ذلك : انّ ( عمر ) وجماعته بهذه المقولة قد اسقطوا شرعية الكتاب ، بادّعائهم انّ النبي لم يكن في وعيه ، لذلك ما عاد الكتاب نافعا من الناحية العامة . كما انّ النبي خاف ما هو اخطر من ذلك ، لقد خاف ان يسري حديث ( عمر ) هذا ليشمل احكام الاسلام وآيات القران ، ولن يتورع القوم في اتهامها .
ثمّ ابتدأت المرحلة الثانية في تآمر القوم من العمرية على الاسلام ، حيث انهم تخلّفوا عن ( جيش اسامة ) ، الذي أخرجهم النبي فيه اتّقاءً لشرّهم ودفعاً لخطر تآمرهم ، ولعن من تخلّف عن ذلك الجيش . واللطيف ان رسول الله لم يأمر أسامة بن زيد بقتال احد ، بل امر ان يوطئ الخيل تخوم فلسطين والبلقاء  ، وهذا مُلفت في جيش فيه هذا العدد من الصحابة لا وجهة لها من الناس ، بل من الأرض ، خلافاً لمعارك رسول الله الدفاعية او سراياه المنجدة لقوم من المسلمين او جيوشه الكاسرة لشوكة قريش المعتدين ، ومن ثم يلعن من تخلف عنه . وهو الامر الذي تنبه اليه أبو بكر وحزبه لاحقاً بعد نجاح انقلابهم ، فجعلوا هذا السر في ابعادهم عن المدينة علة لفتح الشام ، ليحرزوا بهذا تعليلاً آخراً لخروج هذا الجيش ، ويشغلوا الناس أيضا . وقد تخلفت قوى الانقلاب جميعاً عن هذا الجيش ، بما فيهم أبو بكر وعمر وأصحابهم ، بعدما شككوا في تأمير أسامة بن زيد عليهم كما شككوا سابقاً في تأمير النبي لأبيه زيد بن حارثة .
اما لعن رسول الله لمن تخلف عن هذه السرية  فقد حرفه أمثال سيف بن عمر استنقاذاً لهذه الفئة ، فتم حذف اللعن مرة بلا إضافة في رواية  ، ثم في رواية أخرى استخدموا الاستبدال اذ أوردوا اللعن لكن لشأن اخر لا مناسبة له تربطه مع الحدث ومع غضبة النبي واصراره على إنفاذ البعثة فروا انه قال بعد امر الانفاذ ( لعن الله الذين يتخذون قبور أنبيائهم مساجد )  . وجمل احاديث هذه الفترة العصيبة في تاريخ المسلمين وردت عن طريق الكذاب ( سيف بن عمر ) ، الذي رفض القوم حديثه في الفقه وقبلوا حديثه في السير! . كأنما الفقه بلا معرفة التاريخ ورجاله ومعرفة الصادق والكاذب منهم يستحق ان يكون دينا . فقد كانت قصصه نافعة لهم جدا للتغطية على احداث الانقلاب الحقيقية . الا ان رسول الله قد أنبأ الناس حينها بقدوم الفتن كقطع الليل المظلم كما روى ابي مويهبة مولاه  . ولو كان يعلم ان ما بعده خير ما قال ذلك . حتى ان رواية سيف عن ابي ضمرة عن الحسن البصري خليط عجيب من مجموعة قصص جعلت من ابي بكر خليفة وعمر مع جيش أسامة خارج المدينة مع مجموعة المسلمين  .
ان القوم كانوا قد عقدوا اتفاقاً بينهم وبين قبيلة ( اسلم ) لفرض الأحكام العرفية ، عند رحيل النبي مباشرة ، وانشغال المسلمين بتجهيزه . فكان دور ( عمر ) إشاعة انّ النبي لم يمت ، و هدّد من يقول بذلك ، فيما يكون دور ( ابي بكر بن ابي قحافة ) – وهو كبش الفداء في هذه المرحلة – التأكد من انشغال الصحابة المقربين وزعماء الناس بتجهيز النبي ، ليعلن موته مع المطالبة بخلافته في نفس اللحظة . وعند الاعتراض – وهو امر طبيعي تجاه هذين العنصرين المغمورين – يأتي دور قبيلة ( اسلم ) في رفع السلاح واحتلال المدينة .
وحين كان الخليفة الشرعي ( علي بن ابي طالب ) – الذين يعلمون انّ قيمه لن تدعه يترك اخاه وسيد الخلق محمداً بلا تجهيز – مشغولاً برسول الله جاء الرجلان لسقيفة بني ساعدة للمطالبة بالخلافة ( القرشية ) ، فنهاهم الانصار ، الذين كانوا يرونها حقاً مفروضاً لعلي ، لكنّهم اصرّوا على تولّيها بدعوى انها لقريش ، وذلك رأي الانصار أيضا ، لكنّ الانصار ابوا ، فتنازع الناس ، فارتأى بعض الانصار الاحتفاظ بمقامها لحين قدوم علي ، فسارع احد سادة الخزرج لنصرة ( ابي بكر ) و ( عمر ) حسداً منه لابن عمه سيد ( الخزرج ) وطمعاً بما ناله ابنه – النعمان بن بشير – من دنيا مستقبلا، في خطأ تاريخي سيدفع قومه ثمنه بطشا . وقد ورث النعمان بن بشير – وهو ثاني اثنين من الأنصار مع معاوية – سوء صنيع ابيه يوم السقيفة فصار عبداً لنزوات بني أمية ، بعد ان أعز الله قومه ، فيغير باسمهم فساداً على مدن المسلمين في العراق وهي تحت حكم خليفة رسول الله ووصيه علي بن ابي طالب ، كغارته على عين التمر ثم ولّى مهزوماً امام مائة وخمسين رجلاً فقط ، بعد ان كان القليل من أهله يقاتلون الكثير وينتصرون ، لأنهم إنما قاتلوا على الآخرة ، وهو قد قاتل على الدنيا .
لكنّ الامر لم يستتب للقوم رغم ذلك ، حيث اصرّ الانصار في غالبهم على رفض ( ابي بكر ) ، رغم أخذ البيعة له من البعض ، دون وجود وجوه الصحابة وزعماء القبائل ، حتى وصلت جموع قبيلة ( اسلم ) بسلاحها ، فاحتلت المدينة ، وعندها انتعشت امال ( عمر ) ، ودخل الانصار في حيرة الاقتتال . وعلى الاظهر ان أبا بكر استخدم قبائل الاعراب مسلحة حول المدينة .
وحين جاء علي بن ابي طالب ورغم انه احتج عليهم بقوله لابي بكر : أنْ كُنتَ بالقربى حججتَ خصيمهم   فغيرك أولى بالنبي واقربُ ، وَإِنْ كُنتَ بالشورى ملكتَ امورهم   فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ ؟! ، لكنّه كان مقيّداً بنزاع القوم وانفراط عقد الدين كله .
انّ علياً – كما نحن – كان يدرك انّ العمريين لم يعقدوا اتفاقهم مع القبيلة الأعرابية ( اسلم ) وحدها ، بل لابدّ انّ الامر اكبر من ذلك ، وانّ قريشاً كانت تعلم ، وربما كان للروم واليهود يد في ذلك ، كما تبيّن بالدلائل لاحقا . كان عليّ والأنصار وشيوخ المهاجرين بين أمرين ، الوقوف بوجه الفتنة ، وبالتالي الحصول على دولة منقسمة ، يحكمها ( خلفاء ) عدّة ، او التسليم لحكم ( ابي بكر ) ، حتى يتمّ تغيير الواقع مستقبلا ، فكان الثاني اخفّهما ضررا . ولذلك نجد علي بن ابي طالب قد رد أبا سفيان حين جاءه يحرضه على رفض بيعة ابي بكر ، او كما سماه ( ابا فصيل ) ، اذ علم علي من ابي سفيان النفاق . وبالفعل فقد اشترى أبو بكر ذمة ابي سفيان بتولية ابنه يزيد على الشام ، فقال : وصلته رحم . لتبدأ من هنا قصة الملك العضوض . وهذا الإقطاع للشام من قبل الفئة الانقلابية لبني امية لم يأتِ عفويا ، بل عن مفاوضات بالتأكيد ، وان مقدم ابي سفيان لعلي كان ورقة ضغط على قوى الانقلاب لرفع سقف المكاسب . وفعلاً أمّر عمر بن الخطاب يزيدَ بن ابي سفيان على دمشق عند فتحها مباشرة ، وولّى يزيدُ اخاه معاويةَ على الشام دون الرجوع الى عمر قبل رحيله ، فأقرّ عمر بن الخطاب هذه الولاية  . لهذا ليس من المنطقي ما روي من قول عمر لابي سفيان يوم فتح مكة ( لو لم اجد الا الذر لجاهدتكم ) ، وإنما هي رواية اريد منها ابعاد عمر عن الشبهات والصفقات ، وإدخال علي في علاقة مع بني امية خفية ، اذ نسبوا فيها نصح علي لابي سفيان دون عمر او ابي بكر ، ثم جعلوه على لسان ابي سفيان الين القوم ، ثم هو مخادع بما رووا ، فيما جعلوا عمراً أعدى القوم لبني امية على لسان ابي سفيان   . وربما يكون يزيد هذا هو ابن ابي سفيان الذي كان معه كافراً يوم فتح مكة حين كان يبحث في الحيل للنجاة من غضبة المسلمين لله يومها  . لقد جيء بعلي بن ابي طالب ليبايع أبا بكر مكرهاً  ، وما كانوا ليقدروا عليه لولا ما ذكرنا من إيمانه بضرورة حفظ النظام .
ان السلطات الجديدة التي نشأت عن هذا الانقلاب لم تنسَ لقبيلة ( اسلم ) وقفتها ، فكتب كُتَّابها مدحاً فيها ، نسبوه – كالعادة – الى رسول الله ، ليحرزوا أمرين ، شكر هذه القبيلة ، وشرعنة فعلها . عن يحيى بن سعيد اخبرني يعقوب بن خالد عن ابي صالح السمان قال يحيى ولا اعلمه الا انه قال عن زيد بن خالد عن رسول الله قال : ( قريش والأنصار وأسلم وغفار – أو غفار وأسلم – ومن كان من أشجع وجهينة – أو جهينة وأشجع – حلفاء موالي، ليس لهم من دون الله ولا رسوله مولى )  . ويبدو ان عمر بعدئذ احدث تغييراً ديموغرافياً كبيراً وخطيراً اثناء خلافته بنقل الاعراب الى المدينة عاصمة الخلافة واحاطها بجموعهم في امتداد لظاهرة الاستعانة بهم في حادثة انقلاب السقيفة التي دبرت من قبل  .
وكان تشيع قبيلة عقيل – ومنها عبادة – اختراق صريح للفكر الشيعي الى داخل القبائل النجدية ، حيث تنتسب عقيل الى عامر بن صعصعة من قبيلة هَوازن من قيس عيلان المضرية  التي كانت معضلة سابقا . وهو ما يكشف قوة وسعة انتشار العقيدة الشيعية حينها . ولولا هذا التشيع ما قبلتها قبائل عبد القيس وبكر بن وائل التي كانت لها هذه البلاد في هجرتها من نجد الى بلاد البحرين . وقد يكون سبب هجرة هذه القبيلة عن صحاري نجد الابتعاد عن التعرب . وكان تشيع تلك القبائل بالمعنى الاعم , فمنذ زمن الامام جعفر بن محمد الصادق لم يجد الائمة من الطاعة اللازمة للعقيدة الا ما هو اقل من المطلوب كما في قول ابي عبد الله انه لم يطعه الا عبد الله بن ابي يعفور  .
السلفية الوهابية السعودية
لقد كانت معظم حواضر نجد حول منطقة العارض تحت نفوذ بني حنيفة من بكر بن وائل الذين يشكلون الامتداد الجغرافي لإمارة ربيعة العراقية التي تبدأ من واسط ( الكوت ) حتى أطراف البطائح ( ذي قار ) حيث شيبان من بني بكر بن وائل ثم تمتد قبائلهم الأعرابية وشبه الأعرابية في البر إلى عمق نجد ومنهم بنو حنيفة وعنزة  . وكانت حنيفة قبيلة شبه زراعية وشبه مستوطنة . ومنها طلع مسيلمة الكذاب حسب المنشورات العربية . كما كان منها أبو الأسود الدؤلي او واضع لقواعد النحو العربي بأمر علي بن ابي طالب . واليها يدعي ال سعود اليوم الانتساب . وكانت تجاورها قبائل أعرابية صريحة , منها عنزة , وتميم , وقبائل قيس عيلان من غطفان وهوازن وغيرهما . وكان بنو كلاب من قيس عيلان رهط شمر بن ذي الجوشن كانوا يسكنون اليمامة في نجد  وتقع داخل منطقة الرياض اليوم الى جانب بني حنيفة .
وكانت منطقة نجد بمحيطها الاعرابي اخر من امن بالنبي محمد , واخر من قاتله . وكانت خارجة على علي بن ابي طالب في الجمل والنهروان , حيث كانت قبيلة عنزة اول من رفعت السيف ضده بعد معركة صفين . وشاركت اغلبها بقتل ولده الحسين في كربلاء . وكانت في معظمها موالية لبني امية . فحوثرة بن سهيل بن العجلان الباهلي الذي قُتل مع يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري، ويكنى أبا خالد، وكان من الفرسان المؤيدين لبني أمية، وتولى عدة إمارات الدولة الأموية أثناء حكمهم ، قتلهم ابو العباس السفاح العباسي  كان من أواخر من دافعوا عن الدولة الاموية بعد سقوطها .
وكانت سواحل الخليج تختلف عن بيئة نجد  , اذ لم تكن على الوثنية في غالبها , بل تدين بالنصرانية والأديان الابراهيمية , وكان أهلها ملوك بلادهم , دخلوا في الإسلام طوعا , وكان جلهم من قبيلة عبد القيس من ربيعة في امتداد طبيعي لجغرافيا امتدادها في جنوب العراق حتى عمان , وكان أهلها شيعة لعلي بن ابي طالب . حتى خرجت القبائل التميمية والعتبية واحلافهم وبعض القبائل القيسية مثل عقيل من نجد واستولت على سواحل الامارات وقطر والبحرين والكويت . وقد كان بنو خالد بدواً يقصدون منطقة عنك من القطيف الشيعية ويرحلون في الشتاء ، لكنهم استولوا على حكمها تماشياً مع الجو السني العام الذي اوجده الحكم العثماني الشديد الطائفية ، وقد نزلوا منطقة كانت مقراً للبرتغاليين ، ثم نزل معهم العثمانيون ، ثم سكنت إلى جنبهم بدو العماير الذي كانوا يغيرون ويؤذون اهل القطيف ، وكذلك بعض قبائل سبيع القيسية .
ولقد كان المؤلفة قلوبهم بالمال من قبل رسول الله محمد في الحجاز وإقليم نجد وساحل الخليج من قبائل مضر وقيس عيلان : أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشي المضري , حويطب بن عبد العزى العامري القرشي المضري , الحارث بن هشام المخزومي القرشي المضري , صفوان بن أمية الجمحي القرشي المضري , سعيد بن يربوع المخزومي القرشي المضري , سهيل بن عمرو العامري القرشي المضري , يعلى بن أمية الحنظلي التميمي المضري , عيينة بن حصن الفزاري القيسي المضري , علقمة بن علاثة الكلابي القيسي المضري , العلاء بن حارثة الثقفي القيسي المضري , العباس بن مرداس السلمي القيسي المضري , مالك بن عوف النصري القيسي المضري ( قائد المشركين يوم حنين ) .
لقد كانت من قبل القبائل القيسية النجدية من بني هلال وبني سليم كما كانت عليه اليوم قبائل نجد من السلب والنهب . فاستخدمهم بنو أمية لضرب خصومهم . وضاق بهم بنو العباس لأن دولتهم كانت أكثر مدنية من دولة بني أمية . فشاركت القبيلتان في نصرة القرامطة . وكانت تغير وتنهب على العراق والشام . ثم عبرت إلى أفريقيا ، بعد أن ضاق الفاطميون بوجودهم وفوضاهم في صعيد مصر وبما صنعه ابن باديس الصنهاجي من غدر ، فغلبت على أهلها ، وجعلت عمرانها خرابا ، ومدنيتها بداوة . ومنهم يستمد المتطرفون المعاصرون في شمال أفريقيا هويتهم  . ومن بني هلال المعاصرين عبد القادر شيبة الحمد المصري امام المسجد النبوي والأستاذ في جامعات نجد السعودية ، وابنه محمد رئيس محكمة الاستئناف في ديوان المظالم السعودي وفي مكة .
ان الدرعية بما فيها عيينة التي ولد فيها محمد بن عبد الوهاب كانت في زمن الأمويين قاعدة للخوارج بقيادة نجدة بن عامر الحنفي من جهة الأب التميمي من جهة الام ، وفي الجبيلة منها قُتل فيها مسيلمة الكذاب وجماعته .
وكان أجداد ال سعود – الذين احيوا دين الوهابية – دمويين يقتل الابن أباه من أجل السلطة . يقول ابن بشر مؤرخهم عن جد الأسرة ربيعة بن مانع المريدي  : ( ثم ولد لمانع المذكور ربيعة وصار له شهرة واتسع ملكه وحارب آل يزيد، ثم بعد ذلك ظهر ابنه موسى وصار له شهرة أعظم من أبيه وكثر جيرانه من الموالفة وغيرهم واستولى على الملك في حياة والده، واحتال على قتل أبيه ربيعة فجرحه جراحات كثيرة وهرب على حمد بن حسن ابن طوق رئيس العيينة، فأجاره وأكرمه لأجل معروف له عليه سابقًا )  .
وحسب ما خطه ابن بشر فقد غدر اباء ال سعود بكل القرى التي استضافتهم يوماً وكل الأمراء المحيطين بهم ، وابادوا قرى كاملة جارة مثل ال يزيد واستولوا على أرضهم وأموالهم وقتلوا منهم في صباح واحد أكثر من ثمانين رجلا .
فيما تقاتل أبناء ربيعة ومقرن اولاد مرخان المريدي على السلطة في حدود العام ١٦٥٥م , فقتل وطبان بن ربيعة ابن عمه مرخان بن مقرن المريدي ، ثم قتل محمد بن مقرن ابنه عمه وطبان ثأراً واستولى على الإمارة . ثم وصلت الإمارة إلى إدريس بن وطبان المريدي غير أنه كان ضعيف الإرادة، فلم يستطع السيطرة على إخوانه وكبح جماحهم، فكان حكمه متخاذلًا، وعمت الفوضى في البلد وطمع فيه الطامعون . لم يستطع إدريس بن وطبان التغلب على فساد إخوته وشقاقهم، فكان حكمه ضعيفًا متخاذلًا . فقتله سلطان بن حمد القبس ، الذي تم اغتياله أيضا ، فحكم بعده أخوه عبد الله بن حمد القبس . ثم عادت لآل المريدي بعد قتل عبد الله القبس في ١٧٠٩م . فيما لا يدرى إلى أي فرع من ال مرخان أو آل مقرن ينتمي ناصر بن محمد المريدي تاسع حاكم للدرعية حتى الآن ، والذي قُتل في حدود ١٦٧٢م . والذي تولى بعده محمد بن مقرن المريدي ، الذي تولى بعد أن قتل ابن عمه وطبان بن ربيعة ، ثم تولى مرة أخرى بعد ناصر المريدي . ومحمد بن مقرن هو جد محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية . حيث تولى بعده موسى بن ربيعة المريدي الذي ثار عليه سعود بن محمد بن مقرن وأهل الدرعية ونفوه لأنه أساء فيهم حتى أنه قتل أخاه مرخان بن ربيعة خشية منافسته ، ثم تم اغتياله في العيينة ، فتولى سعود الدرعية حتى توفي ، فتولى اكبر الأسرة سناً الإمارة ، وهو زيد بن مرخان بن وطبان ، الذي حاول قتله مقرن بن محمد بن مقرن اخو سعود وتولي الإمارة في الدرعية بعد أن أمنه وأعطاه العهد والكفالة وخانها جميعا ، فقتله ابن أخيه محمد بن سعود وتولى بعد زيد الذي قتله امير العيينة محمد بن حمد بن معمر التميمي ، لتبدأ الدولة السعودية الأولى بميثاق الدرعية السعودي الوهابي بعد ظهور وتحالف محمد بن عبد الوهاب التميمي مع محمد بن سعود المريدي في ١٧٤٤م .
وقد قبل محمد بن سعود الدعوة الوهابية بنصح من أخيه الأعمى ثنيان بن سعود وزوجته موضي الكثيري التي كانت من أعراب الفضول من طي في نجد , والذين كانوا يعيشون كبقية أهل نجد على السلب والنهب , حتى أنها كانت تهجم على قوافل الحجاج العراقيين وتنهب , على عكس قبائل بني لام الطائية في العراق المدنية المستقرة . وقد هاجرت تلك القبائل إلى العراق واستوطنت بواديه وأطراف الأراضي الخصبة والغريب أن مشايخ قبيلة من الفضول هم من القلائل جداً الذين مدوا يدهم للمحتل الأمريكي في جنوب العراق في الألفية الثانية للميلاد .
فيما كان أكثر المعترضين على هذه الدعوة المبتدعة من محمد بن عبد الوهاب شقيقه الأكبر سناً والأوسع علماً ومقبولية اجتماعية قاضي حريملاء سليمان بن عبد الوهاب . وكان اعتراضه عليها قد وصل حد حث الناس على رفض هذه الدعوة بالسيف . بعد أن الف كتاب ( الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية ) , الذي كشف فيه أن أباه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون من أهل الزيغ والضلال . وان كتابه هذا كان كاشفاً عن ضعف أهل نجد الديني , إذ انجذبوا إلى محمد بن عبد الوهاب شيئاً في أول الأمر , ثم رجعوا عنه بعد صدور رسائل أخيه سليمان المجموعة في هذا الكتاب , كما ينقل مشهور حسن ( لقد كان لهذا الكتاب أثر سلبي كبير، إذ نكص بسببه أهل حريملاء عن اتباع الدعوة السلفية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزت آثار الكتاب إلى العيينة فارتاب، وشك بعض من يدّعي العلم في العُيينة في صدق هذه الدعوة وصحتها ) .
وكان أكثر من قاتل ضد ال سعود والدعوة الوهابية في ظهورها أمير الرياض ومؤسسها دهام بن دواس الشعلان وهو من قبيلة الجلاليل من آل يزيد من بني حنيفة القبيلة البكرية الوائلية قاتلهم نحو ٢٧ سنة رافضاً أن تكون عائلة ابن مقرن ( آل سعود ) حاملة لمفاتيح الجنة والنار .
والدولة السعودية الأولى ضمت العيينة , التي تبنى أميرها عثمان بن حمد بن معمر التميمي الدعوة الوهابية أولاً , ولكنه أخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب بسبب ضغوط من حاكم الأحساء سليمان بن محمد آل حميد . وقد شارك أمير العيينة في حروب الدرعية وتم قتله سنة 1163هـ/1750 بعد صلاة الجمعة، وتم قتله من مؤيدين للدولة السعودية الناشئة ، وبعده عُين مشاري بن معمر وأصبحت العيينة تابعة للدولة السعودية الأولى. فيما تولى حفيده حمد بن معمر التميمي قضاء الدرعية بأمر من  سعود الكبير. وفي سنة 1221هـ عيّنه رئيساً لقضاة مكة المكرمة، وصار هو العالم المشرف على قضاء مكة وتوابعها. في سنة 1225 هـ وناظر أئمة الحرم في عهد الاشراف نيابة عن دعاة الوهابية .
وكان حجيلان بن حمد العنقري التميمي المضري أمير منطقة القصيم من إمارة آل أبو عليان بايع إمارة الدرعية في بداية توليه إمارة منطقة القصيم وساهم في نشر دعوة محمد بن عبد الوهاب وحارب لأجلها حتى سقطت على يد القوات العثمانية عام 1233 هجري .
وكان أهم قائد للدولة السعودية الأولى وسبب توسعها إبراهيم بن عفيصان العائذي . وعائذ مختلف في نسبها بين قيس عيلان وقحطان ، والأرجح المنطقي من ديارها ونظام عيشها أنها من عامر بن صعصعة من قيس عيلان المضرية . وهذا الأعرابي هو الذي احتل الأحساء وقطر والبحرين والإمارات , وجعل آل خليفة أمراء على البحرين من الزبارة القطرية تحت إدارته ، ودخل بنو ياس من آل نهيان وال مكتوم تحت طاعته وطاعة الدولة السعودية  . سوى القواسم في عمان والامارات لم يدخلوا في طاعة ال سعود , رغم ترجيح اصلهم القيسي من عبس من غطفان , أو المضري عموماً من بني غافر من بني فهر ، ربما بسبب وجودهم في العراق فترة حيث يرى بعضهم انهم سادة حسينية قدموا من سامراء ، إذ للعراق تأثير كبير على عقيدة وسلوك من سكنه كما تغيرت قبائل من عنزة وشمر حين انتقلت إليه , ثم انهم توافقوا مع دولة ال سعود بتأثير عامل الزمن والسياسة .
اما القائد الثاني فكان مناع أبو رجلين الزعبي , من بني سليم من قيس عيلان ، وبسبب غزواته ونهبه أملاك ومواشي الكويتيين بنى أهلها السور الأول حول الكويت .
فيما جعل سعود بن عبدالعزيز القرصان وقاطع الطرق رحمة بن جابر الجلاهمة من العتوب – قراصنة الصحراء والبحر – أميراً لمنطقة الدمام ، وهو أول من ارتدى قطعة على عينه من القراصنة بسبب تعرضها للاذى فذهبت صورة نمطية لهم .
وكان قائد جيش ابن سعود من الغافرية ( القواسم والنعيم ) إلى عُمان هو مطلق بن محمد المطيري القيسي المضري النجدي
ورغم كل التهويل البطولي لقادة دولة ال سعود إلا أنهم لم يصمدوا أمام قوة محدودة لا تتجاوز ٢٠٠٠ رجل و ٣٠٠ فارس من بني مالك من بندر طاهري , جاءت لدعم احلاف ال خليفة وبعض قبائل عمان ضد الجلاهمة العتوب وجيش نجد . حيث عندما احتل السعوديون البحرين اتصل عتوب البحرين بالشيخ جبارة النصوري ، حاكم بندر طاهري ، وأرسل معهم قبيلة بني مالك . واستطاعت هذه القوة إخراج السعوديين من البحرين، وأسر القادة السعوديين أبناء عفيصان هناك. وهاجمت هذه القوة المعاقل السعودية في قطر، فأحرقت ميناء الحويلة، وقتل الامير السعودي هناك، المدعو أبا حسين، ودمر ميناء خور حسان معقل الأمير السعودي رحمة بن جابر الجلهمي ، كما ودمر ميناء الزبارة، ونتيجة لذلك انسحب السعوديون من قطر إلى القطيف، واستقر القادة السعوديون رحمة بن جابر الجلاهمة وإبراهيم بن عفيصان في قلعة الدمام، ودارت حروب كثيرة بين السعوديين وعتوب البحرين، انتهت بمقتل رحمة بن جابر الجلاهمة في راس تنورة . مما يكشف أن هذه القوى الأعرابية النجدية لم تجد من يواجهها مواجهة حقيقية من قبل  .
أما الاكثر مساهمة في تأسيس الدولة السعودية الثالثة، وإمداد الملك عبد العزيز بالمال والسلاح والجنود فهم بنو تميم ، إذ كانوا أول وجهة توجه لها الملك عبد العزيز بعد فتح الرياض , بسبب دعوة تلقاها والده عبد الرحمن آل فيصل وهو في الكويت عند ابن صباح من بني تميم في تلك الفترة على ابن رشيد . ولمعرفته بولائهم للدعوة السلفية ولأسرة آل سعود الحاكمة التي دعمت هذه الحركة منذ انطلاقتها بتحالف محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب التميمي ، فكان الولاء والانتماء للحركة السلفية والتي تأسست عليها الدولة السعودية ، بالإضافة لكون حوطة بني تميم مركز للحركة السلفية ومركز قلب لبني تميم ، وقد تم له النصر في أول مواجهة بينه وبين خصمه ابن رشيد في معركة السلمية أو ام سلم كما يسميها أهل الحوطة وانضم بعد هذه المعركة الحاسمة والتاريخية غالب قرى جنوب نجد .
ان قبائل مطير وسبيع والعوازم وعتيبة والسهول والرشايدة  التي كانت أهم قوى الاخوان والدولة السعودية جميعهم قيسية مضرية .  ومن عدوان القيسية كان عثمان بن الرحمن المضايفي وزير شريف مكة الذي غدر به وأعلن الطاعة للدولة الوهابية السعودية وكان السبب في انهيار دولة الاشارفة . وقد بايعت فهم شقيقة عدوان الدولة السعودية كذلك وانضمت إلى جيشها . فيما انفردت قبيلة مزينة المضرية الخندفية عن حلف قبائل حرب متعدد الأصول في الحجاز ودعمت العائلة السعودية الوهابية . وكان أعراب حلف الدواسر بقيادة عبد الله بن ناصر الحقباني اهم احلاف ال سعود في أول دعوتهم والذين تمتعوا بالسلطة بعد ذلك تحت ظل ال سعود كعادة العوائل الجاهلية .
وقد كانت منطقة عنيزة في القصيم وسط نجد مدداً مهماً للمدرسة الوهابية من الناحيتين العسكرية والدينية ، لأنها كانت غارقة في إدارة وسيطرة ال سبيع القيسيين , وكذلك بني تميم المضريين , ومنها خرج الكثير من رجالات الدولة السعودية والذين صاروا أيقونات لغيرهم من السلفيين في البلدان الأخرى , مثل عبد الرحمن ناصر السعدي التميمي , ومحمد بن صالح العثيمين التميمي , وعبد الله بن عبد العزيز العقيل ، كذلك منها بعض ارفع الدبلوماسيين والضباط والإداريين في الدولة السعودية .
لذلك كان أبرز قادة السلفية الوهابية الأعرابية ( اخوان من طاع الله ) الذين غزوا بلاد المسلمين بعد أن اتهموهم بالشرك من تلك القبائل الأعرابية القيسية في غالبها او المتعايشة معها , وهم : فيصل الدويش أمير قبيلة مطير القيسية المضرية , سلطان بن بجاد أمير قبيلة عتيبة القيسية المضرية , حجاب بن نحيت أمير قبيلة مزينة الخندفية المضرية , ضيدان بن حثلين أمير قبيلة العجمان اليامية اليمنية .
وكذلك أبرز المفتين والقادة الدينيين لجماعة ( اخوان من طاع الله ) المسلحة الوهابية الأعرابية , مثل : عيسى بن عكاس السبيعي القيسي المضري , محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ( محمد بن عبد الوهاب ) التميمي المضري .
فيما مفتيهم الاخر عبدالكريم المغربي كان في وقت من الأوقات كبير علماء فالح باشا السعدون شيخ اتحاد المنتفق , ثم أصبح بعد ذلك عالماً مع مزعل باشا السّعدون . وبعد أن ترك الشيخ عبدالكريم المغربي الخدمة مع مزعل باشا رحل إلى نجد، وأخفى نفسه فيها على شكل مصلح ومعلّم ديني ، في مدينة الأرطاوية ، التي كانت من مراكز الوهابية .
وفي 21 كانون الثاني سنة 1929 قام اخوان الوهابية ( اخوان من طاع الله ) من العجمان تحت قيادة ضيدان بن حثلين مع مجموعة من مطير بمباغتة بني مالك في الروضتين في العراق فقلتوا الرجال وسلبوا ممتلكاتهم وأغنامهم .
بينما نجد قبائل البدو القحطانية مثل العجمان والظفير كانت كثيرة الحروب ضد القبائل القيسية للدولة السعودية , رغم تعاونهم معها في أحيان أخرى  , وقد كان من بني لام الطائية في الصحراء بين العراق ونجد والأردن قبائل الظفير وشمر والسرحان وصخر , وفي الأحساء خالد حسب بعض الأقوال , قضى معظمها سنين طويلة يقاوم ال سعود , حتى هاجر او استسلم . فالعجمان قاتلوهم فترة طويلة ثم بضغط بريطاني استسلموا وصاروا على منهج الوهابية السعودية في العدوان على الاخرين , لما كانوا عليه كأعراب متشابهين . ومن قحطان أيضاً الكثير من فروع قبيلة حرب المتحالفة , التي كانت تحمي طريق المدينة والكثير من أهلها شيعة  .
فيما كان أعضاء هيئة كبار العلماء السعودية – أعلى سلطة دينية رسمية في المملكة ورئيسها هو مفتي الديار السعودية  – على مر تاريخها منذ التأسيس عام ١٩٧١م حتى عام ٢٠٢١م  , والتي ضمت نحو ٥٠ شخصية , من هذه القبائل المضرية القيسية الأعرابية , لاسيما من ( ال الشيخ ) ، وكان معظم رجالها من أعراب تميم أو قيس عيلان أو أعراب أطراف القبائل القحطانية ، مثل  :
إبراهيم بن محمد آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي المضري ، رئيس مجلس القضاء الأعلى والمشرف على الدعاة الوهابيين في المملكة والعالم ورئيس إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ووزير العدل . وعبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي المضري ، مفتي المملكة السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء والبحوث العلمية والإفتاء . وعبد الله بن محمد آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي المضري ، رئيس مجلس الشورى ونائب رئيس المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب . ومحمد بن حسن آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي المضري ، رئيس مجمع خادم الحرمين الشريفين للحديث النبوي . ومحمد بن صالح العثيمين التميمي المضري , وهو من اهم الشخصيات التي أشرفت على تخريج دعاة الدعوة الوهابية محلياً ودوليا .  وعبد الله بن عبد الرحمن الغديان التميمي المضري من جهة الأب والعتيبي القيسي المضري من جهة الام . ويعقوب الباحسين التميمي المضري . وقيس آل الشيخ مبارك التميمي المضري . وسليمان بن عبيد بن عبد الله آل عبيد السلمي التميمي المضري . وعبد السلام بن عبد الله محمد السليمان التميمي المضري من جهتي الأبوين معا , عميد المعهد العالي للقضاء . وعبد العزيز بن عبد الله بن باز , الذي يجهل هو ذاته اصل نسبه إلا أن عائلته ترعرعت في ( حوطة تميم ) في صحراء نجد . وعبد الله بن حسن بن قعود ، وعائلة القعود مختلف في نسبها أيضاً إلا أن عائلة هذا الشيخ ترعرعت في بلدة الحريق بين قبائل تميم . وصالح بن علي بن غصون الحميدان ، والحميدان مختلف في نسبهم أيضاً إلا أن عائلة هذا الشيخ ترعرعت في ديار بني تميم . محمد بن عبد الكريم العيسى ، وزير العدل ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وأمين عام رابطة العالم الإسلامي ورئيس رابطة الجامعات الإسلامية ومشرف عام على مركز الحرب الفكرية في وزارة الدفاع السعودية ورئيس المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب ، ترعرعت العائلة في ديار بني تميم في نجد , وربما هي من نسل العيسى أبناء عم ال سعود . ومحمد بن إبراهيم بن جبير المطرفي الهذلي المضري ، ومن هذه العائلة الصحراوية التي اعتاشت أصولها على الحروب كان الكثير من رجال الدولة السعودية من السياسيين مثل وزير الخارجية عادل الجبير . وصالح بن محمد اللحيدان العريني السبيعي القيسي المضري , رئيس مجلس القضاء الأعلى . وعبد الكريم بن عبد الله الخُضَير العريني السبيعي القيسي المضري  . ومحمد بن علي الحركان السبيعي القيسي المضري , وزير العدل وأمين رابطة العالم الإسلامي ونائب رئيس المجمع الفقهي فيها . وسعد بن تركي الخثلان السبيعي القيسي المضري  . وصالح بن عبد الله بن حمد العصيمي العتيبي القيسي المضري . وصالح بن عبد الرحمن الأطرم العتيبي القيسي المضري  . وسعد بن ناصر الشثري العامري القيسي المضري . وعبد الوهاب أبو سليمان الزغبي القيسي المضري . وعبد الله بن عبد المحسن التركي الدوسري ( أمين عام سابق لرابطة العالم الإسلامي ) ، والدواسر حلف في جنوب نجد متعدد الأعراق ، منهم من أعراب ربيعة ومنهم من أعراب الازد . وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن المطلق الدوسري النجدي  . وسعود بن عبد الله بن مبارك المعجب الدوسري , النائب العام السعودي . وعبد الله بن سليمان المنيع الزيدي الحميري النجدي . ومحمد بن عبد الله السبيل الزيدي الحميري النجدي . بكر بن عبد الله أبو زيد الزيدي الحميري النجدي ، رئيس سابق لمجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي , وبنو زيد في نجد مختلف في نسبهم . وعبد الله بن علي الركبان الباهلي القيسي المضري  . وعبد الله بن حميد البريدي النجدي ، اصله من بني خالد خصوم ال سعود في بدايتهم وحكام الأحساء وقد كانوا أعراب ثم استقرت بعض قبائلهم ، رئيس للمجلس الأعلى للقضاء، وعضو في هيئة كبار العلماء ، ورئيس المجمع الفقهي وعضو في المجلس التأسيس لرابطة العالم الإسلامي  . وصالح بن عبد الله بن حميد النجدي ، من بني خالد ، إمام وخطيب المسجد الحرام . وعبد العزيز بن صالح الصالح النجدي ، من أعراب عنزة  . وعبد الرحمن بن عبد العزيز الكلية النجدي ، رئيس المحكمة العليا في السعودية ، من أعراب عنزة  . وسليمان بن عبد الله بن حمود أبا الخيل النجدي ( مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً وعضو هيئة التدريس في المعهد العالي للقضاء ووزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد السعودي ) من أعراب عنزة  . وأحمد بن علي بن أحمد سير المباركي العكي النجدي أصلا والجازاني محالفة ، وعك جيش بني أمية  . وعبد الله بن حسن بن قعود ، من بقايا أعراب طي في نجد  . وجبريل بن محمد بن حسن البصيلي الغفيلي ، من أعراب شمر طي في نجد . وراشد بن صالح بن محمد بن خنين العائذي النجدي ، وعائذ مختلف في نسبها بين قيس عيلان وقحطان ، والأرجح المنطقي من ديارها ونظام عيشها أنها من عامر بن صعصعة من قيس عيلان المضرية . وعبد الله بن محمد الخنين العائذي النجدي . وعلي بن عباس حكمي المذحجي ، جازان ، مدني التكوين البيئي . وعبد الله عبد الغني خياط ، ومختلف في أصول نسب عائلة الخياط المكية ، فربما هي هندية غير عربية ، وربما هي من بلى حمير جيش بني أمية . ومحضار بن عبد الله عقيل ، من أشراف مكة وقاضي المحكمة الكبرى فيها ، تم استخدامه لرئاسة اول إجتماع لهيئة كبار العلماء لإضفاء هالة شرعية وقدسية تاريخية  . وبندر عبد العزيز بليلة ، إمام الحرم المكي ، وبليلة اسم لعائلة ربما تكون مهاجرة غير عربية أو أنها حميرية  . عبد المجيد بن حسن الجبرتي ، إمام الحرم المدني، من قبيلة أدكبيري من مقاطعة جمة في الحبشة . وعبد الرزاق عفيفي ، مصري ، تم استخدامه ومواطنه وابن قريته شنشور وتلميذه القاضي الشيخ مناع خليل القطان في تنظيم المناهج العلمية والبحثية التي لا يجيد أعراب نجد تدبيرها ، ويشغل ابناء الأخير مناصب بحثية طبية في المملكة  . ومحمد الأمين الشنقيطي الموريتاني ، قاضي ، اختاره ال سعود لترتيب مسارهم التنظيمي الذي لا يجيده أعراب نجد ، كما اختاروا عبد الرزاق عفيفي المصري ، لكنّ الاول كان من بيئة صحراوية مشابهة لما عليه قبائل نجد من تكوين  . ومحمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي ، ابن الشنقيطي الموريتاني الاول  . ومحمد بن محمد المختار الشنقيطي ، حفيد الموريتاني الاول .
فيما رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عبد المحسن العباد من أعراب عنزة النجديين  . ومعاون مفتي السعودية ومن له حق الإفتاء عبد الرحمن البراك من سبيع القيسية المضرية .
لذلك لم يكن جهيمان العتيبي – الذي احتل الحرم المكي بدعوى ظهور المهدي صهره محمد بن عبد الله القحطاني – بدعاً من الأعراب الذين كانوا يصنعون الدين وفق رؤيتهم البدوية البسيطة ، فهو نموذج مثالي لأفراد قبيلة عتيبة التي شكلت هجر الجهاد ( اخوان من طاع الله ) بقيادة سلطان بن بجاد ، وكان الاخير صديقاً لوالد جهيمان ، والذين يرون قدوم مجدد كل مائة سنة ، ولم يتوقف عندهم زمن هذا الحديث عند ال سعود كما غيرهم من الأعراب ، ورغم أنه لم يتجاوز دراسياً الرابع الابتدائي كان يعمل لمدة ثمانية عشر سنة جندياً في الجيش السعودي ذاته ، حتى أن ابنه ظل ضابطاً فيه ، وكان على علاقة وطيدة بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة وابن باز ، فيما صهره من الجهتين شاعر الوطن خلف بن هذال العتيبي كان مقرباً جداً من ملوك ال سعود وقد رفعوه من جندي إلى رتبة ضابط بعد أن ابتعثوه إلى بريطانيا حتى تقاعد برتبة لواء وله ستة أبناء جميعهم ضباط كبار في الجيش السعودي كباقي قبيلة عتيبة الأعرابية ، وقد كان القحطاني ذاته من تلاميذ مفتي المملكة ابن باز الذي أسس بمباركته جماعة السلفية المحتسبة المتطرفة التي قامت بدعم جهيمان والقحطاني .
لقد انتشر دين ال سعود الوهابي على مراحل :
الأولى : بالسيف تماماً ، ولولاه لم يكن له ذكر مطلقا  .
الثانية : بالنفط ، حيث تدفق المال السعودي إلى معظم دول العالم لا سيما الفقيرة والمؤسسات السياسية والدينية والإعلامية والافراد الرسمية وشبه الرسمية .
الثالثة : بالإعلام ، حيث أسسوا وسيطروا ومولوا معظم الإعلام الحديث الناطق باللغة العربية ، الديني والخليع .
فكتاب ( التوحيد ) لمحمد بن عبد الوهاب داعية هذا الدين لم يكن سوى نقل لمجموعة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ، وليس فيه ما هو جديد او ابداع فكري من قبله ، ولم يتضمن شيئاً ذا بال كتبه هو . لكنه كان حجة كافية لقتل الناس والسيطرة على أملاكهم من قبل ال سعود . فمجمل قبائل نجد كانت أعرابية تقوم حياتها على السلب والنهب ، وكان هذا الدين يمنحها ذات هذه الحياة مع الجنة . حتى أن اول لبس قطعة عين القرصان في البحر كان من الجلاهمة النجديين . فيما انقض جيش ال سعود على قافلة عراقية متجهة إلى الحجاز ونهبها بدل أن ينفذ واجبه المناط به في قتال إمارة جبل شمر .
أما كتابه ( القواعد الأربعة ) فلم يكن مختلفاً عن كتابه التوحيد من حيث البساطة المعرفية ، إلا أنه كرسه للوصول إلى نتيجة أن التقرب والتشفع والتوسل إلى الله بالأئمة والاولياء الصالحين شرك ، وبه احل دم جميع المسلمين ، وأن هؤلاء المسلمين – المشركين في نظر كتابه – أعظم شركاً من المشركين الأولين الذين قاتلهم رسول الله محمد ، ولا نعلم كيف يكون ذلك ، إلا اللهم انتصاراً لأسلافه الذين بقوا على الشرك حتى آخر سنة من حياة رسول الله .
اما قادة المجتمعات السلفية في العالم  :
فبعد مؤسسة الرسالة اليد السعودية في الأردن ولبنان , كان منهم ( محدث العصر ) عند الوهابية ومن شايعهم من السلفيين محمد ناصر الدين الألباني الأشقودري الأرنؤوطيّ . من دولة ابتعد شعبها الأوروبي عن الدين الإسلامي كثيرا ، بعد أن كانوا جنود الدولة العثمانية وقادة جيشها . كما كان محدث الشام شعيب الأرنؤوطيّ الألباني . فيما مرجع السلفية في الشام بعد ناصر الدين الالباني كان عبد القادر الأرناؤوط ( قدري صوقل ) . وعلي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، أبو الحارث وأبو الحسن، السلفيُّ الأثريُّ، الفلسطيني اليافي أصلًا ومنبتًا، الأردُنِّيُّ مولدًا، الحلبيُّ نسبة ، وهو من تلاميذ الألباني . وفي سوريا عدنان بن محمد العرعور يعود نسب أسرته إلى عشيرة المزاريع من قبيلة عنزة الأعرابية التي هاجرت من نجد إلى الشام وكان له دور مهم في تعزيز مصالح الفرنسيين ، وقد ظل في الرياض السعودية يعمل في التجييش الطائفي تحت نظر المسؤولين الحكوميين والدينيين هناك  .
ومقبل بن هادي الوادعي ، داعية السلفية الوهابية في اليمن ، ولد في قرية دماج التابعة لمحافظة صعدة باليمن ونشأ في بيئة أمِّية وقد نشأ يتيم الأبوين، ومات أبوه وهو صغير، وماتت أمه قبل البلوغ ، فكانت حالته المادية لا تناسب أسفاره إلى السعودية والولايات المتحدة وألمانيا ، وتأسيس معهد دار الحديث في قرية مثل دماج في صعدة انتسب إليه الآلاف من عدة دول حسب المنقول ، إلا أن الأرجح دخول المال السعودي في كل ذلك ، وقد تم ترحيله إلى بلاده بعد أن سجن ثلاثة أشهر في السعودية بتهمة مراسلة جهيمان العتيبي الذي احتل الحرم المكي . وخليفة الوادعي يحيى بن علي الحجوري على معهد ومدرسة دماج ووصي الإرث السلفي الوهابي في اليمن لم يكن له من المؤهلات العلمية سوى جلوسه إلى مقرئي السعودية ثم الوادعي ، ليقود بعدها طلابه متعددي الاعراق والجنسيات في الهجوم المسلح على أهل صعدة من الحوثيين الشيعة . وكذلك كان تلميذه الآخر محمد بن عبد الوهاب الوصابي بلا مؤهل سوى الحضور في هذه المدارس الاقرائية  . فيما تلميذه محمد بن عبد الله الإمام الريمي فقد بنى في مدينة معبر اليمنية دار الحديث بمساحة 100متر طولاً و 40 متراً عرضاً، غير المرافق الخدمية التابعة له حيث يتسع لأكثر من عشرة آلاف حسب المنشور عنه ، ويصل عدد طلابه إلى (1500) ، منهم ما يقارب النصف مع عوائلهم .
ومثل الوادعي كان تلميذه المصري مصطفى العدوي من قرية مصرية في محافظة الدقهلية ، ما إن رجع حتى أسس مسجداً كعادة مشايخ السلفية الذين يرجعون إلى قراهم ومدنهم ويبدءون فجأة بالبناء وتأسيس المشاريع الدينية في مجتمعاتهم الفقيرة  . فيما المصري الآخر الأشهر محمد حسان يُنشر عنه أنه أخذ البكالوريوس من كلية الإعلام بجامعة القاهرة ثم عمل مدرساً لمادتي الحديث ومناهج المحدثين في كليتي الشريعة وأصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود فرع القصيم قبل حصوله على مؤهل علمي ، سوى الجلوس إلى ابن عثيمين ، وهذا التناقض بين شهادته وبين عمله لا يقل عن الخلاف في دعوى حصوله لاحقاً على شهادة الدكتوراه التي كتبها للجامعة الأمريكية بلندن تحت عنوان ( منهج النبي في دعوة الآخر ) لكنه نالها في جامعة الأزهر ، فيما الجامعة الأمريكية بلندن مؤسسة غير معترف بها قانونياً من الأساس ، فعاد إلى مصر متمولاً بعد أن ولد في قرى الدقهلية لعائلة فقيرة متواضعة . وأبو إسحاق الحويني , حجازي محمد يوسف شريف ، والذي درس عند محمد نجيب المطيعي الذي أقام اخر عمره في السعودية والاخير له إجازة من استاذ موريتاني آخر هو محمد حبيب الله الشنقيطي . وقد كان سبباً في تأجيج الحقد الطائفي ضد فرق المسلمين الأخرى غير السلفية ، لا سيما الشيعة ، رغم جهله بما يجري من حوله وبساطة معرفته السياسية ، فهو في إحدى كلماته يستغرب أن تكون التفجيرات الانتحارية في مناطق السنة فقط ، يحسب إن بغداد والبصرة مدناً سنية الهوية ، مستنداً إلى تصورات كلاسيكية للكتب المذهبية القديمة ، وأن مدناً مثل النجف وكربلاء هي فقط من تضم الشيعة ، ولا يعلم أن التفجيرات تحدث في مدن الشيعة الصدر والشعلة والكاظمية من بغداد ، وكذلك في مناطق التركمان الشيعة في المدن ذات الغالبية السنية ، وأن مدينة البصرة شيعية في هويتها المعاصرة بعد فصل ساحل الخليج ونجد عنها . فيما بلغت فروع جمعية أنصار السنة المحمدية المرتبطة بالسعودية نحو ١٥٠ فرعاً ومساجدها نحو ٢٠٠٠ مسجد ، ومن شيوخها عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء في المملكة وعبد الظاهر ابو السمح إمام للحرم المكي ومؤسس دار الحديث في مكة  . ومنهم محمد حسين يعقوب ، الذي لا مؤهل ديني له كذلك سوى جلوسه في مساجد السعوديين في زيارات متقطعة .
وفي الكويت عثمان الخميس التميمي المضري من أكثر المتطرفين فكرياً في الكويت وتلميذ مشايخ نجد ، من ذرية عباد بن الحصين أبي جهضم من وجهاء البصرة التاريخية ( بما فيها الكويت ) والذي ولي شرطة البصرة أيام عبد الله بن الزبير وكان من قادة جيش مصعب بن الزبير أيام قتل المختار الثقفي وكان مع عمر بن عبيد الله بن معمر الذي تزوج قاتل الحسين سبط النبي امير بني أمية عبيد الله بن زياد ابنته ام عثمان . وجد الخميس المسور بن عباد هو من أجج الحرب الأهلية في إقليم البصرة التاريخي حين غدر ببعض بني أمية من أجل بعضهم الآخر فدخلت الازد وربيعة الحرب ضد قيس عيلان من تميم ومن تبعها .
وفي باكستان أبو الطاهر كان  زبير علي زئي البشتوني محدث السلفيين فيها بعد أن أمضى بعض السنوات في المملكة العربية السعودية كمحقق ومرتب لكتب السنة التي أصدرتها مطبعة دار السلام رجع وأنشأ مكتبة سماها مكتبة الزبيري يدرس فيها عقائد السلفيين
فيما كان داعيتهم الحبشي محمد بن أمان الجامي المصدر الأهم لتقديس الحاكم الظالم وطاعته وتوهين كل من يخرج عليه ، وهو من إنتج شبيهه ربيع المدخلي ، حتى عرفت هذه الطائفة من السلفيين بالجامية والمدخلية ، الجامية هو تيار محلي داخل خريطة الإسلاميين في السعودية يطلق على شعبة من شعب التيار السلفي تتميز بخواص كثيرة أهمها العداء لأي توجه سياسي مخالف للسلطة انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم ، رغم أن المدخلي كان يثير الناس على الحكام في بلاد أخرى غير السعودية .
وكل هؤلاء الذين اصبحوا مؤثرين وقادة مجتمعيين – ربما بالمال والتجييش الطائفي – في بلدانهم لم تكن صورتهم في السعودية وبلاد نجد سوى انهم مجاميع متفرقة من طلاب العلم وانصار الدعوة السلفية , وليس لهم من وزن معتد به هناك . اذ كانوا يتملقون كل شيخ سعودي , والذي بدوره ينظر اليهم على انهم اتباع مهما كان حجمه في المؤسسة الدينية السعودية . فالعقيدة الوهابية مرتبطة عضوياً بالهوية السعودية والنجدية .
ولا غرابة حين نعلم أن ابن تيمية ( تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ النُّمَيْرِيُّ الْحَرَّانِيُّ ) الناصبي من ذرية قبائل قيس عيلان النجدية أيضاً التي هاجرت إلى حران في جنوب تركيا الحالية . كما ان محمد بن عبد الوهاب الذي صار داعياً الى دين ابن تيمية في العصر الحديث من تميم نجد .
فآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب تعود أصولهم إلى آل مُشَرَّف أو المِشارِفُةُ من الوهبة، وكلهم إلى بنو تميم. وآل الشيخ هم القائمون في السعودية منذ تأسيس الدولة الأولى سنة 1157هـ/1744م بالوظائف الدينية، عُرفيًا أو رسميًا، من الإفتاء والتدريس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورئاسة المعاهد والكليات الإسلامية. وقد برزت كثير أفرادها من قرابة الأبوية منذ حياة مؤسسها في العلوم والسياسة الإسلامية والقضاء الشرعي والفقه الحنبلي والعمل الخيري والتطوعي، داخل الحكومة السعودية أو خارجها.
اما ال ثاني امراء قطر يرجع أفراد أسرة آل ثاني إلى ثاني بن محمد بن ثامر بن علي بن سيف بن محمد بن راشد بن علي بن سلطان بن بريد بن سعد بن سالم بن عمرو بن معضاد بن ريس بن زاخر بن محمد بن علوي بن وهيب بن قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن سنيع بن نهشل بن شداد بن زهير بن شهاب بن ربيعة بن أبي سود بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم .
وآل خليفة هي الأسرة الحاكمة في البحرين؛ يرجع أصلها إلى العتوب، وكان العتوب قد هاجروا من موطنهم في منطقة الهدار الواقعة في أفلاج جنوب نجد، وانتقلوا في مسيرتهم نحو ساحل الخليج العربي في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري، النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي تقريبًا.
والعتوب هم حلف ضم إليه أفخاذا كثيرة تنتمي لقبائل عدة هاجرت من مواطنها الأولى في نجد واستقرت على شواطئ الخليج حيث تحالفت مع بعضها الآخر وتصاهرت فيما بينها، وتعد تلك من الظواهر المألوفة في مجتمعات الجزيرة العربية، وقد ذكر عثمان بن سند ذلك وقال: “والذي يظهر أن بني عتبة متباينو النسب ولكنهم تقاربوا فنسب بعضهم لبعض”، وبالرغم من تباين النسب عندهم إلا أنهم يرجعون بأصولهم الأولى إلى عنزة.بينما ورد عن العتوب في كتاب ملامح من التاريخ العماني، صفحة 283، لسليمان بن خلف الخروصي ما يلي: العتوب: قبيلة عدنانية، يتصل نسبها إلى عتبة بن رباح بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر .
وال نهيان وال مكتوم هم بحسب المنشور ينحدرون من قبيلة كلب القضاعية التي كانت يغلب عليها البداوة لاسيما في الجزء الممتد داخل إقليم نجد حيث ينتمي ال نهيان وال مكتوم . وان كان نسبهم مقطوعاً غير مكتوب الى الجد الصحيح , وانهم على الأرجح ليسوا من القبائل العربية الصريحة .
وال سعود يعود تأسيس السعودية إلى بدايات تأسيس الدرعية وامتدادها القديم. فمحمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية الأولى يعود نسبه– حسب منشورات دولتهم – إلى بني حنيفة الذين أسسوا دولتهم الأولى منذ ما قبل الإسلام في وادي حنيفة نسبة إلى قبيلة حنيفة بن لُجَيْم بن صَعب بن علي بن بكر بن وائل، وعرف بها منذ العصر الجاهلي؛ حتى وادي حنيفة. ويذكر الرحالة ابن بطوطة عندما زار اليمامة أنه كان يحكمها طفيل بن غانم من بني حنيفة وأنه حج معه في جمع وكان ذلك في عام 732 هـ، وفي عام 850 هـ الموافق 1446م انتقل جد آل سعود، مانع المريدي بأسرته من شرقي الجزيرة العربية إلى العارض في نجد بدعوة من ابن عمه ابن درع صاحب حجر والجزعة، الذي منحهم موضعي المليبيد وغصيبة فاستقر فيهما مانع وأسرته، وأصبحتا بعد ذلك مناطق عامرة بالسكان والزراعة. وأنشأ مانع في هذين المكانين بلدة قوية سميت بالدرعية نسبة إلى الدروع، وأخذت مكانها في قلب الجزيرة العربية حتى أصبحت إمارة معروفة. استمرت أسرة ربيعة بن مانع في إمارة الدرعية منذ ذلك العام إلى أن تولى سعود بن محمد بن مقرن عام 1132 هـ وبعد وفاته ليلة عيد الفطر عام 1137 هـ تولى زيد بن مرخان في فترة تقل عن السنتين، حيث تولى بعده الأمير محمد بن سعود الذي أصبح يلقب فيما بعد بالإمام وذلك عام 1139 هـ الموافق 1725م وقاد البلاد إلى مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، حيث نجح في تأسيس دولة واسعة النفوذ. واستطاع محمد بن سعود في فترة قصيرة وضع بذور تأسيس الدولة من خلال امتداد نفوذه في المنطقة وعلاقاته مع القبائل المجاورة ونشره للاستقرار والأمن في الدرعية حتى أصبحت تتمتع بنفوذ مستقل وقوة وعلاقات مع الحواضر والقبائل المحيطة بها، ومع هذا الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي تكامل معه تأييد محمد بن سعود للدعوة التي بدأها الشيخ محمد بن عبدالوهاب .
وقد هجم الوهابيون على مدينة كربلاء المقدسة عام (1216هـ/1801م) , وهدموا القبة الشريفة لسبط رسول الله الحسين بن علي شهيد الطف , ونهبوا خزائن المرقد الشريف النفيسة , وسلبوا كل ما كان لأهل المدينة من ثروات واملاك , حين كان الرجال يزورون المدينة المجاورة النجف الاشرف في ذكرى عيد الغدير المقدسة عند الشيعة بوصية الرسول لعلي بن ابي طالب بالخلافة . وقتلوا الالاف من النساء والأطفال وكبار السن . بتعاون من الإدارة العسكرية العثمانية , يقول ميرزا أبو طالب خان: ( في الثامن عشر من ذي الحجة من عام 1216هـ , وهو يوم عيد غدير خم , كان معظم سكان كربلاء قد ذهبوا لزيارة الإمام علي عليه السلام إذ داهمهم 25,000 ألف من فرسان الوهابيين يمتطون الجياد العربية الأصيلة، وسبق أن بعثوا قبل هذا التأريخ جماعة منهم إلى ضواحي كربلاء متنكرين بزي الزوار واتصلوا بحاكم كربلاء آنذاك المدعو عمر أغا وعقدوا معه اتفاقا سرياً ولما دخلوا كربلاء تعالت أصواتهم قائلين ” اقتلوا هؤلاء المشركين” , وكانت حامية كربلاء تحت قيادة حاكمها المذكور – أي عمر أغا – وقد انسحب أفرادها إلى قرية الهندية القريبة من كربلاء بموجب الاتفاقية المذكورة )  .
العلاقة بين البداوة والتطرف
ان بيان رسول الله مقام علي في غدير خم وتوليته بولاية النبي على المؤمنين والمؤمنات بعد ان نعى اليهم نفسه كافية لأي عاقل في قبول حق علي بالولاية السياسية والدينية . وتهنئة عمر بن الخطاب لعلي يومها  لا تترك لبساً في فهم الناس لمفهوم هذه الولاية . الا ان سيف علي في جهاد أهل الشرك كان اثار النفوس ضده ، وجعل قبائل الاعراب تنتظر في أمره اَي طارئ ، وهو ما وفره الانقلاب . وبعد اسلام قريش الاضطراري ، وإسلام الأعراب من قيس عيلان ، وكما هو واضح من اضطرار النبي للمرة الأولى في جميع مشاهده ان يستخلف علياً على المدينة ، وقد كان حامل لوائه في كل المعارك ، في غزوة تبوك ، الغزوة الأولى بعد دخول جميع قريش وقيس عيلان في الإسلام ، لأسباب سياسية تتعلق بأمن الدولة الإسلامية ، كان النبي حريصاً بما لا يدع مجالاً للريب ان يتخلص من كل المرجفين في امر علي ، فأنفذهم في سرية أسامة بن زيد ، وفيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح وسعد بن ابي وقّاص واخرون . وكانت هذه المرة الثانية التي يبعث فيها النبي من لا يثق به من المهاجرين في سرية بعيدة ، اذ بعث أبا عبيدة بن الجراح وسعد بن ابي وقاص في سرية عبد الله بن جحش الى عمق التحالف النجدي القرشي في بطن نخلة بين مكة والطائف ، ولم يخبرهم بالمهمة مباشرة ، فبكى أبو عبيدة قبل تحرك السرية ، فتركه النبي ، وهو بكاء خائف لا شك ، وتخلف سعد بن ابي وقاص بعد علمه بخطورة المهمة ، وان كان القوم قد أوجدوا لابي عبيدة عذراً بانه بكى صبابة لرسول الله ، وان سعداً وعتبة بن غزوان تخلُّفا يبحثان عن ناقة ضلت  .
وحينذاك كانت القبائل لا تعي البعد العقائدي للتشيع او التسنن , بل تدرك البعد السياسي للخلاف بين بيت النبوة وبين بني امية في الغالب , وكانت تحتكم الى كل الصحابة الذين تثق بهم من خلال المعرفة المباشرة او بالتابعين , لكنها تجعل لبيت النبوة مقاماً معرفياً عالياً ومنزلة أخلاقية فوق منازل الناس . ونتيجة البعد السياسي كانت هناك قبائل تنصب العداء للبيت النبوي بسبب سيف علي بن ابي طالب في رجالات قبائلها في معاركه على التنزيل ضد الكفر او في معاركه في الإسلام على التأويل ضد النفاق , ومن هنا اختارت هذه القبائل نسقها العقائدي لاحقا . ومن ثم كانت المناطق الاعرابية والصحراوية اكثر بغضاً لال علي , بسبب معارك قيس عيلان والجمل . وكذلك مناطق الشام بسبب الثقافة التي نشرها ولاة عمر بن الخطاب عليها مثل يزيد بن ابي سفيان ومعاوية وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد . وقد ظلت قبائل كبيرة في مدينة مثل البصرة – التاريخية حتى عُمان – ناصبية الى زمن الامام جعفر بن محمد الصادق ابن حفيد الحسين  .
فيما كان بعض قبائل قيس عيلان الاعرابية من فزارة وغيرها وكذلك الاعراب من بجيلة يشغلون شمالي الجزيرة الى جنوب العراق وكانوا عثمانية يبغضون الحسين واباه  . وهذا كان يضعف من حماسة الناس في الطريق للالتحاق بالحسين الذي ثار من اجل اصلاح امة جده أكيدا . الا ان تلك المسيرة الحسينية كانت ضرورية قريباً من هذه القبائل لاختراقها فكريا , فكانت النتيجة التحاق مثل زهير بن القين البجلي بالركب الحسيني الثوري رغم انه لم يكن علوي الهوى بعد ان اثرت فيه زوجته دلهم بنت عمرو مبدئيا . وزهير بن القين لم يكن شخصاً عادياً بل كان وجهاً اجتماعياً شارك في فتح بلاد الخزر وتأثر بوجود سلمان الفارسي معه  .
ولما وجد العباسيون ان استقامة ملكهم لا تكون الا بخلع الدعوة العلوية والنكوص عن شعاراتهم في الرضا من ال محمد ، أي انهم لن يعيدوا الحق الى أهله كما أوهموا الناس الناقمة على بني امية ، صار من المتوقع منهم هو المتوقع من كل سلطان جائر تخلى عن القيم ، حيث يستعين بولاة الجور الذين كانوا اعواناً لمن قبله وليسوا يشكلون خطراً على ملكه ، فهؤلاء يعبدون المال ويخدمون كل باطل . فجعل المأمون من خلفاء بني العباس ولاية اليمن لحفيد زياد بن ابيه  ، ليخلصوا تلك البلاد من دعاة الطالبيين . فجعلوا الامر الى محمد بن زياد بن عبيد الله بن زياد بن ابيه ، ثم استمر في ولده . فكانوا يجبون المال لبني العباس بما لم تره بلاد العرب حينها . وقد خرج ال زياد من العراق بعد مقتل الحسين رغم انهم من النبط الموالي وليسوا من العرب وان بلادهم بين العراق وفارس ، لان العراق الحضاري لفظهم كما لفظ غيرهم من خصوم العلويين . حتى غلبهم الموالي على امرهم في اخر دولتهم كما حدث مع العباسيين والفاطميين ، ثم انهارت دولة ال زياد على يد دعاة الفاطميين . وقد قام بدعوة الفاطميين بنو يام من همدان اليمن ، فقلبوا الامر على بني طرف حكام تهامة ، واختطوا مدينة صنعاء عاصمة اليمن اليوم ، وجمعوا الامر للفاطميين ، واسقطوا دعوة بني العباس ، ووصل حكمهم الى عدن . فحاربهم ال زياد بالأحباش ، اذ جاءوا بأكثر من عشرين الفاً منهم الى اليمن ، اذ كان العرب اما مع الياميين الفاطميين او مع الزيدية ، بمعنى انهم كانوا يميلون للتشيّع عموما . وكان بنو نجاح موالي ال زياد يسيرون بسيرة بني امية في قطع الرؤوس وإرهاب النساء بها  . ومن أفراخ ال زياد ظهر في اليمن  الداعية علي بن مهدي الحميري ، وهو السلف الصحيح للوهابية السلفية النجدية لا احمد بن حَنْبَل . حيث رعته ام فاتك احد نساء ال نجاح من موالي ال زياد ، حتى انقلب على دولتهم وعلى من جاورهم ، خرج الى أعراب هَوازن من قيس عيلان وبث دعوته فيهم ، وقيس عيلان ذاتها كانت محط رحال الوهابية الحديثة ، ثم أخذ برأي الخوارج في تكفير علي وعثمان وتكفير سائر المسلمين وأخذ الجزية منهم ، وقتل شارب الخمر وتارك الصلاة بل والمتأخر عنها او عن خطبته . فاجتمع لجهله بالعقائد الصحيحة اصلان حمير وقيس عيلان .
وقد كان الملك في بدء دعوة الإسلام في اليمن للحميريين التبابعة قبل انتقال جلهم الى ارض الشام في نصرة معاوية بن ابي سفيان بقيادة ذي الكلاع الحميري . وكانت عاصمة ملكهم عاصمة اليمن اليوم صنعاء فاختلط قصورها وعمرها الشيعة الزيدية وجعلوها مركزاً حضرياً مهماً في العصر العباسي . وبعد انسلاخ حمير الى الشام غلبت همدان على مطلق اليمن وجنوب الحجاز ، ومنها اليوم بكيل وحاشد ، وقد غلب عليهم حينئذ التشيع ، وقد بقي عمود همدان في اليمن وحده واضحاً بعد تفرق عنوانها في بلاد المسلمين . تجاورها مذحج ، التي كان عمودها في العراق قائماً واضحا ، سوى قبيلة حرب منها التي استوطنت الحجاز الى اليوم ، وينتشر بين أبنائها التشيع .
وقد غلب التشيع على مجمل اليمن الجنوبي حينها كما غلب على الحجاز ، لكن على نحو اقل عمقاً من تشيع أهل العراق ذوي الارتكاز الحضاري التاريخي ، فأهل حضرموت مثلاً كانوا يحكمون بأحكام علي وفاطمة ، لكنهم يبغضون علياً بسبب التحكيم . ولا غرابة فبلاد حضرموت كانت اقرب للتعرب منها للتمدن ، فقد كان سكان مهرة فيها طابعهم التوحش بسبب وحشية ظروف تلك البلاد الطبيعية ، فكانوا على رأي الاباضية الخوارج . ومنه نعرف ان كل زيادة في البداوة والتعرب والابتعاد عن المركز الحضاري العراقي تعني زيادة في جهل قواعد وعقائد الإسلام الصحيحة ومن اهمها معرفة حق علي بن ابي طالب . أي ان تلك البلدان البعيدة كانت من الفئة الثالثة غير المتشكلة فكرياً بعد في بلاد المسلمين  .
( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) ( إبراهيم ) .
حين نزول الآيات لم تكن حينئذ من دولة اسمها ( المملكة العربية السعودية ) قائمة في شبه الجزيرة العربية , ولم يكن من شعب واحد الأصل او ثقافة مشتركة , فهناك السبئيون القحطانيون والاراميون وشعوب أخرى , وبالتالي لم يكن قصد إبراهيم في دعوة الامن تلك سوى ( مكة ) بذاتها , بدلالة الآيات الرديفة ( إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) ( النمل ) و ( وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) ( التين ) , التي تحدثت الى رسول الله محمد عليه وآله السلام . او انّ إبراهيم قصد بدعائه كل البلد الذي كانت تعود اليه مكة او الشعب كناية كما في الاية الشريفة ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) ( يوسف ) , بدلالة ذكر ( إسحاق ) في الايات اللاحقة وهو لم يسكن ( مكة ) مطلقاً .
الترك
وانتقل العراق منذ دخول المغول من اهم المراكز الاجتماعية والعلمية والاقتصادية ومن جنة الحبوب الى ارض تعاني الخراب مهملة , لاسيما بعد التهديم المتقن لسدود العراق الاروائية من قبل هولاكو والتي كان من الصعب إعادة صيانتها بسبب استمرار اضطراب البلاد , فكانت تلك نقطة اللاعودة في انهيار الاقتصاد التاريخي للعراق . وظلت البلاد تابعة للدولة الايلخانية المغولية في ايران , ثم عاصمة لقسمها الجنوبي . بفوضى إدارية عارمة , تعكس ما كانت عليه حياة المغول . حتى ظهر الأمير ( غازان ) ونفع بغداد عن حب بسبب ورعه الإسلامي الشيعي كما يعبر المؤلف , فكان يتردد الى العراق كثيرا . وكانت تعبر الى أراضيه قبائل البدو من نجد والجزيرة للحصول على مرعى , ولاستغلال خيراته , بحروبها وطبائعها .
لقد ظهر في منتصف القرن الثامن عشر الحلف الوهابي السعودي بين الشيخ المتعصب محمد بن عبد الوهاب والأمير النجدي الأعرابي محمد بن سعود . وقد تعزز بالمصاهرة بينهما وتوريث الامار لحفيدهما معا . وبدأت غزوات هؤلاء الاعراب التكفيريين شديدي الجهل والقاحلين الحضارة على امارة بني خالد في الاحساء , ثم امتدت الى ما جاورها من ارض وحضارة , وهي تكفر جميع المسلمين ولا علاقة لها بغيرهم من المحتلين الاجانب في الخليج .
ثم حين ارادت قبائل العراق صد خطرهم – بعد ان غض العثمانيون والمماليك النظر عن وجودهم عمليا – كان النقص يتمثل في بداوة قائد قبائل المنتفق – الجيش الرئيس في العراق – وهو ثويني واعتماده على بعض قبائل الاعراب في اقصى الحدود الجنوبية للعراق والكويت حين عسكر في منطقة الجهرة , اذ ان هذه القبائل بروحها الغنائمية والمنكسرة ساهمت في كسر جيشه ذاته ونهب معسكره فتم قتل ثويني نفسه .
وحين بلغت خطورة الوهابيين انها سلبت بعض ممتلكات الدولة العثمانية وظهر انها ليست قبائل سنية طائفية تريد الاكتفاء بضرب بعض العرب من الشيعة والسنة اضطر العثمانيون الى حث المماليك في العراق على جمع القبائل المختلفة من سنية وشيعية دون استقدام الاكراد هذه المرة لتأديب هؤلاء الوهابيين غير الخاضعين للسلطان . الا ان عدم الجدية العملية للقادة المماليك وتكبرهم وعدم منحهم الفرصة المناسبة للقبائل العربية المدركة لخطورة مفازات الصحراء جعلت المعركة غير حاسمة في القضاء على اخر معاقل الوهابية في درعية نجد . ثم عاد الوهابيون من جديد وغزو الاحساء .
وحين كان العراق يعاني من اهمال المماليك العثمانيين وتعاني بغداد تفشي وباء الطاعون دخل الوهابيون مدينة كربلاء المقدسة بعد غياب أهلها في سفرهم الى مدينة النجف الاشرف في احدى المناسبات الإسلامية الشيعية , فقتلوا الالاف من كهول وأطفال ونهبوا المدينة حتى ما على النساء من حلي , وسرقوا نفائس العتبات المقدسة الثمينة جدا , بتواطئ من حاكم المدينة السني المتعصب عمر اغا الذي خرج منها عند علمه بقدومهم قبل دخولهم المدينة ولم يحرك ساكناً مطلقا .
فكانت هذه المجازر والاوبئة نهاية حكم اكبر باشا في تاريخ الإدارة المملوكية العثمانية للعراق وهو سليمان , الذي لم يقم طيلة سني حكمه المدينة سوى بالتحصينات العسكرية وانفاق الأموال عليها لحماية سلطانه فقط لا القبائل والمدن العراقية التي انشغل بضربها وافقارها لا سيما الخزاعل وعفك وزبيد في اخر حياته , مما سمح بإضعاف المنطقة الحضرية المقابلة للبر الصحرواي الذي يسلكه الوهابيون لضرب العراق . فكانت الفترة من 1795 الى 1802م معلنة ضعف العثمانيين ومماليكهم بضعف الباشا الكبير , لعدم وجود دولة مؤسسات وانما دولة اشخاص بدوية الطابع , وكذلك بدء تشكل اخطر دولة في المنطقة طيلة القرون الثلاثة اللاحقة وهي الدولة السعودية  .
الا انه نجح في تمصير مدن قبلية مثل الناصرية والرمادي , لا من اجل أهلها بل لان مدينة الناصرية كانت مركز إقليم المنتفق الأقوى في العراق ومن ثم هو نجح في توطين القبائل وتوظيف شيوخ السعدون عند الحكومة بعد ان كانوا امراء اكبر من الوالي نفسه , حيث أصبحت القبائل مضطرة لدفع الضرائب بلا مقابل خدمي , واصبح الشيوخ جزءاً من المنظومة الحكومية بعد ان كانوا اقدر على المعارضة , وصار بالإمكان معاقبة القبائل بيسر وسهولة , او اذلالها بمصادر المياه الزراعية التي تتلاعب بها الحكومة , وصار نشر الفتن اسهل على الولاة بين رجالات القبائل الباحثين عن مصالحهم . كما ان سياسة التوطين خلقت مشكلة التملك للأراضي التي هي ملك قبائل اصيلة لكنّ اسلاف الولاة العثمانيين منحوها هدايا وهبات لرجال وعوائل موالية لهم , مما جعل الحكومات المتأخرة في القرن الثامن عشر تخلق مفهوم الأرض الاميرية التي يتم بيع فائدتها والتصرف الزراعي فيها فقط دون ملكيتها الصرفة مقابل أموال جديدة لمن يملك سندات تمليك الولاة السابقة او من هو يعيش على الأرض فعلا , فكان هذا طوق نجاة اولي لقبائل مهاجرة جاءت من نجد او الحجاز او الخليج او الشام وهي لا تملك شيئاً سابقاً في العراق الا ان مذهبها السني أعطاها مكانة اقرب عند الولاة العثمانيين , لاسيما ان معظم القبائل الشيعية الاصيلة كانت تخشى تبعات التوطن من فرض الضرائب الجائرة او التجنيد الاجباري , وهو الذي سمح للقبائل المهاجرة بالحصول على امتيازات تم تثبيت الكثير منها لاحقا . فاصبحت بساتين شيخ كعب والمحيسن العظيمة على شط العرب ملكاً للحكومة , واصبح شيخ عنزة مالكاً للبساتين الكبيرة فجأة في اعلى الفرات , واستقرت شمر وأصبحت عائلة شيوخها من الجربا ملاكاً للأراضي في مناطق الشرقاط . واستغل السعدون هذا الوضع بعدما اصبحوا موظفين عند الحكومة العثمانية واستحصلوا سندات ملكية للأراضي في إقليم المنتفق الواسع وسط ذهول أبناء تلك القبائل واستغرابها , ليجد أبناء تلك المناطق المحاربون الاشداء انفسهم فلاحين عند السعدون , وهو الامر الذي اغضبهم وجعلهم ينفرون من مشايخ السعدون ويرفضون دفع الضرائب التي لم تستحصلها الحكومة منهم الا يسيرا . وتسبب هذا الجشع السعدوني بتفكك حلف المنتفق التاريخي الكبير والقوي . وهو اخر حلف مع حلف قبائل بني لام – الذي تم ضربه سابقاً – كانت تخشاه القوات البريطانية . وهذا ما اعترف به البريطاني صاحب كتاب ( أربعة قرون من تاريخ العراق ) .
وقد أصبحت عائلة السعدون منذ ظهور ناصر باشا وابنه فالح ومنذ عهد الوالي مدحت باشا اليد العثمانية الحكومية لإخضاع القبائل وعثمنتها بالقوة , وصار للعثمانيين قوة مقيمة لحماية شيوخ السعدون في الخميسية في سوق الشيوخ , حتى ان جشعهم وصل بهم الى اخماد ثورة الاحساء البعيدة انتصاراً للعثمانيين , مقابل الألقاب والمناصب التي نالوها , الامر الذي تسبب بحرب قبائلية داخلية لم تهدأ لعقود , واضعفت جنوب العراق كثيراً وطويلاً , بل يمتد اثرها الى اليوم .
وبعد ان سرق الترك الاناضول من العراقيين وجاءوا بمن شاءوا الى شمال العراق الحديث غيّروا بالسيف ديموغرافيا البلدان وقتلوا الناس على دينهم ومذهبهم , حتى بدّلوا شكل الدولة العباسية من وجهها الشيعي العربي في كل مكان الى امارات اعرابية تنصب العداء لشيعة علي بن ابي طالب . فلم يستسغ حاكم ظالم من اتباعهم مثل صلاح الدين الايوبي دوام ذكر الحسين فكان اول من جعل يوم عاشوراء عيدا  . وقام صلاح الدين الأيوبي بقتل أمراء الشيعة وهدم جامعاتهم العلمية ومطاردة فقهائهم ومصادرة أموالهم ، حتى انه اعتذر للأمير نور الدين في الشام عن قتال الفرنجة لانشغاله بقتل الشيعة وتصفيتهم . وقد كان سليمان القانوني يغزو ديار الشيعة بصورة منظمة , ويضيق عليهم معائشهم , وكانت بلاده تغزوهم باستمرار , وفرض عليهم قوانينه وعقائده .
وكان هذا الانتشار العالمي العظيم للتشيّع سبباً في ادعاء صاحب الزنج عند ثورته على العباسيين النسب الى العلويين ، رغم انه لم يكن منهم ، بل وكان في عقيدته خارجياً من الأزارقة يلعن طرفي الجمل وصفين . بدليل ان أهل البحرين الشيعة قد قاتلوه وطردوه ، فيما كانت بعض تميم في أطراف البصرة تؤويه . وبسبب انتشار التشيع بين القبائل العربية حينذاك اضطر العباسيون ان يستعينوا بالترك لقتال وردع صاحب الزنج الذي أسس جيشاً من العبيد وطالبي الغنائم من الاعراب . وقد استغل الزنج هذه الفجوة بين المؤسسة الرسمية التي كانت عقيدتها تخالف عقيدة أهل البيت وبين الجمهور الإسلامي العربي المحيط الذي ينتمي لعقيدة التشيع . فكان الزنج يعلمون ان العباسيين يخشون الاستعانة بالعرب ، وأنهم سوف يستعينون بالترك اللذين لا يعرفون هذه البلاد . وهو الامر الذي ساهم في استفحال الظاهرة التركية لاحقاً في بلاد العرب . وقد انهزم الترك فعلاً امام الزنج عدة مرات . كما انشغلت القبائل الشيعية العربية بمحاولة كبح جماح الترك اللذين سلطتهم الدولة العباسية على المدن العربية ، اذ لم يكن للترك حينها من مبادئ وعادات تناسب ما عليه الثقافة العربية الإسلامية ، بل كان جل همهم جمع المال والسلطة بأية وسيلة . أضف الى ذلك تذبذب القبائل والإمارات الكردية القريبة بحسب ميزان القوى ، اذ تهادن من يملك القوة حينها . ولهذا السبب العقائدي ايضاً استعان العباسيون بالترك لقتال العلويين في بلاد فارس . كما استعانوا بالموالي السامانيين في بلاد فارس بقيادة إسماعيل بن احمد الساماني الذين كانت تقوم سياستهم على التعذيب والحرق  لقتال العلويين بقيادة محمد بن زيد احد بني الحسن بن علي بن ابي طالب الذين انضم اليهم الديلم ذوو الأصل السومري العراقي طوعا  . حتى انه في ظاهرة فريدة كان رأس ليلى بن النعمان قائد الديلم من الرؤوس النادرة التي حملت من الشرق الى بغداد لارضاء بني العباس ولا يشبه ردود فعل الخلافة تجاه قادة الاتراك من السلاجقة المفسدين  . وكان بنو سامان يستعينون بالسيء من الديلم لتثبيت نفوذهم في تلك البلاد ويتركون الصالحين , اذ استعانوا بشخص عسوف اسمه اسفار وحاربوا غيره , فثار شيعة الديلم من قادته عليه وقتلوه بالتعاون مع شيعة اذربيجان  . ومما يؤكد عراقية شعب الديلم والجيل رفض الباحثين التاريخيين نسبة ال بويه منهم الى ملوك الفرس , وقولهم ان ذلك كان سيمنع رئاستهم في الديلم  , فلو كان الفرس والديلم شعباً واحداً لما اقتضى الامر ذلك التمييز .
وبسبب هذا البعد الطائفي من العباسيين فإن السامانيين الفرس اخذوا شرق الدولة عموما , ثم غلبهم الترك , فاعاد دولتهم ال سبكتكين موالي مواليهم ثم اخذوا الملك منهم , ثم ازال الغز السلاجقة دولتهم , اذ كان هؤلاء الغز – ككل الترك  – من اهم العوامل التي تسقط الامارات التي تضعف قليلا  , حتى انهم اضعفوا دولة الغوريين – قبل ان يكسر ظهرها الخوارزميون  – ثم اسقطوها  , والتي كانت حائط الصد امام غزوات الهنود وقد وفرت الأمان النسبي وقد كانت دولة الثغر الاقوى شرقا   , والذين بدورهم جعلهم الترف يسيئون للأسرى على خلاف اخلاق الإسلام , وشغلهم الذهب والسلطان جرياً على عادة الخلفاء ,  واشتركوا في استخدام السيف في العقيدة كما فعلوا في إبادة احدى قرى الإسماعيلية  , رغم انهم كانوا يحرمون الامامية حتى جعل شهاب الدين ملكهم علاء الدين محمد بن ابي علي احد اكابر الامامية قائداً لجيشه وقد رفض بعض الولاة والامراء ذلك  , ورغم ان الغوريين في بداية امرهم كانوا اقرب للتشيع ثم اختلطت بينهم الافكار والعقائد المختلفة لبعدهم عن المركز العلوي وصاروا شافعية وراحوا ينهجون سياسة دنيوية , الا ان علاقتهم بالفكر العلوي جعلتهم يحترمون العلم والعلماء . وقد استعان الخوازميون بوثنيي الخطا من الترك لاهلاك الدولة الغورية وقد قصموا ظهرها فعلا  . بل كان مسلمو الترك اشد دناءة تجاه اخوتهم المسلمين فقتلوا اربعمائة من اسرى الدولة الغورية  . وقد كان من قتلهم من عبيد ملوك الغورية انفسهم  . ولا غرابة في ما فعله الترك , فهم من قتلوا ملكهم مرداويج  , وهربوا الى الخلافة التي كافئتهم بالمال رغم ان مرداويج كان واليها على بلاد فارس بعد ان انشق عن الديلم , ثم استدعاهم ابن رائق امير الخلافة الى واسط والبصرة واكرمهم , وما كان يدري انهم سيقتلون الخلفاء ويسقطون القوى العربية , فهم لم يستقيموا لحليف ابدا  . فهم قد غدروا بالديلم وقتلوهم شر قتلة حين تحالفوا معهم ضد ابن البريدي امير الاهواز , بل قد غدروا بالخليفة المقتفي العباسي ذاته الذي جاء بهم وسملوه ونصبوا المستكفي  , مثلما سيغدرون مستقبلاً بجند الديلم الذين استأمنوا اليهم في عهد صمصام الدولة الذي على اثرها امر بقتل جميع الاتراك  . وقتل المقتفي العباسي امر لم يفعله غيرهم من العرب او الديلم حين حجروا على الخلافة ببغداد . بل حتى حين غدر المستكفي بالبويهيين لم يسملوه ولم يقتلوه , وانما خلعوه ونصبوا ابن المقتدر الملقب بالمطيع خليفة  .
امام هذا الانتشار الواسع للتشيّع صار للعراق دور محوري في معادلات الفكر والسياسة في العالم الإسلامي . حتى ان امير الحاج العراقي كان فَقِيه الطالبيين ، الذي حين اعترضته بنو نبهان احد أعراب طيء كان من القوة والمنعة بحيث هزمهم وقتل أميرهم . وقد كانت إمارة الحاج حينذاك – نتيجة هذا الواقع الفكري – لنقيب الطالبيين بأمر بني العباس ، وكانت منتظمة في تعايش بين أهل السنة والشيعة للعقلانية التي عليها نقباء الطالبيين . حتى أنهاها المقتدي العباسي تحت ضغط الترك عليه ، فبعث ختلع التركي أميراً على الحاج العراقي لأول مرة ، فحدثت فتنة كبيرة على يده بين أهل السنة والشيعة ، ثم خلفه من الترك على امارتها خمارتكين ، فبغضهم العرب وطردوهم ، وانقطع الحاج من العراق بسبب اختلاف أمراء السلجوقية . حتى مهّد الطريق بعدئذ بنو مزيد الاسديون الشيعة ونظموا أمره ، فعاد أهل العراق للحج . يساعدهم في ذلك انتشار وتحكّم بني الحسن بن علي بن ابي طالب في الحجاز طيلة حكم العباسيين وما بعده . وقد تميّز حكمهم بالعدل والانصاف وامان الناس ، الامر الذي دفع العباسيين الى احترامهم في الغالب وتوقير أشرافهم . حتى قدوم الغز والترك الى الحجاز حيث اسقطوا بعض إمارات بني الحسن وبدأت الفتن والاضطرابات منذ ذلك الحين ، الامر الذي اغضب العباسيين في كثير من الأحيان ، الا ان تغلّب الترك عليهم وحاجتهم اليهم منعهم من معالجة احوالهم بجدية . وقد كان هذا التدخل التركي والغزي من جهات العراق والشام ومصر في مكة والمدينة وعموم الحجاز مدخلاً لصراع الإمارة بين الإشراف من بني الحسن ، حتى اتصل بعضهم بالدولة الأيوبية بمصر التي كانت دائمة التدخل في الحجاز ، فكان هذا الاتصال بداية تسنن الكثير منهم ، ففقدوا هويتهم ، ثم دولهم لاحقا . وكان سبب غلبة بني هاشم على مكة والمدينة انقراض أهلهما من قريش والأنصار من الاوس والخزرج زمن الفتوحات وانتشارهم في مختلف بلدان العالم . ووجود بني حرب الزبيديين الشيعة في الحجاز حينذاك . ولهذا بقي حكم المدينة المنورة بيد الطالبيين من ولد الحسين حتى نهاية الدولة العباسية . ورغم ان أمراء المدينة كانوا شيعة إمامية اثني عشرية طيلة حكم العباسيين وما بعدهم وما بعد سنة ٧٠٠ هجرية ، الا ان أمراء دولة الترك في مصر صاحبة النفوذ على الحجاز حينها كانت مضطرة لاختيار الأمراء منهم ودعمهم ، رغم كونها دولة ناصبية عمليا ، لانها تعلم امتدادهم الحضاري والبشري والمالي الى العراق ، وتخشى استفزاز تلك المنطقة بمن لا تعرف ، فقد كانت قبيلة بني حرب الشيعية الزبيدية تجاور مكة والمدينة وبحر مصر ، وقد قدمت قبائل بني لام وريثة قبيلة طيء من العراق لنصرة أمراء المدينة في حروبهم مع أهل مكة . وقد جرّب الترك حكم الحجاز مباشرة وفشلوا ،لا سيما في تنظيم موسم الحج ، ونفرة العرب منهم  .
حين جاء الاتراك وجدوا بلاد العرب ضعيفة فعليا , بسبب سوء إدارة بني العباس وبني عقيل . ولو تسنى الملك للبساسيري وحلفائه لكان وضع حداً نهائياً للأتراك , وما كانت انهارت الرموز الثقافية للامة الإسلامية لقرون على يد الغز والترك والعثمانيين . حتى اضطرت نساء العرب الى قتل انفسهن بعد انهزام بني عقيل امام جموع امارات الترك والغز التي حاصرتهم من جميع الجهات خشية انتهاك حرماتهن من قبل الترك . ليبدأ تغيير خرائط الديموغرافيا والعقيدة في عموم المنطقة الإسلامية على يد الترك  . وكالعادة كان لجوء العقيليين بحريمهم واموالهم الى المزيديين في جنوب العراق كما سيفعل العباسيون لاحقاً بعد دخول المغول , لما عليه شيعة الجنوب من اخلاق ركزتها العقيدة العلوية المرتكزة لقرون والمندمجة مع المدنية السومرية  . وكان بنو عامر بن صعصعة في المثلث العراقي السوري مقيمين يسيطرون بقبائلهم على مدن وقرى تلك المناطق من حلب الى الموصل والانبار, فكان العقيليون وخفاجة في العراق , وكلاب في سوريا  . وقد كان استدعاء واستقدام الاتراك سبباً رئيساً في انهيار الدول والممالك الإسلامية العربية التي كانت انضج فكرا , وبداية لدخول التاريخ المظلم والبداوة للامة الإسلامية . كما حدث لدولة بني سامان التي غدر بها جنودها من الاتراك على يد قائدهم ايلك خان , حتى هرب اخر امراء بني سامان بزي امرأة وهو امر لم يكن تستسيغه العرب  . كذلك الامر كان مع دولة بني بويه حين استعانت بالترك على العرب , حتى وصل الامر الى احراق دور الشيعة ومحالّهم على يد وزير يدعي التعصب للتسنن امام بني بويه  , كل ذلك بتحريض الاتراك من اجل السلطان , حتى بلغ الامر الى حرب شاملة بين الاتراك والشيعة جميعاً من بني حمدان والبويهيين وبني اسد , انتهت بدخول عضد الدولة الديلمي الى بغداد وارجاع الخليفة الطائع من الاتراك  . وكان الاتراك وراء كل فتنة بين السنة والشيعة في بغداد , اذ تحدث هذه الفتن كلما أراد الاتراك الضغط على البويهيين من اجل المال حتى نهبوا خزائن جلال الدولة وغيّروا الوزراء والهبوا بغداد بالفتن الطائفية أيام القائم العباسي  . والاتراك قد اثاروا الفتنة بين السنة والشيعة ببغداد الى درجة الاعتداء على حرمة مرقد الكاظمين وذخائر بني العباس وبني بويه , وقد شهدت اللجنة التي شكّلها الخليفة من نقباء العلويين والعباسيين بالحق للشيعة . حتى قطع بنو مزيد خطبة الخليفة بسبب الفتنة وانتهاك حرم الشيعة , ثم اعادوها عند سكون الفتنة حين تم منع الاتراك من الدخول  . لكن الاتراك هم من اسقطوا الدولة البويهية لاحقاً رغم محاولة بني مزيد والبساسيري حمايتها  .
والحقيقة ان المزيديين من وجهاء بني اسد , اما الدولة المزيدية في الحلة فهي تحالف عقائدي بين بني اسد بقيادة المزيديين وبين النخع بقيادة احفاد مالك الاشتر تنضم اليهم قبائل حليفة أخرى متفرعة , كان يصارع للظهور طيلة قرون , بسبب شدة الطوق المفروض عليه بعد مقتل الحسين بن علي وصريح تشيعه . اما خفاجة فكانت اقرب الى البداوة وتعتمد السلب والنهب , حتى قاتلها وحاصرها المزيديون فسكنت شيئاً فشيئا . وقد اشتهر من بني اسد في الحلة بعد انهيار الدولة العباسية وفي القرن الثامن عائلة القضاة من ال محفوظ بن وشاح , التي ينتسب اليها العلامة العراقي المعاصر حسين علي محفوظ  . والدولة المزيدية السيفية في الحلة مشهورة بتشيعها وعمارتها , اذ كانت مدينة العلم العلوي , بعد ان بنيت مدينة الحلة على يد صدقة بن مزيد الاسدي . فعمر ارضها بشق الأنهار , وفتح التجارة , فجعلها حاضرة علمية واقتصادية , بعد هجرة الناس اليها , لولا اهمال العثمانيين لاحقا , ومن ثم سوء صنيع الانجليز  .
ونشبت حرب المزيديين مع السلاجقة , تحت راية صدقة العرب , وكاد يحقق الانتصار لولا ان خذلته عبادة وخفاجة اثناء المعركة , فقُتل الى جانبه العرب وبنو شيبان والكثير من الاكراد الشيعة , وكان ينادي : انا ملك العرب  .
ان القبائل التركية جاءت كالسيول مع ريح الخراب الى ارض العراق منذ نهاية العهد العباسي , ملأت الاغوار والانجاد , واكتسحت القرى والبلاد , هكذا يصف المترجم حال دخولها الى ارض الرافدين التاريخية . ويضيف ان هذه القبائل تعيث فتكاً وفسادا , وتجهز بوحشيتها على بغداد العاصمة , لتنهي ما بقي من الخلافة العباسية . فغمر الامة ظلام دامس لا تستبين العين فيه الا نار الخراب التي اشعلتها يد الجور الاثيمة . ولا يسمع فيه الا انين مدنية سارت بذكرها الركبان . واذا بهذا الانين ينقطع فيعقبه صوت الموت الرهيب . فتدخل هذه البلاد من ادناها الى أقصاها في سبات عميق ظلت تغط فيه لعدة قرون . حتى العصر الحديث . وقد ظلت طيلة تلك القرون المظلمة نهباً لايدي الامراء المغول والتركمان . تتقاذفها اطماعهم وتستعر في ميادينها حروبهم حتى قضى بعضهم على بعض . لتنعم شركات البريطانيين النفطية وغيرها لاحقاً بخيرات هذه البلاد التي وجدوها ضعيفة منهكة .
ولم يكن للعراق بعد دخول الاتراك سوى انعدام الذكر , بسبب الخراب الذي حل به مادياً ومعنوياً على يد هذه القبائل التركية . الا بعض ما كان من ظهوره في بعض الأحيان نتيجة اهتمام الصوفية الإيرانية وانظار سلاطين الإمبراطورية الناشئة اليه .
وكانت صحراء العراق الغربية فلكاً تدور فيه قبائل البدو العربية المختلفة , لتشغل القادم اليه من الغرب وتمنعه , كما انها لا تترك أي فرصة للانقضاض على أي ارض تفرغ ويمكن استثمارها من قبلها , الى جانب انها كانت المنطقة الأقل اماناً فيه . والتي تضم مختلف من القبائل المتحركة والمتبدلة .
وفي الشمال كانت اردلان اكبر امارة كردية منظمة ادارت المنطقة الكردية بين العراق وايران بين العثمانيين والصفويين , وهي اقرب الى الصفويين في نظامها . وقد كان العراق بكل قومياته يتحدث العربية ويتمظهر بالإسلام . حتى الإيرانيين الذين استوطنوا حول العتبات المقدسة .
ورغم ما كانت عليها بغداد من التجارة والحياة الزراعية والحرفية والتعليمية , الا ان الحكومات كانت متقلبة تلعب بها الأموال , فانحدرت الصناعة والحرف الى احط دركاتها . وصار الجدال الديني هو السائد شعبيا . حتى ان النزاعات تفشت بين الطوائف المسيحية في الموصل , مما يكشف عن تغلغل الأثر العثماني والاوروبي في أراضيها .
وكنتيجة مباشرة ان هذا الواقع المظلم والمتخلف يتجه الى تفكيك القبلية مستقبلاً وذهاب عناوين القبائل الكبرى مثل ربيعة وقشعم والموالي , وظهور قبائل جديدة .
وانتقل العراق منذ دخول المغول من اهم المراكز الاجتماعية والعلمية والاقتصادية ومن جنة الحبوب الى ارض تعاني الخراب مهملة , لاسيما بعد التهديم المتقن لسدود العراق الاروائية من قبل هولاكو والتي كان من الصعب إعادة صيانتها بسبب استمرار اضطراب البلاد , فكانت تلك نقطة اللا عودة في انهيار الاقتصاد التاريخي للعراق . وظلت البلاد تابعة للدولة الايلخانية المغولية في ايران , ثم عاصمة لقسمها الجنوبي . بفوضى إدارية عارمة , تعكس ما كانت عليه حياة المغول . حتى ظهر الأمير ( غازان ) ونفع بغداد عن حب بسبب ورعه الإسلامي الشيعي كما يعبر المؤلف , فكان يتردد الى العراق كثيرا . وكانت تعبر الى أراضيه قبائل البدو من نجد والجزيرة للحصول على مرعى , ولاستغلال خيراته , بحروبها وطبائعها .
الا ان اسلام واحد من اهم قادة المغول الأقوياء , وهو ( حسن الجلائري ) يكشف قوة الدين الإسلامي من خلال قدرة الجمهور المنكسر عسكرياً على تحويل الملوك المنتصرين الى عقيدتهم . فغدت بغداد العاصمة الشتوية للحكومة الجلائرية في القرن الرابع عشر . وكان نضوج عائلة الجلائريين بسبب تدينها , ومحاولتها الدائمة لاعمار العراق بسبب تشيعها , على عكس تاريخ المغول التخريبي الامر الذي يكشف اثر التشيع في النضج السياسي  . اذ اعادوا للعراق شيئاً من الاحترام الذاتي وشيئاً من الرخاء , ووطدوا السلام والسكينة , وانتشرت بعض الشيء ممارسة الفنون , وقد كانت اصلاحاتهم باقية حتى القرن التاسع عشر .
الا ان سقوط تلك الدولة في العراق على يد ( تيمورلنك ) اخر الحكام المغول الأقوياء تسبب بالخراب والموت من جديد . ثم بعد ان مرت العاصفة رجع الجلائريون الى السلطة , وحاولوا إعادة القيم الحضارية الى العراق التابع إداريا الى حكومة تبريز . لكن تقاتل الجلائريون وحلفاؤهم التركمان القره قويونلي ( الخروف الأسود ) أدى الى زوال مملكتهم ووقوعها تحت سلطة القره قويونلي بما فيها العراق . والذين حاولوا تقليد الجلائريين في الحفاظ على المظاهر الحضارية , الا انهم فشلوا بسبب غلبة طبعهم التركي الغنائمي , فكان صراعهم على العرش والنفوذ سبباً في تمزق بلاد المسلمين الحضارية ومن ثم اختفاؤهم هم في القرن الخامس عشر بنفس الطريقة التي اسقطوا بها الجلائريين اذ نافسهم حليف تركماني اخذ بالنمو هم الآق قويونلي ( الخروف الأبيض ) . وقد كان التركمان يعملون في جيش المغول . ثم انهارت امبراطورية الآق قويونلي على يد الاسرة الصفوية الصاعدة والقادمة من اردبيل , فسقطت عاصمتهم تبريز على يد جيش عقائدي , فلجأ حاكم العراق الى السلطان العثماني ليتبع العراق اسمياً للعثمانيين , حتى ارسل الشاه قوة اسقطت بغداد والتي دخلت رسمياً تحت حكم الصفويين عام 1508م . وقد كانت العقيدة الشيعية سبباً في قيام دولة مدنية راقية لأول مرة بعد الخلافة الإسلامية على يد الصفويين الذين يرجعون الى رجل دين معروف في اردبيل تمتاز اسرته بالتدين والتعليم .
وقد شهد العراق اول استقرار منذ انهيار الخلافة على يد الصفويين . ولولا اتجاه العثمانيين الى الشرق لبقي تحت رعاية الصفويين وليس اهمال وتضييع الاتراك . وكان لجمع السلطان سليم العثماني متناقضات الغباء والذكاء اثرا في بدأ الصراع العثماني الصفوي . فهو رأى ان اسقاط الصفويين لدولة الآق قويونلي والاستيلاء على أراضيها حرباً على العثمانيين , فقام بذبح الشيعة أينما وجدهم دون ان يكون لهم ذنب في هذا الصراع وهو ما يكشف غياب العنصر الحضاري عن السلطنة العثمانية وانها امتداد للفكر التركي الطائفي في العصر العباسي . وغضب كذلك من موافقة ايران على لجوء اخوة سليم نفسه اليها , فبدأ حرباً كان مكسبها الأهم شراء ولاء نسبة كبيرة من الامراء الاكراد . لتكون الدولة العثمانية البادئة لهذا الصراع الذي سيوقف زحفها في أوروبا .
وكان بعض الاكراد استغلوا الحضارة الإيرانية ثم اظهروا الولاء للسلطان التركي تملقا للعثمانيين من اجل حمايتهم بعد ذبح الشاه غدراً وسيطرتهم على بغداد . فاصبح العراق منذ اللحظة تابعاً اسمياً للعثمانيين . ثم عاد الى سلطة الصفويين في عهد الشاه طهماسب . الا ان العراق دخل في السلطان العثماني سلماُ بعد اعتماد الصفويين على الاكراد المتذبذبين في حكم بغداد , فدخلها سليمان العثماني فاتحا .
وكانت هذه الفترة من الوجود التركي العثماني في المنطقة الحضارية للعالم الإسلامي واحتكاكهم بسبب الحروب بمختلف المدن المنظمة كافية في اقناع هذا العنصر البدوي بضرورة الإصلاحات التنظيمية والإدارية . فقام السلطان العثماني سليم بسلب عنوان الخلافة من اخر خلفاء العباسيين الذي كان متواجدا في مصر .
فكان شرط العثمانيين على زعيم اكبر تحالف قبلي في جنوب العراق وقد كان حاكماً على إقليم البصرة الواسع تاريخياً – والذي بعث ولده ( راشد ) بالمفاتيح والولاء للسلطان – ان يحكم بشريعة المذهب العثماني في منطقة لها مذهب مخالف .
وبعد هذه الأجواء المثالية للقبائل التي توافق مذهب العثمانيين هاجرت شمر الى العراق عام 1640م . وكثر الرحالة الأوربيون في العراق في القرن نفسه . رغم ان الأوروبيين كانوا في حالة عداء صريح للمسلمين . فكان العثمانيون يسهلون مهامهم ويعرقلون قدوم الزوار الإيرانيين حتى ذبحوا الكثير منهم .
واستمر تتابع ولاية الخصيان والجشعين والنزقين واللصوص والبلهاء والمسرفين والفاسدين أخلاقيا والمرضى النفسيين والاميين العسكريين الاتراك والالبان والصرب على بغداد , وخرابها وفقدانها معالم الجمال فيها , وانحدار أهميتها التجارية , لاسيما بعد قتل الاتراك لأغلب تجارها الشيعة . وكانوا ما يقرب من سبع وثلاثين والياً خلال القرن السابع عشر , وكانت جل أعمالهم بناء جوامع وقبور اهل السنة , وفرض الضرائب , والتقاتل بينهم على الثروة , وقمع ثورات القبائل العراقية . وهذا ما لا يتلاءم مع مدينة مثل بغداد لازالت تحتضن كنيسة النسطوريين الموحدين حتى القرن السابع عشر بسبب تنوعها الثقافي والحضاري .
فشن العثمانيون حملات عسكرية ضد بني لام ثم ضد زبيد في 1681م وضد بني لام في 1696م , وقد كانت قبائل زبيد من ورثة قبيلة مذحج العربية الكبيرة في وسط العراق , وبنو لام الورثة المباشرون لقبائل طي العربية وهم واحد من اكبر تحالف جنوب وشرق العراق . فيما الصدر الأعظم للدولة العثمانية صربي امي .
وقد سمح العثمانيون باستقلال حاكم البصرة ( افراسياب ) لأنه من أصول سلجوقية , رغم ان اخواله من العرب من أهالي الدير في البصرة , تخلصاً من الثورات العربية هناك , في خدعة مزدوجة , بعد ان اخذوا الضرائب اللازمة منها بما دفع من ثمن المنصب .
فيما تشكلت شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600م لتكون بديلا عن النفوذ البرتغالي في المنطقة المحتكر للتجارة وابعاده التجار الانجليز المتفرقين . فاحتكرت هذه الشركة التجارة تدريجياً بتسهيل من العثمانيين , الذين قضوا على التجار العراقيين لاسيما الشيعة منهم . وهذه الشركة ستلعب الدور الأكبر سياسياً في المنطقة .
لقد كان الصراع العثماني الصفوي في العراق , والتنافس البرتغالي الإنجليزي الهولندي في الخليج , طيلة القرن السابع عشر , سبباً رئيساً في عدم استقرار العراق , ومن ثم افقاره وازدياد الخراب فيه , لا سيما مع ثورة قبائل جنوب ووسط العراق الدائمة المطالبة بالاستقلال واحترام عقيدتها , وهي قبائل عرفت ببأسها الشديد وشجاعتها ورفضها العبودية مطلقاً كما يذكر المؤلف . حتى عجز الباشوات الاتراك عن ضبط الامور . ولم تكن الأوضاع تستقر الا عند قيام حكومات محلية مثل حكومة افراسياب في البصرة , وحكومة المشعشعين في الاهواز , وحكومة المنتفق في البطائح . فقد كان عهد حكومة افراسياب يتم تشبيهه بعهد حكومة هارون الرشيد من حيث الرخاء والرعاية للأدباء والعلماء والاستقرار . وهو لاشك لا يمكن ان يكون بهذا المستوى الاقتصادي الا ان هذا التصوير يحكي مدى ما عاناه العراقيون واهل البصرة من جور العثمانيين وتخلفهم سابقا .
وقد كان التعاون واضحاً بين هذه الحكومات المحلية وتناصر القبائل العربية وتداخلها . وقد هدأت القبائل بقيام هذه الحكومات التي كانت تحاول الاستقلال عن النفوذ والقرار العثماني التركي والصفوي قدر الإمكان والمستطاع . وقد كانت تنجح أحيانا وتفشل أخرى حتى اصبح جنوب العراق اشبه بالدولة المستقلة  .
لقد كان الاوربيون يستخدمون الطرق غير المشروعة من خلال الرشوة والدعاية المغرضة وينشرون الفساد للربح في الشرق المسلم , وخلال المنافسة بين البرتغاليين والهولنديين والإنجليز في القرن السابع عشر شهدت أسواق المنطقة ومنها العراق ظواهر الغش والتلاعب الممنهج واقبح صورة الانانية التجارية . وقد سبق البرتغاليون الى المنطقة الشرق أوسطية بسبب الامتيازات التي منحتها لهم الحكومة الايرانية , ثم الهولنديون , فيما وصلت اول تجارة بريطانية الى البصرة عام 1635م  .
وقد تسبب التنافس بين اسرة افراسياب واسرة ال شبيب ( السعدون ) والخيانات المتكررة من أبناء هذه الاسر لمناطقهم او حكامهم في انهيار واحدة من اهم الامارات العربية الحرة المستقلة في المنطقة . وهذا ناشئ على ما يبدو من حسد ال شبيب لنفوذ ال افراسياب . رغم ان حكم ال افراسياب كان مدنياً وحكم ال شبيب كان قبليا يستغل القبائل . وقد كان تذبذب ال شبيب وتغير ولائهم سبباً في انهيار امارة البصرة كما انهم لم يكونوا يملكون رؤية سياسية او إدارية او اقتصادية وانما هي اسرة قبلية تعمل بموجب الانفعال المادي الاني . كما ان فشل الاسر العربية في دولة الحويزة المشعشعية في الاهواز ودولة البصرة الافراسيابية في انشاء شكل من اشكال الوحدة والامن المشترك وفشلهم في اقناع القبائل التي خضعت لتأثيرات ال شبيب ان تنضم الى تحالفهم وتبتعد عن هذه الاسرة وانحسار دور قبيلة بني اسد القيادي وضعفه والتي كانت تسكن في منطقة اهوار الجزائر المركزية في منتصف هذه الامارات وغياب المرجعية النجفية عن الحراك في هذه المنطقة الشيعية بسبب استيلاء او نفوذ الاسر الاميرية او الباشوية السنية التي أقامها العثمانيون وجاء بها المال كل ذلك افضى الى انهيار الامارات العربية الجنوبية في العراق وخسارته اكبر مراكزه التجارية وواحدة من اهم مراحل الحكم المدني . وكانت قسوة وسوء إدارة العثمانيين الفاتحين لهذه الامارات من جديد وفسادهم قد تسببت في انتشار الطاعون والفقر في جنوب العراق وفقدانه لاهم مدنه في الجنوب الخليجي مثل الاحساء والقطيف . وقد كان المظهر العام للدولة العثمانية اسهم في صعود نجم القبائل غير الشيعية والتي كانت في معظمها بدوية  .
لقد شهد القرن الثامن عشر زيادة أطماع الباشوات الاتراك في كل بلاد المسلمين ومنها العراق وسرقتهم الثروات بشكل فردي او جماعي شخصي او رسمي , ولم تكن أعمالهم سوى صدى لحملاتهم العسكرية ضد القبائل الثائرة رفضاً لجورهم وتخلفهم الإداري , وفي العراق كذلك شكاية من طائفيتهم الغريبة المدمجة بالسياسة , وكانت أعمالهم الإدارية في شمال العراق اكثر استجابة لارادة حلفائهم من البكات الاكراد الذين يستعين الباشوات بقبائلهم كجيوش لقمع الثورات في الجنوب . سوى الاكراد الإيرانيين كالاردلانيين الذين كانوا اكثر نظامية واستقلالية من اكراد شمال العراق القبليين .
وقد شهد العراق ثورات ضخمة متتالية بقيادة قبائل كبرى مثل تحالف بني لام ( طي ) الكبير على طول المنطقة الشرقية للعراق المعاصر وتحالف الخزاعل ( خزاعة ) الذي انضمت اليه بعض قبائل شمر وعنزة في الفرات الأوسط وكذلك تحالف المنتفق ( النخع وبنو اسد والموالي النبط ) رفضاً للتخلف الإداري والحضاري التركي العثماني , الامر الذي دفع الكثير من القبائل الأخرى للثورة مثل الحميد في شمال ذي قار وزبيد في وسط العراق . فشهد هذا القرن حملات عثمانية قاسية ضد جميع هذه القبائل من خلال الاستعانة بجيوش الولايات العثمانية غير العراقية والقبائل الكردية وقبائل الصحراء العراقية مثل بعض قشعم وعنزة لتزدهر البداوة بشكل كبير من اجل مصلحة الباشوات العثمانية . وكان الكتاب الاتراك ومن ينتمي الى اسرهم او رعايتهم يحاولون تصوير تلك الحملات بانها على قبائل لصوصية فيما ان السارق الوحيد للثروة هم الباشوات العثمانيون وان المسروق الوحيد هي تلك القبائل المالكة للأرض العراقية , فيما جعلت تلك الأقلام من تلك الحملات العسكرية الجائرة اعمالاً بطولية ومدعاة فخر وذكر لامثال حسن باشا والي بغداد وابنه احمد الذين وليا العراق كله تقريباً مع اسرتهما القريبة والبعيدة بشكل شبه مستقل منذ دخول القرن الثامن عشر , على الرغم من الطاعون كان ينتشر من بغداد الى مناطق مختلفة من العراق , وكان الشعب يزداد فقراً وتزداد الامية بسبب قلة الاستقرار وضعف الأمان . فيما شهد الصعيد الرسمي حملة حكومية لبناء المدارس الدينية على مذهب العثمانيين وفتح الباب واسعاً امام المبشرين المسيحيين الاوربيين والذين عرفوا بخلاعتهم مما تسبب بثورات شعبية جديدة كما في ولاية البصرة .
فيما لم تكن تعي دولة نظامية شيعية مثل الحويزة المشعشية في الاهواز خطورة ما عليه الوضع الشيعي , فكانت تزيد من ضعف تحالف قوي مثل تحالف بني لام بحملات عسكرية كبيرة ضده بسبب قلة الارتكاز المعرفي الذي صاحب تكوين هذه الدولة من الأساس .
فيما كان زعماء تحالفات مهمة في الجنوب مثل زعماء المنتفق من ال شبيب يشعرون بغربة داخل تحالفاتهم بسبب اختلافهم المذهبي والحضاري عن قواعدهم العسكرية , فكان تذبذبهم بين السلطان العثماني والرفض الشعبي يضعف الجانب الشعبي . وقد حاول العثمانيون في تلك الفترة إسكان وتوطين القبائل لتحقيق مكسبين : زيادة القبائل البدوية السنية في محيط المدن الشيعية , وتقليل خطر القبائل الشيعية السريعة الحركة .
وفيما كانت ايران في العهد الصفوي تعيش حالة من الرفاهية والرقي الفني والعمراني وهذا ما كان يمنح العراق فرصة للتنفس احياناً بسبب علاقاته بها , سقط كل ذلك على يد قبائل بدوية جافة الحضارة وقاسية جدا هي قبائل الغلزاي الجبلية الأفغانية بقيادة محمود خان بن ويس القادمة من مدينة ( قندهار ) التي ما زالت تنتج التطرف والبداوة الحضارية حتى الحين , ولم يكونوا يفقهون انهم ما اسقطوا دولة بل حضارة , وقد كانوا مذهبيين طائفيين كالعثمانيين وعلى عقيدتهم وقد قتلوا الالاف ولم تكن لهم مقومات الحضارة .
ورغم ان قوات الدولة الصفوية بقيادة نادر شاه تجوب العراق من البصرة حتى بغداد وكركوك والموصل وحاصرت جميع هذه المدن وقد استطاعت ان تفرض شروط احترام المذهب الجعفري الشيعي على العثمانيين رسمياً الا ان استقلالية القبائل العربية الشيعية في العراق جعلت الصفويين يغضون النظر عن المطالب بالمدن الشيعية المقدسة وحقوق الشيعة المنتهكة من قبل العثمانيين في العراق . وقد كانت الحروب العثمانية الصفوية طيلة القرن الثامن عشر سبباً رئيساً في انهاك العراق بعد تخريبه ونهبه من قبل العثمانيين  .
شهد القرن الثامن عشر افظع المجازر العثمانية تجاه القبائل العراقية التي لم تكن تريد سوى الحرية في ارضها التاريخية وان تدين بعقائدها الخاصة والتي افتى العثمانيون بكفرها . فلم تستطع قبائل الأغلبية في العراق وهي على التشيع ان تستسيغ هدا السلب العثماني لارضها وهذه السرقة لحضارتها ومن ثم هذا التكفير ضدها , فكيف يمكنها ان تتعاون مع العثمانيين الذين ينظرون من زاوية أخرى هي زاوية الكفر والخيانة لهذه القبائل . سوى القبائل السنية التي كان الكثير منها على البداوة , ولذلك كانت قريبة على باشوات العثمانيين والتي كانوا يستخدمونها لضرب قبائل العراق الأخرى . فيما كانت القبائل الجديدة والمترددة في ارض العراق بين مد وجزر , مثل شمر , متذبذبة بين عنفوانها العربي وبين رغبتها في التعاون مع احدى الامبراطوريتين . كما كانت قبائل العراق ومدنه تنظر بعين الرفض لمظاهر الطائفية التي زرعها العثمانيون الاتراك بصفة رسمية من خلال بنائهم المساجد والمدارس الدينية الحكومية على مذهبهم المتزمت فقط ومظاهر الجوع والموت التي تنتشر كل عقد في مجموعة من مدن العراق ومراكزه الحضارية التاريخية التي أصبحت خرابا . فيما كانت السلطة طيلة القرن الثامن عشر ضمن عائلة واحد في مختلف ولايات العراق تتقاسمها عائلة حسن باشا وولده احمد الذي حكم العراق طويلا وقاد الحروب فيه وهو امي واصهاره واقاربه ومن تعلق بهم . وهي عائلة ابادت قبائل العراق من المنتفق ( بني اسد , بني مالك , بني سعيد , الاجود ) وبني لام وزبيد وشمر , لأن هذه القبائل أرادت الحرية والتحضر , ودمرت العلاقات الكردية العربية التي كانت قائمة على التحالف التاريخي للأكراد اللور وعرب بني لام بسبب اطماعها السياسية . وقد دمرت قبيلة كبيرة ومفصلية في تاريخ الإسلام هي ربيعة لأنها ابت ان تدفع الاتاوات للكهية العثماني . وكانت كل الجهود المالية للعراق تذهب لقتل أبنائه وابادة قبائله وتخريب ممتلكاتها . وكانت هذه الابادة البشرية والحضارية الالية التي وفرت للبريطانيين دخول العراق لاحقا و, هو من اخر البلدان التي دخلها البريطانيون بسبب رفض أبنائه للاحتلال الأجنبي . وبالفعل لم يجد العثمانيون سوى هذه القبائل الى جانبهم بعد خيانة حلفائهم لصالح البريطانيين , الا انها حينها كانت قبائل انهكها تاريخ الحكم العثماني . وكان ظهور عائلة السعدون ( ال شبيب ) سلبياً على المستوى القيادي والمذهبي في العراق , اذ انها كانت طامحة لما يرتبط بمصالحها لا بما يرتبط بالجمهور العريض المحيط بها , فهي عائلة سنية غريبة صغيرة جداً تعيش وتقود في وسط شيعي ساحق سمح لها بالظهور لإيجاد معادل موضوعي عربي مناسب طائفياً لرغبة العثمانيين في سلطتهم . في الوقت الذي كانت تسمح لشركة الهند الشرقية البريطانية والشركات الهولندية في العراق ان تمارس نشاطاتها التجارية بكل حرية من خلال دفع الاتاوات  .
وحين بلغت خطورة الوهابيين انها سلبت بعض ممتلكات الدولة العثمانية وظهر انها ليست قبائل سنية طائفية تريد الاكتفاء بضرب بعض العرب من الشيعة والسنة اضطر العثمانيون الى حث المماليك في العراق على جمع القبائل المختلفة من سنية وشيعية دون استقدام الاكراد هذه المرة لتأديب هؤلاء الوهابيين غير الخاضعين للسلطان . الا ان عدم الجدية العملية للقادة المماليك وتكبرهم وعدم منحهم الفرصة المناسبة للقبائل العربية المدركة لخطورة مفازات الصحراء جعلت المعركة غير حاسمة في القضاء على اخر معاقل الوهابية في درعية نجد . ثم عاد الوهابيون من جديد وغزو الاحساء .
وحين كان العراق يعاني من اهمال المماليك العثمانيين وتعاني بغداد تفشي وباء الطاعون دخل الوهابيون مدينة كربلاء المقدسة بعد غياب أهلها في سفرهم الى مدينة النجف الاشرف في احدى المناسبات الإسلامية الشيعية , فقتلوا الالاف من كهول وأطفال ونهبوا المدينة حتى ما على النساء من حلي , وسرقوا نفائس العتبات المقدسة الثمينة جدا , بتواطئ من حاكم المدينة السني المتعصب عمر اغا الذي خرج منها عند علمه بقدومهم قبل دخولهم المدينة ولم يحرك ساكناً مطلقا .
وامام رغبة العثمانيين في إسطنبول انهاء حكم المماليك في العراق واعادته الى يدهم تم ارسال صادق افندي لإقناع الوالي المملوكي بالتنحي , الا ان الوالي استشار اسحق الصراف اليهودي واتفقوا على قتل المبعوث السلطاني فقتلوه خنقا , وقد كان السفير البريطاني جزءاً من هذه القصة , فتم ارسال ضباط من الشركس يرافقهم الالبان للاستيلاء على العراق تحالفوا مع حلفاء المماليك السابقين من قبائل عقيل وشمر التي كانت تنتمي للجانب الأقوى وترتضي بما تغنم , وكانت عقيل على قسمين احدهما الى جانب الوالي , فصادف تلك الحملة لإزالة حكم اخر المماليك داوود باشا ان انتشر الطاعون الذي ظهرت أولى الإصابات به من خلال محلات اليهود , ولولا ارتفاع مناسيب دجلة وفيضان النهر في نفس الشهر لاختفى سكان بغداد عن اخرهم , فحمل الوالي جزءاً من ثروة الدولة وهرب , ونهب زعماء عقيل الكثير من ثروات السراي الحكومي واحرقوه , والغريب ان الاجتماعات والمؤامرات كانت تدار في دار صالح بك التي أصبحت دار المقيم البريطاني لاحقا , وهؤلاء المجتمعون في هذه الدار هم من قتلوا قاسم باشا اول الضباط الداخلين الى سراي بغداد من الجيش العثماني الذي قاده علي رضا باشا الشركسي . وبعد صراع وخديعة وسلب ونهب وموت وخراب استسلم داوود باشا , لكنّ المفاجأة انه لم يعدم بل تسلم الحكم في البوسنة وانقرة وغيرها حتى مات , وكأن دماء من سقط في بغداد كانت هباءً منثورا , فتم قتل جميع المماليك الخصم والجندي الموالي والمتعاون وغير المتعاون المواجه والهارب والمقاتل والمستسلم على يد قيادة الالبان بلا امان ولا عهد ولا ذمة كما كانت عادت سياسة الدولة العثمانية التي استفادت من هذا الوجود المملوكي الذي صنعته لقرون ثم ابادته . ومن تخلي علي رضا باشا الشركسي عن مظاهر السلطة الإسلامية التقليدية واحاطته بالأوروبيين وتجديده لامتيازات شركة الهند الشرقية البريطانية نفهم من كان خلف استغلال المماليك ثم قتلهم للاستفادة من خلفهم بصورة اكبر . وذلك كله في حدود منتصف القرن التاسع عشر  .
وقد عمل كل الولاة العثمانيون على تفكيك القبائل العراقية الكبيرة , واستخدموا لذلك قادة كانوا في الأصل زعماء عصابات . مع استمرار نظرتهم الدونية للفلاح . واستمروا في نقل المال من العراق الى استانبول لدعم حروب السلطان في القرم وغيرها ولتشييد القصور السلطانية هناك .
ومن الغريب الوصف الذي تم نقله في كتاب ( أربعة قرون من تاريخ العراق ) عن وحشية قبائل جنوب العراق وان مرجعيتها الدينية سلفية وانها ترفض الخضوع للنظام , ومكمن الغرابة هو التاريخ والسياسة والإدارة الفاشلة والمتخلفة والجاهلة للعثمانيين في العراق واستيلائهم على أراضي اهله وثرواتهم وارسالها الى الخارج من خلال ولاة وجنود وموظفين أجانب وتسبب وجودهم في انتشار الامراض والاوبئة طيلة قرون , وكذلك اعتبارهم ان القسم الأعظم من شعب العراق كافر , وهم اذ يعادون الدولة الصفوية التي يملك شعبها علاقات تاريخية وحضارية وقبلية بشعب العراق باعتبارها في نظرهم شيعية كافرة يمنحون امتيازات مفرطة للبريطانيين والأوروبيين الأجانب ذوي النوايا السيئة – والتي ثبت اثرها السيء فيما بعد – دون مقابل , كما ان تخريبهم للزراعة والتجارة والصناعات المحلية يقرب من مفهوم الإبادة الجماعية , وبالتالي ان موقف قبائل جنوب العراق ومدنهم وعواصمهم المقدسة في كربلاء والنجف كان موفقاً لرفضهم تلك الحقبة السوداء المظلمة , رغم ان هذا الجنوب وحده من سيدافع عنهم لاحقاً حين يغدر بهم البريطانيون في بداية القرن العشرين .
ولم يفت العثمانيين في تلك الفترة قتل المسيحيين العراقيين الشرقيين أيضاً لاسباب نفهمها من المستفيد لاحقا . وبدأت تنتشر قبائل عنزة وشمر وزبيد في العراق بدل قبائله القديمة التي كانت تهرب بسبب هيجان الجور العثماني , الذي انطلق فجأة في كل هذه الابادات المخططة والمنظمة والتي لن تعود عليه بالخير . حيث تم ضرب الخزاعل وقبائل الفرات الأوسط , وتعيين شيخ منتفكي لجباية أراضي بني لام لاثارة الفتنة بين اقوى تحالفين قبليين في العراق , ولم يكن زعماء المنتفق من السعدون غير المتحضرين يفهمون ما يراد بهم , رغم انهم قاوموا محاولة تحويلهم الى موظفين اتراك من خلال اعطائهم وظيفة قائم مقام بدل شيخ المشايخ , وكذلك محاولة تركيا سلب الأراضي التي تحت أيديهم وضمها الى مدن أخرى .
ويكفي في بيان سوء الإدارة العثمانية المدنية والعسكرية – وهما في الغالب مختلطتان – ان العراقيين حين يريدون حتى اليوم وصف امر ما بالفوضى يقولون متندرين ( هي هايته ) والهايته اسم للجيش العثماني الذي نشأ في العراق بعد حل الانكشارية . ورغم هذه الفوضى التركية التي امتدت لقرون في العراق نراهم يطلقون على الإدارة الوطنية لمدينة كربلاء ( ياره ماز ) أي السفهاء الذين لا يصلحون لشيء ! وكأنما كان الاتراك يصلحون لشيء رغم القرون التي قضوها في السلطة والتي لم تدخلهم في التمدن الحضاري . ( ولا يفوتنا ضرورة الإشارة الى ان ذلك كله كان تحت اشراف البريطانيين وممهداً لدخولهم العراق من خلال القضاء وتفكيك كل الامارات المحلية في العراق وتجهيله وتجويعه ونشر الفتن بين العائلات الاميرية والقبلية الحاكمة وتوطين القبائل لتسهيل ضربها وزيادة خوفها من المواجهة بعد توطنها لثقل حركتها  .
عند اول رحلة لباخرتين بريطانيتين في الثلث الأول من القرن التاسع عشر وهما ( دجلة – الفرات ) في الأنهار العراقية بعد موافقة السلطة العثمانية في تركيا على ذلك وبعد المناقشة البريطانية في لندن لدعم ملاحة شركة الهند الشرقية , غرقت الباخرة دجلة بعاصفة أصابتها , اما الباخرة الفرات فقد طلب فلاحو حديثة من طاقمها ان يذهبوا الى بغداد ويرفعوا علمهم هناك , وقابلهم اهل الحلة مقابلة الكفار , وقابلهم الخزاعل باستخدام القوة والطرد , وتم سد طريقها في سوق الشيوخ بجذوع النخل . الا ان العثمانيين سمحوا لها ان تمخر عباب المياه العراقية لخمس سنين أخرى . مما يكشف الفرق بين الوعي الوطني لأهل العراق وبين الإدارة العثمانية الفاسدة . وهو الامر الذي ستدفع ثمنه الدولة العثمانية غالياً مستقبلا , لكن سيدفع ثمنه اهل العراق ايضاً بسبب الوجود والسذاجة والرشوة العثمانية .
وخلال الفترة اللاحقة انتشرت البواخر البريطانية في المياه العراقية بترخيص او بدونه , وتم رسم عشرات الخرائط للبلاد من قبل المساحين البريطانيين لتدخل الخدمة في الجيش البريطاني حتى عام 1914م . ولم تكن لتلك البواخر أهمية تجارية ولا مهمة محددة , وانما كانت مقدمة للتجارة الحقيقية ولطلائع الجيش البريطاني لاحقا .
وحين جاء العثمانيون بعد منتصف القرن التاسع عشر بباخرتين بالشراكة مع التجار لم يتم استخدامهما سوى في الحملات العسكرية لضرب القبائل , ولم تعط لهما أهمية تجارية تدر الأرباح , في الوقت الذي تحقق شركات اسرة لنج البريطانية الأرباح في المياه العراقية .
ورغم ان العراقيين اول من اخترع العجلة في التاريخ الا ان بلادهم كانت تسير تجارتها باستخدام الحيوانات , لعدم قيام الحكومات العثمانية المختلفة باي مشروع لإنشاء طريق صالح للسير , وهي الحكومات التي كانت تجبر الفلاحين والأهالي على بناء القناطر على الأنهار رغم انها تسلب أموالهم . فيما دفنت رغبات التجار المحليين في مد الطرق البرية والحديدية بالتعاون مع مهندسين أوروبيين بسبب التخلف الإداري العثماني , ولم تكن السلطات العثمانية تستجيب وتتعاون سوى مع الرغبات التجارية الأوروبية حينها حيث نظر الأوروبيون للعراق على انه مكمن ثروات هائلة – وهو الأهم اقتصاديا في الدولة العثمانية كلها بالاشتراك مع مصر – وطريق رئيس يربط الشرق بالغرب, وتنظر بازدراء لكل ما هو محلي .
وقد كان البريطانيون متحمسين في النصف الأخير من القرن التاسع عشر لمد خطوط التلغراف في العراق ومجمل المنطقة , لاسباب توضح انها عسكرية فيما بعد . وكان اول استخدام لهذه الخطوط التلغرافية الحديثة من قبل العثمانيين عسكرياً ايضاً اذ استخدمتها لجمع القوات اسرع لضرب القبائل العراقية  .
لقد جاء مدحت باشا الى بغداد حاكماً على العراق من أوروبا , وقد فشل في كل ما ادعي انه أراده من اصلاح بسبب جهله وسوء ادارته وسوء الماكنة الحكومية العثمانية . ومن الغريب انه أراد بيع خزائن مدينة النجف الاشرف النفيسة والتي لا تملكها الدولة لانها موقوفة من مالكيها على العتبات المقدسة بدعوى انفاقها على الاشغال العامة رغم انه فشل في كل ما تدخل به من اشغال لا سيما في مشاريع شط العرب . حتى انه هدم سور بغداد وتركها بلا حماية بعد ان تركه انقاضاً على الأرض , وكانت خطته تعتزم دفع الأجور للعمال من بيع انقاض السور نفسه ! .
الا انه نجح في تمصير مدن قبلية مثل الناصرية والرمادي , لا من اجل أهلها بل لان مدينة الناصرية كانت مركز إقليم المنتفق الأقوى في العراق ومن ثم هو نجح في توطين القبائل وتوظيف شيوخ السعدون عند الحكومة بعد ان كانوا امراء اكبر من الوالي نفسه , حيث أصبحت القبائل مضطرة لدفع الضرائب بلا مقابل خدمي , واصبح الشيوخ جزءاً من المنظومة الحكومية بعد ان كانوا اقدر على المعارضة , وصار بالإمكان معاقبة القبائل بيسر وسهولة , او اذلالها بمصادر المياه الزراعية التي تتلاعب بها الحكومة , وصار نشر الفتن اسهل على الولاة بين رجالات القبائل الباحثين عن مصالحهم . كما ان سياسة التوطين خلقت مشكلة التملك للأراضي التي هي ملك قبائل اصيلة لكنّ اسلاف الولاة العثمانيين منحوها هدايا وهبات لرجال وعوائل موالية لهم , مما جعل الحكومات المتأخرة في القرن الثامن عشر تخلق مفهوم الأرض الاميرية التي يتم بيع فائدتها والتصرف الزراعي فيها فقط دون ملكيتها الصرفة مقابل أموال جديدة لمن يملك سندات تمليك الولاة السابقة او من هو يعيش على الأرض فعلا , فكان هذا طوق نجاة اولي لقبائل مهاجرة جاءت من نجد او الحجاز او الخليج او الشام وهي لا تملك شيئاً سابقاً في العراق الا ان مذهبها السني أعطاها مكانة اقرب عند الولاة العثمانيين , لاسيما ان معظم القبائل الشيعية الاصيلة كانت تخشى تبعات التوطن من فرض الضرائب الجائرة او التجنيد الاجباري , وهو الذي سمح للقبائل المهاجرة بالحصول على امتيازات تم تثبيت الكثير منها لاحقا . فاصبحت بساتين شيخ كعب والمحيسن العظيمة على شط العرب ملكاً للحكومة , واصبح شيخ عنزة مالكاً للبساتين الكبيرة فجأة في اعلى الفرات , واستقرت شمر وأصبحت عائلة شيوخها من الجربا ملاكاً للأراضي في مناطق الشرقاط . واستغل السعدون هذا الوضع بعدما اصبحوا موظفين عند الحكومة العثمانية واستحصلوا سندات ملكية للأراضي في إقليم المنتفق الواسع وسط ذهول أبناء تلك القبائل واستغرابها , ليجد أبناء تلك المناطق المحاربون الاشداء انفسهم فلاحين عند السعدون , وهو الامر الذي اغضبهم وجعلهم ينفرون من مشايخ السعدون ويرفضون دفع الضرائب التي لم تستحصلها الحكومة منهم الا يسيرا . وتسبب هذا الجشع السعدوني بتفكك حلف المنتفق التاريخي الكبير والقوي . وهو اخر حلف مع حلف قبائل بني لام – الذي تم ضربه سابقاً – كانت تخشاه القوات البريطانية . وهذا ما اعترف به البريطاني صاحب كتاب ( أربعة قرون من تاريخ العراق ) .
وقد أصبحت عائلة السعدون – التي جاءت من نجد –  منذ ظهور ناصر باشا وابنه فالح ومنذ عهد الوالي مدحت باشا اليد العثمانية الحكومية لاخضاع القبائل وعثمنتها بالقوة , وصار للعثمانيين قوة مقيمة لحماية شيوخ السعدون في الخميسية في سوق الشيوخ , حتى ان جشعهم وصل بهم الى اخماد ثورة الاحساء البعيدة انتصاراً للعثمانيين , مقابل الألقاب والمناصب التي نالوها , الامر الذي تسبب بحرب قبائلية داخلية لم تهدأ لعقود , واضعفت جنوب العراق كثيراً وطويلاً , بل يمتد اثرها الى اليوم .
ثم يمكن القول ان مدحت باشا جعل الطريق البريطاني الى العراق معبداً من هدم الاسوار وتوطين القبائل لتثقل حركتها وقدرتها على المراوغة . لاسيما بعد ما فعله اسلافه من حملات إبادة بشرية واقتصادية وعقائدية ضدها . وقد كانت المناصب في العراق حكراً على الاتراك والالبان والشركس وبعض العرب السوريين او الاكراد في الشمال . وكانت مناطق الجنوب العراقي اسمياً في العهد العثماني تشمل مناطق الخليج من الكويت والاحساء ونجد وغيرها وتتبع الى ولاية البصرة . وحين فشل الاتراك في الحكم المباشر لمناطق الخليج استعانوا بقبائل المنتفق الذين حكموها من بداية سبعينات القرن التاسع عشر حتى القرن العشرين . ورغم هذا الحكم لم يستفد أبناء المنتفق شيئاً من التقدم بسبب بداوة وعدم جدية امرائهم من السعدون .
وكان يمثل بريطانيا في العراق منذ 1870م موظفون كبار برتبة وكيل سياسي او قنصل في عدة مدن . وقد استولى البريطانيون – المتسللون في العراق منذ ثلاثة قرون – على التلغراف والملاحة النهرية وعلاقات مع قبائل عديدة ونفوذ حكومي يصل من البصرة الى بغد والموصل الى إسطنبول , الامر الذي جعل احتلالهم للعراق مهيئاً تماما . وكان للروس والامريكان والفرنسيين والالمان ممثلون كبار في العراق , لكنه لا يمكن ان يقارن بشيء يذكر من النفوذ البريطاني في العراق . وفي الحقيقة ان وظيفة اغلب هؤلاء القناصل الرئيسة كانت التنقيب عن الاثار , حتى ان عنوان القنصل والمنقب الاثاري صار واحداً حينها .
واستوطنت قبائل شمر , رغم انقسامها بسبب توطن شيخها العام , الا ان استياطنها وتوطيد علاقتها بالحكومة العثمانية في العراق منحها الفرصة الذهبية لشغل المناصب المهمة محلياً والتي كانت ترفضها القبائل الجنوبية المعارضة للجور العثماني والحكومات اللاحقة , وكذلك انتشرت شمر طوقة من ديالى الى جنوب الكوت . وكذلك توطنت الدليم وزبيد . واتخذت التشكيلات القبلية وضعها المشابه لليوم . وقد ظل الاكراد يؤجرون الجنود الخيالة لتشكيل أفواج للجيش السلطاني العثماني .
وقد كانت الفتنة بين قبائل جنوب العراق تظهر بشراسة في تلك الفترة من التوطين , فتتقاتل القبائل بينها كما في نزاع بني لام الداخلي في اخر عقدين من القرن التاسع عشر , حتى صار للعثمانيين قوة عسكرية هناك في العمارة لأول مرة . والتي لم تتقاتل يكفي في اضعافها ضربها كما في هجوم الحكومة العثمانية على قبائل الدغارة في الديوانية , ونفي اهم شيوخ جنوب العراق الشيخ حسن امير قبيلة اسد التاريخية بعد إخراجه عنوة من الاهوار . فكان هذا الحال المثالي لدخول قوة اجنبية اقوى هي بريطانيا مستقبلا , وبذلك يكون ولاة العثمانيين وموظفوهم قد خدموا الجيوش الأجنبية الغازية خدمة لا يحلم غاز بمثلها . كما ان الاناة البريطانية والصبر في تفكيك ركائز قوى العراق لثلاثة قرون مما يثير النظر والتأمل .
فيما كان العراق من اهم مصادر المال والرجال للحروب العثمانية وللبذخ السلطاني في إسطنبول , في الوقت الذي كانت تزيده هذه الحروب والنفقات الخارجية التي لا ناقة له فيها ولا جمل فقراً وضعفا . وقد لعبت الدعاية الدينية السنية دورها في حكم العراق من قبل العثمانيين . والذين كان ضباطهم في العراق اميين , قادهم في نهاية القرن التاسع عشر بعض الضباط الالمان مثل فون دير غولتز الذي أشار على العثمانيين بانشاء قوات شرطة البادية وقد تم منحه لقب باشا كأي غريب اخر . والقوات العثمانية في العراق كانت تجبر الناس على التجنيد في الحروب الخارجية بالقوة لتشكيل عدة فيالق , فيما كانت قواتهم البحرية المواجهة للخليج الذي تلعب فيها القوى البريطانية مفككة ضعيفة بالية . وفي الحقيقة ان الجيش العثماني المهلهل والقديم الطراز لم يكن معد – ومحسن من قبل الأوروبيين – الا لضرب القبائل العراقية . وقد كان يُنظر للجيش السادس العثماني في العراق على انه احط الجيوش في الإمبراطورية , ورغم ذلك لم تستطع بريطانيا بقوتها الحديثة دخول العراق الا متأخرة  .
ولقد كانت التشريعات القانونية التركية توفيقاً بين ما هو شبه الإسلامي وبين ما هو فرنسي , فكان خليطاً فجاً . بالإضافة الى سوء تطبيق القانون من قبل الموظفين والولاة المرتشين . كما ان التعليم كان اخر الأشياء التي من الممكن ان تسعى الحكومات التركية الجاهلة لنشرها بين العراقيين , فكان الناس مضطرين لارسال أولادهم الى ( كتاتيب ) المساجد لتعليمهم وهو ما كان يخفف من وطأة الجهل نسبيا . ولم تظهر المدارس التي تعد على أصابع اليد الا في نهايات القرن التاسع عشر وفي المراكز الكبرى فقط وباللغة التركية التي تسببت بعدم فهم الطلاب لما يدرسون , لكنّ الغاية الحكومية كانت تتريكهم وجعلهم موظفين مطيعين ليس لهم شعور بالانتماء الوطني او القومي . وهذا ما جعل كتابة التاريخ حكراً على من له ارتباط رسمي او مذهبي بالحكومات التركية او العوائل التي اثرت واستفادت من تلك العصور المظلمة , فخسر العراق صفحات مهمة من حقيقة ما جرى اذ كان اغلب أبنائه لا يحسنون الكتابة فضلاً عن التأليف , ولم يكن للبقية الباقية من الامكانية المادية لطبع الكتب .
وكانت دوائر البلدية غير موجودة عملياً في العراق , لكنها موجودة في مركز السلطنة في اسيا التركية التي تنعم بخيرات ما تسلبه من الأقاليم الغنية كالعراق ومصر . حتى ان دائرة الأوقاف وهي من الدوائر الحكومية النادرة كانت تسرق نفائس ما يهدى الى العتبات المقدسة وترسله الى إسطنبول , وتهمل متعلقات هذه العتبات والاوقاف من مزارات ومساجد وخدمات والتي كانت بحالة رثة وكان المتولون عليها من المحليين في حالة رثة .
ولم تكن هناك من دوائر حكومية للصحة ولم يكن في العراق سوى مستشفى واحد يقع في بغداد , فكانت الامراض تنتشر كأوبئة , ومن ثم فالناس مضطرة للتشافي على يد افراد محليين . لا سيما مع قلة العناية الحكومية بالبيئة والصحة المجتمعية .
فيما كان المسيحيون واليهود يتمتعون بنظام تعليمي واضح , الامر الذي مكنهم من تطوير انفسهم ومجتمعاتهم والدخول في السلك الوظيفي . وكان ان سمحت الحكومة العثمانية للبريطانيين وموظفيهم الهنود فتح دائرة بريد تعمل في العراق , وهي ربما مكنت البريطانيين من التجسس بصورة اعمق , الامر الذي قلدته الحكومة العثمانية ففتحت دائرة مشابهة بعد مؤتمر باريس . وقد سمحت هذه الدائرة مع دائرة التلغراف بانفتاح العراق على العالم .
وبقي العراق متخلفاً في الملاحة النهرية والبحرية عن العالم بسبب سوء الإدارة العثمانية واهمالها وعدم كفاءتها وجديتها حتى نهايات القرن التاسع عشر , الامر الذي اعطى شركة ( لنج ) البريطانية الفرصة الأكبر للربح , رغم سعي بعض ولاة العثمانيين للمنافسة معها , لكنهم كانوا يفشلون بسبب عدم وجود إدارة عصرية منظمة وقوة النفوذ السياسي للبريطانيين في إسطنبول .
وعدا خط الترامواي بين الكوفة والنجف والمركز لم يكن من مواصلات برية في معظم العراق سوى البغال والحمير والاحصنة والجمال عند نهايات القرن التاسع عشر . ولم تشرع مشاريع خطوط السكك الحديد الا برغبة المانية , وبامتياز ورأسمال الماني , لكنها مدت من البلقان الأوروبية الى تركيا فقط ولم تصل الى العراق الا بعد اكثر من عشرين سنة اذ انجز خط حديد بغداد – سامراء عام 1914م , في تنافس الماني بريطاني في الوصول الى مياه الخليج برا , فزادت العلاقات البريطانية الصباحية في الكويت قرباً وكان ذلك مقدمة لفصل معظم الخليج عن العراق . وكانت معظم الدوائر العثمانية مؤسسة لجبي الضرائب من الكمرك او الأراضي او البساتين او الصيد او التجار وإدارة ما استولى عليه السلطان من أراضي العراق .
وكانت الاسرة السعدونية عند دخول العراق في القرن العشرين الميلادي آخذة في الضعف والانهيار متسببة في ضعف غيرها وانهيار اكبر واطول حلف قبلي قوي في العراق هو حلف المنتفق , بسبب ما كانت عليه من تذبذب نفعي وإعطاء وجه للعثمانيين ووجه اخر للقبائل , فكانوا في العقد الأول من ذاك القرن ضعفاء واقليمهم اضعف .
فيما انقسمت واحدة من اكبر القبائل المهاجرة الى جزيرة العراق الشمالية وهي ( شمر) وضعف امرها كثيراً عند دخول القرن العشرين , وازدادت ضعفاً بسبب التوطن غير المتناسب مع طريقة حياتهم التي اعتادوها لقرون . وصار كل العراق مشغولاً بمشاكل جمة خلقها التوطين وانقسام القبائل وسوء الإدارة العثمانية . وزاد ضعف العوائل الكردية التي كانت موالية للعثمانيين ويدهم الضاربة وصعد نجم القبائل التي تبحث عن فرص الثراء . وكان هذا الوضع مثالياً لدخول جيش اجنبي كان العراقيون يرونه كافراً هو الجيش البريطاني الغازي .
وكان العراق منذ عهد سليمان القانوني حتى دخول القرن العشرين يزداد ضعفاً وجهلاً وانحداراً مادياً ومعنويا ويقترب من مظاهر البلدان الوحشية بعد ان كان قبلة التحضر العالمية قبل ذلك . وبقيت ثروته الكامنة غير مستثمرة . رغم ان استقرار العراق في فترات الحكم المحلي المستقلة القليلة .
ومن ثم لا يمكن لاحد مطلع على التاريخ ان يستغرب قيام السعوديين وأعراب ساحل الخليج وبلاد الشام – الذين وصلوا الى هناك من نجد – بتفجير مدن العراقيين , بالتزامن مع قيام الاتراك بتجفيف مجرى نهري دجلة والفرات المغذية للعراق .
[1] ويكيبيديا 

[1] تاريخ الأمموالملوك / الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ١٣

[1] أصحاب الامامامير المؤمنين والرواة عنه / الأميني / ج ٢ / ص ٤١٦

[1] اعيان الشيعة/ ج ١ / ص ٥٢٥

[1]تاريخ التمدنالإسلامي 2 جرجي زيدان ص 47  

[1] تاريخ الأمموالملوك / الطبري / دار كتاب / ج ٢ / ص ٢٠٨ – ٢٠٩

[1] أعيان الشيعة/ ج ١ / ص ١٩٧

[1] تاريخ الأمموالملوك / الطبري / مؤسسة الاعلمي / ج ٢ / ص ٢١٧

[1] أعيان الشيعة/ ج ١ / ص ٢٤٢

[1] أعيان الشيعة/ ج ١ / ص ٢٤٥

يمكنك قراءة الخبر ايضا من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

اخر اخبار العراق من موقع الاخبار العراقي على موقع اخبار العراق اليوم على الفيس بوك تويتر مباشر الان ساعة بساعة

أضف تعليقـك